La Suite dans l'évocation de la Mort

العاقبة في ذكر الموت

Enquêteur

خضر محمد خضر

Maison d'édition

مكتبة دار الأقصى

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٠٦ - ١٩٨٦

Lieu d'édition

الكويت

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَبِه ثقتي
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الأوحد الزَّاهِد أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق بن عبد الرَّحْمَن ابْن عبد الله الْأَزْدِيّ الإشبيلي الْمَالِكِي ﵁
الْحَمد لله الَّذِي أذلّ بِالْمَوْتِ رِقَاب الْجَبَابِرَة وَكسر بصدمته ظُهُور الأكاسرة وَقصر ببغتته أمال القياصرة الَّذِي أدَار عَلَيْهِم حلقته الدائرة وَأَخذهم بِيَدِهِ الْقَاهِرَة فقذفهم فِي ظلمات الحافرة وصيرهم بهَا رهنا إِلَى وَقْفَة الساهرة فَأَصْبحُوا قد خسروا الدُّنْيَا وَلم يحصلوا على شَيْء من الْآخِرَة
مصيبتهم وَالله لَا يجْبر مصابها وَلَا يتجرع صابها وَلَا تَنْقَضِي آلامها وَلَا أوصابها
لم يمنعهُم مَا حصنوه من المعاقل والحصون وَلَا حرسهم مَا بعثوه من الحرس والعيون وَلَا فداهم من ريب الْمنون مَا ادخروه من علق مصون وَذهب مخزون
بل صدمهم بركنه الشَّديد وصبحهم بجيشه المديد وأنفذ فيهم مَا كتب عَلَيْهِم من الْوَعيد
نقلهم من لين المهود إِلَى خشونة اللحود وصيرهم بَين حجرها المنضود وجندلها الْمَعْقُود أكلا للهوام وطعما للدود
نظر إِلَيْهِم بِعَيْنِه الشوساء وَأرْسل عَلَيْهِم كتيبته الخرساء فأذل عزتهم

1 / 23

القعساء وأبدل من نعمتهم بؤسا وأنطق بالعويل أَلْسِنَة خرسا وصيرهم حَدِيثا يذكر على مر الزَّمَان وَلَا ينسى
نزلُوا عَن الأرائك والكلال والأسرة والحجال إِلَى الْحِجَارَة والرمال والأراقم والصلال وشظف الْعَيْش وضيق المجال وحلوا بِربع غير محلال بِحَيْثُ لَا زَوَال وَلَا انْتِقَال وَلَا عَثْرَة تقال وَلَا يسمع فِيهَا مقَال وَلَا يلْتَفت عِنْدهَا إِلَى من قَالَ
أرسل عَلَيْهِم رَبك جُنُوده العاتية وَأَخذهم أَخَذته الرابية وسلك بهم مَسْلَك الْأُمَم الخالية والقرون الْمَاضِيَة فَهَل تحس مِنْهُم من أحد أَو هَل ترى لَهُم من بَاقِيَة وَفِيهِمْ قيل وَفِي أمثالهم
حدث حَدِيث الْقَوْم من فَارس ... وَمن بني قبط ويونان
وَمن بني الْأَصْفَر أعجب بهم ... وَسيد الأتراك خاقَان
والأقدمين الأعظمين الألى ... من حمير أَبنَاء قحطان
من تبع الْعَرَب وَمن قَيْصر ... الرّوم وكسرى آل ساسان
من كل قرم شامخ أَنفه ... وكل فِرْعَوْن وهامان
وَإِن نسيت الْيَوْم شَيْئا فَلَا ... تنس نبطا أُخْت كلدان
وَاذْكُر مُلُوك الأَرْض من بعدهمْ ... من عرب صيد وعجمان
من كل مَنْصُور اللوا أروع ... سليل أطواق وتيجان
مُجْتَمع الشمل على عزة ... شيدت بأساس وأركان
قد زلزل الأَرْض وراع الورى ... من جَيْشه الضخم بطوفان
وذلل الْخلق بسلطانه ... كَأَنَّهُ رب لَهُم ثَان
انْظُر إِلَيْهِم هَل ترى مِنْهُم ... غير أَحَادِيث بأفنان

