Le contrat précieux pour connaître le Seigneur des mondes
العقد الثمين في معرفة رب العالمين
Enquêteur
تحقيق وتعليق : محمد يحيى سالم عزان
Édition
الثانية
Année de publication
1415 - 1995 م
بسم الله الرحمان الرحيم [مقدمة المؤلف] الحمد لله المختص بصفات الإلهية والقدم (1)، المتعالي عن الحدوث والعدم، الذي لم يسبقه وقت ولا زمان، ولا تحويه جهة ولا مكان، جل سبحانه. دل على ذاته بما ابتدعه من غرائب مصنوعاته (2)، عجائب مخلوقاته، حتى نطق صامتها بالإقرار بربوبيته بغير مذود (3)، وبرز مجادلا لكل
Page 11
من عطل وألحد (1) وصلواته وسلامه على سيدنا محمد الذي هو بالمعجزات مؤيد، وفي المرسلين مرجب (2) ومسعود (3)، وعلى آله الغر الهداة، والولاة على جميع الولاة، وعلى صحابته المكرمين المؤيدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد.
(التوحيد) [الدلالة على أن الله تعالى خالق العالم] أيها الطالب للرشاد، والهارب بنفسه عن هوه الالحاد.
فإذا قيل لك: من ربك؟
Page 12
فقل: ربي الله فإن قيل لك بم عرفت ذلك؟ فقل لأنه خلقني، ومن خلق شيئا فهو ربه.
فإن قيل لك: بم عرفت أنه خلقك؟ قل: لأني لم أكن شيئا ثم صرت شيئا، ولم أكن قادرا ثم صرت قادرا، و [كنت] صغيرا ثم صرت كبيرا، ولم أكن عاقلا ثم صرت عاقلا، وشاهدت الأشياء تحدث بعد أن لم تكن، فرأيت الولد يخرج ولا يعلم شيئا، ثم يصير رضيعا، ثم طفلا، ثم غلاما، ثم بالغا، ثم شابا، ثم كهلا، ثم شيخا. ثم رأيت نحو ذلك من هبوب الرياح بعد أن لم تكن، وسكونها بعد هبوبها، طلوع الكواكب بعد أفولها، وأفولها بعد طلوعها، وظهور السحاب وزواله (1)، وكذلك المطر والنبات والثمار المختلفات. وكل ذلك (2) دلائل الحدوث.
Page 13
وإذا كانت محدثة فلا بد لها من محدث، لأنها وصورها، فننظر سماءا، وأرضا، وثمارا، وأشجارا، وآبارا، وبحورا، أنهارا، وإناثا، وذكورا، وأحياء وأمواتا، وجمعا، وأشتاتا.
وكذلك ننظر إلى الأعراض الضروريات المعلومات (1)، فإنها اشتركت في كونها أعراضا، ثم افترقت وانقسمت بين شهوة ونفرة، وحياة وقدرة، ويبوسة ورطوبة، وطعوم مكروهة ومحبوبة، وروائح شتى، وحر وبرد، ووجاء (2) وفناء، وألوان متضادة على المحل (3)، وموت يقطع الرزق والأمل.
Page 14
فنعرف أنه لا بد من مخالف خالف بينها، وأحدث ما شاهدنا حدوثه منها، وأنه غير لها، لأنها لا تحدث نفسها، إذ الشئ لا يحدث نفسه، لأنه (1) يؤدي إلى أن يكون (2) قبل نفسه، وغيرا لها، وكذلك لا تصور أنفسها، ولا تخالف بين هيئتها، ولا يقع ذلك مما يقوله الجاهلون، من طبع أو مادة، أو فلك، أو نجم، أو علة، أو عقل، أو روح، أو نفس، أو غير ذلك مما يقولونه، لأن ذلك إن كان من قبيل الموجبات (3) لم تخل: أن تكون موجودة، أو معدومة. والموجودة لا تخل: أن تكون قديمة، أو محدثة. ولا يجوز ثبوت ذلك لعله قديمة ولا معدومة، لأنه لو كان كما زعموا لكان يلزم وجود العالم بما فيه
Page 15
في الأزل (1)، واستغناؤه عن تلك العلل (2).