1 / 24

وَانْظُر إِلَى الْمَوْت وأعماله ... فيهم ترى الهلك ببرهان
وَأبْصر الْقَوْم وماذا لقوا ... بِالْمَوْتِ من ذل وخسران
قد صفعتهم يَده صفعة ... خروا لآناف وأذقان
ودك فِي الأَرْض بيتجانهم ... وألبسوا تيجان صمان
من حجر صلد ورخو وَمن ... ترب وحصباء وصيدان
وأنزلوا بطن الثرى بَعْدَمَا ... كَانُوا قعُودا فَوق كيوان
واطعم الديدان لَحْمًا نهم ... ويالك من لحم وديدان
فكم هُنَاكُم من فَتى ناعم ... وَمن فتاة ذَات أردان
وَمن هزبر مرح فِي الوغى ... وظبية تسرح فِي بَان
كَانُوا كَذَا ثمَّ اغتدوا عِبْرَة ... لنازح الدَّار وللدان
وَلم يدافع عَنْهُم جحفل ... قد طبق الأَرْض بفرسان
وَلَا بيُوت ملئت كلهَا ... من لُؤْلُؤ بحت وعقيان
بل مر ذاكم كُله مسرعا ... كَالرِّيحِ مرت بَين قضبان
وَأصْبح الْملك لمن ملكه ... بَاقٍ وكل غَيره فان
فسبحان من تفرد بِالْعِزَّةِ والكبرياء وتوحد بالديمومة والبقاء وطوق عباده بطوق الفناء وفرقهم بِمَا كتب عَلَيْهِ من السَّعَادَة والشقاء وَجعل الْمَوْت مخلصا لأوليائه السُّعَدَاء وهلكا لأعدائه الأشقياء
خلق خذلانا وَقدر تَوْفِيقًا وأنهج سَبِيلا وأوضح طَرِيقا فهدى إِلَيْهِ فريقا وأضل عَنهُ فريقا لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون فسبحان الَّذِي بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَإِلَيْهِ ترجعون
وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة من وفْق لَهَا فِي الْأَزَل وَكتب لَهُ بهَا فِي الْقسم الأول فَفتح لَهَا كل بَاب وهتك دونهَا كل حجاب وخلصها من الشُّبْهَة والارتياب وَظَهَرت عَلَيْهِ فِيهَا نعْمَة الْعَزِيز الْوَهَّاب الغفور التواب ملك الْمُلُوك وَرب الأرباب

1 / 25

٢
- وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الْمَرْفُوع عَلَيْهِ علم التَّحْقِيق الْمُخْتَص بخصائص التَّوْفِيق الدَّاعِي إِلَى أنهج سَبِيل وأوضح طَرِيق
صلى الله عَلَيْهِ صَلَاة تزيده شرفا وترفعه زلفى وتوردنا مورده الَّذِي عذب وَصفا وعَلى آله الطيبين وصحابته الأكرمين وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين وَسلم وكرم وَشرف وَعظم
أما بعد فَإِن الْمَوْت أَمر كبار لمن أنجد وأغار وكأس تدار فِيمَن أَقَامَ أَو سَار وَبَاب تسوقك إِلَيْهِ يَد الأقدار ويزعجك فِيهِ حكم الِاضْطِرَار وَيخرج بك إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار
خبر علم الله يصم الأسماع ويغير الطباع وَيكثر من الآلام والأوجاع
وَاعْلَمُوا أَنه لَو لم يكن فِي الْمَوْت إِلَّا الإعدام وانحلال الْأَجْسَام ونسيانك أُخْرَى اللَّيَالِي وَالْأَيَّام لَكَانَ وَالله لأهل اللَّذَّات مكدرا ولأصحاب النَّعيم مغيرا و٢ لأرباب الْعُقُول عَن الرَّغْبَة فِي هَذِه الدَّار زاجرا ومنفرا كَمَا قَالَ مطرف بن عبد الله بن الشخير
إِن هَذَا الْمَوْت نغص على أهل النَّعيم نعيمهم فَاطْلُبُوا نعيما لَا موت فِيهِ فَكيف ووراءه يَوْم يعْدم فِيهِ الْجَواب وتدهش فِيهِ الْأَلْبَاب وتفنى فِي شَرحه الأقلام وَالْكتاب وَيتْرك النّظر فِيهِ والاهتمام بِهِ الْأَوْلِيَاء والأحباب
وَاعْلَمُوا رحمكم الله أَن النَّاس فِي ذكر الْمَوْت على ضروب فَمنهمْ المنهمك فِي لذاته المثابر على شهواته المضيع فِيهَا مَالا يرجع من أوقاته لَا يخْطر الْمَوْت لَهُ على بَال وَلَا يحدث نَفسه بِزَوَال قد أطرح أخراه واكب على دُنْيَاهُ وَاتخذ إلهه هَوَاهُ فأصمه ذَلِك وأعماه وأهلكه وأرداه
فَإِن ذكر لَهُ الْمَوْت نفر وشرد وَإِن وعظ أنف وَبعد وَقَامَ فِي أمره الأول وَقعد قد حاد عَن سَوَاء نهجه ونكب عَن طَرِيق فلجه وَأَقْبل على بَطْنه وفرجه تبت يَدَاهُ وخاب مسعاه وَكَأَنَّهُ لم يسمع قَول الله ﷿ ﴿كل نفس﴾

1 / 26

ذائقة الْمَوْت وَلَا سمع قَول الْقَائِل فِيهِ وَفِي أَمْثَاله حَيْثُ قَالَ
يَا رَاكب الروع للذاته ... كَأَنَّهُ فِي أتن عير
وآكلا كل الَّذِي يَشْتَهِي ... كَأَنَّهُ فِي كلأ ثَوْر
وناهضا إِن يدع دَاعِي الْهوى ... كَأَنَّهُ من خفَّة طير
وكل مَا يسمع أَو مَا يرى ... كَأَنَّمَا يعْنى بِهِ الْغَيْر
إِن كؤوس الْمَوْت بَين الورى ... دَائِرَة قد حثها السّير
وَقد تيقنت وَإِن أَبْطَأت ... أَن سَوف يَأْتِيك بهَا الدّور
وَمن يكن فِي سيره جائرا ... تالله مَا فِي سَيرهَا جور
ثمَّ رُبمَا أخطر الْمَوْت بخاطره وَجعله من بعض خواطره فَلَا يهيج مِنْهُ إِلَّا غما وَلَا يثير من قلبه إِلَّا حزنا مَخَافَة أَن يقطعهُ عَمَّا يؤمل أَو يفطمه عَن لَذَّة فِي الْمُسْتَقْبل وَرُبمَا فر بفكره مِنْهُ وَدفع ذَلِك الخاطر عَنهُ وَيَا ويحه كَأَنَّهُ لم يسمع قَول الله ﷿ ﴿قل إِن الْمَوْت الَّذِي تفرون مِنْهُ فَإِنَّهُ ملاقيكم﴾ وَلَا قَول الْقَائِل
فر من الْمَوْت أَو اثْبتْ لَهُ ... لَا بُد من أَنَّك تَلقاهُ
واكتب بهذي الدَّار مَا شئته ... فَإِن فِي تِلْكَ ستقراه
وَكَذَلِكَ من كَانَ قلبه مُتَعَلقا بالدنيا وهمه فِيهَا وَنَظره مصروفا إِلَيْهَا وسعيه كُله لَهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك من طلابها المحرومين وأبنائها المكدودين لم ينل مِنْهَا حظا وَلَا رقى مِنْهَا مرقى وَلَا نجح لَهُ فِيهَا مسعى إِن ذكر لَهُ الْمَوْت تصامم عَن ذكره وَلم يُمكنهُ من فكره وَتَمَادَى على أول أمره رَجَاء أَن يبلغ مَا أمل أَو يدْرك