ولا يجوز أن يكون ثبوت ذلك لعلة محدثة، لأنها لا تخلو: إما أن تكون مماثلة لما تقدم [منها] أو مخالفة [له]، إن كانت مماثلة وجب أن يكون معلولها متماثلا، وفي علمنا باختلاف ذلك العالم دلالة على بطلان القول بأنه عن علة مماثلة أو علل متماثلات.
ولا يجوز أن يكون لعلة مخالفة، ولا علل مخالفة لأنها حينئذ تكون قد شاركت العالم في الاختلاف، الذي لأجله احتاج إليها، فيدور الكلام إلى ما لا يعقل ولا ينحصر من العلل (3).
Page 16
فيجب الاقتصار على المحقق المعلوم، والقضاء بأن الذي أحدثها وصورها، وخالف بينها هن الفاعل المختار، هو الحي القيوم.
فصل [في أن الله تعالى قادر] فإن قيل: ربك قادر، أم غير قادر؟ فقل: بل هو قادر، لأنه أوجد هذه الأفعال التي هي العالم، والفعل لا يصح إلا من قادر. أوجده تعالى لا بمماسة، ولا بآلة، * (إنما أمرة إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) * [يس: 82].
فصل [في أن الله تعالى عالم] فإن قيل: أربك عالم، أم غير عالم؟
فقل بل هو عالم، وبرهان ذلك ما نشاهده فيما خلقه من بدائع الحكمة، وغرائب الصنعة، فإن فيها من الإحكام
Page 17
الترتيب، ما يعجز عن وصفه اللبيب (1) [وكل ذلك لا يصح إلا من عالم، كما أن الكتابة المحكمة لا تصح إلا من عالم بها، وهو تعالى لا يختص بمعلوم دون معلوم، فيجب أن يعلم جميع المعلومات، على كل الوجوه التي يصح أن تعلم عليها.
هو سبحانه يعلم ما أجنه الليل، وأضاء عليه النهار، ويعلم عدد قطر الأمطار، ومثاقيل البحار، ويعلم السر - وهو ما بين - وما هو - وهو ما لم يخرج من بين شفتين - * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم) * [المجادلة: 7] بعمله لا يلاصقهم، وهو شاخص عنهم ولا يفارقهم] (2).
فصل [في أن الله تعالى حي] فإن قيل: أربك حي، أم لا؟
Page 18
فقل: بل حي، لأنه تعالى لو لم يكن حيا لم يكن قادرا، ولا عالما، لأن الميت والجماد لا يفعلان فعلا، ولا يحدثان صنعا.
فصل [في أن الله تعالى قديم] فإن قيل: أربك قديم، أم غير قديم؟
فقل: هو موجود لا أول لوجوده، لأنه لو كان لوجوده أول لكان محدثا، ولو كان محدثا لاحتاج إلى محدث، إلى ما لا يتناهى، وذلك محال، فهو قديم، قادر، حي، عليم، لم يزل ولا يزال، ولا يخرج عن ذلك في حال من الأحوال، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن له بد من فاعل فعله، وجاعل - على صفات الكمال - جعله أو يكون لعلة، وقد ثبت أنه تعالى قديم، فلا يصح القول بشئ من ذلك.
فصل [في أن الله سميع بصير] فإن قيل: أربك سميع بصير؟ فقل: أجل لأنه حي كما تقدم، ولا يعتريه شئ من
Page 19
الآفات، لأن الآفات لا تجوز إلا على الأجسام، وهو تعالى ليس بجسم، لأن الأجسام محدثة كما تقدم، وهو تعالى قديم أيضا (1).
فصل [في أن الله تعالى لا يشبه الأشياء] فإن قيل: أربك مشبه الأشياء؟
ربي لا يشبه الأشياء، لأن الأشياء سواه: جوهر، وعرض، وجسم. ولا يجوز أن يكون جوهرا، ولا عرضا، لأنهما غير حيين ولا قادرين، وهو تعالى حي قادر، ولأنهما محدثان وهو قديم، ولا يجوز أن يكون جسما، لأنا قد بينا أنه خالق الأجسام، والشئ لا يخلق مثله، ولأن الجسم مؤلف مصنوع، يفترق ويجتمع، ويسكن ويتحرك ، ويكون في الجهات، وتسبقه الأوقات، وكل ذلك شواهد الحدوث، وقد ثبت أنه تعالى قديم، فلا يجوز أن يكون
Page 20