1 / 27

بعض مَا تخيل فعمره ينقص وحرصه يزِيد وجسمه يخلق وأمله جَدِيد وحتفه قريب ومطلبه بعيد
يحرص حرص مُقيم ويسير إِلَى الْآخِرَة سير مجد كَأَن الدُّنْيَا حق الْيَقِين وَالْآخِرَة ظن من الظنون وَفِي مثل هَذَا قيل
أتحرص يَا ابْن آدم حرص بَاقٍ ... وَأَنت تمر وَيحك كل حِين
وتعمل طول دهرك فِي ظنون ... وَأَنت من الْمنون على يَقِين
وَهَذَا إِذا ذكر الْمَوْت أَو ذكر بِهِ لم يخف أَن يقطع عَلَيْهِ مهما من الْأَغْرَاض قد كَانَ حصله وَلَا عَظِيما من الآمال فِي نَفسه قد كَانَ أدْركهُ لِأَنَّهُ لم يصل إِلَيْهِ وَلَا قدر عَلَيْهِ لكنه يخَاف أَن يقطعهُ فِي الْمُسْتَقْبل عَن بُلُوغ أمل يحدث بِهِ نَفسه ويخدع بِهِ حسه وَهُوَ يرى فِيهِ يَوْمه كَمَا قد رأى فِيهِ أمسه
قد مَلأ قلبه بِتِلْكَ الْأَحَادِيث المشغلة والأماني المرذلة والوساوس المتلفة قد جعلهَا ديدنه وَدينه وإيمانه ويقينه
وَرُبمَا ضَاقَ ذرعه بالدنيا وَطَالَ همه فِيهَا من تعذر مُرَاده عَلَيْهِ وَقلة تَأتيه لَهُ فتمنى الْمَوْت إِذْ ذَاك ليستريح بِزَعْمِهِ وَهَذَا من جَهله بِالْمَوْتِ وَبِمَا بعد الْمَوْت وَالَّذِي يستريح بِالْمَوْتِ غَيره وَالَّذِي يفرح بِهِ سواهُ إِنَّمَا الْفَرح من وَرَاء الصِّرَاط والراحة بعد الْمَغْفِرَة
توفيت امْرَأَة كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يمازحونها وَيضْحَكُونَ مَعهَا فَقَالَت عَائِشَة ﵂ لقد استراحت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا يستريح من غفر لَهُ ذكره أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده
فَلَا يزَال هَذَا البائس يتَحَمَّل من الدُّنْيَا بؤسها ويتلقى نحوسها ويلبس

1 / 28

لكل شدَّة لبوسها وَهُوَ يتعلل بعسى وَلَعَلَّ وَيرى جنده الأفل وَحزبه الْأَقَل وناصره الْأَذَل فَلَا يرعوي وَلَا يزدجر وَلَا يفكر وَلَا يعْتَبر وَلَا ينظر وَلَا يستبصر حَتَّى إِذا وَقعت رايته وَقَامَت قِيَامَته وهجمت عَلَيْهِ منيته وأحاطت بِهِ خطيئته فانكشف لَهُ الغطاء وتبدت لَهُ موارد الشَّقَاء صَاح واخيبتاه واثكل أُمَّاهُ واسوء منقلباه
هَيْهَات هَيْهَات نَدم وَالله حَيْثُ لَا يَنْفَعهُ النَّدَم وَأَرَادَ التثبيت بَعْدَمَا زلت بِهِ الْقدَم فَخر صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ إِلَى حَيْثُ أَلْقَت رَحلهَا أم قشعم فنعوذ بِاللَّه من الحرمان وَمن ضحك الْعَدو وشماتة الشَّيْطَان
وَهَذَا وَالَّذِي قبله إِن لم يكن لَهما عناية أزلية وسابقة أولية فَيمسك عَلَيْهِمَا الْإِيمَان وَيخْتم لَهما بِالْإِسْلَامِ وَإِلَّا فقد هلكا كل الْهَلَاك ووقعا بِحَيْثُ لَا دراك وَلَا مخلص وَلَا إنفكاك
فنعوذ بِاللَّه من سوء الْقَضَاء ودرك الشَّقَاء بفضله وَرَحمته
وَرجل أخر وَقَلِيل مَا هم من أزيل من عينه قذاها وكشف عَن بصيرته عماها وَعرضت عَلَيْهِ الْحَقِيقَة فرآها وَأبْصر نَفسه وهواها فزجرها ونهاها وأبغضها وقلاها فلبى الْمُنَادِي وَأجَاب الدَّاعِي وشمر لتلافي مَا فَاتَ وَالنَّظَر فِيمَا هُوَ آتٍ وتأهب لهجوم الْمَمَات وحلول الشتات والانتقال إِلَى محلّة الْأَمْوَات
وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ يكره الْمَوْت أَن يشْهد وقائعه أَو يرى طلائعه أَو يكون ذَاكِرًا حَدِيثه أَو سامعه وَلَيْسَ يكره الْمَوْت لذاته وَلَا لِأَنَّهُ هَادِم لذاته وَلَكِن يخَاف أَن يقطعهُ عَن الاستعداد ليَوْم الْمعَاد والاكتساب ليَوْم الْحساب وَيكرهُ أَن تطوى صحيفَة عمله قبل بُلُوغ أمله وَأَن يُبَادر بأجله قبل إصْلَاح خلله وتدارك زلله فَهُوَ يُرِيد الْبَقَاء فِي هَذِه الدَّار لقَضَاء هَذِه الأوطار وَالْإِقَامَة بِهَذِهِ الْمحلة بِسَبَب هَذِه الْعلَّة

1 / 29

كَمَا روى عَن بعض الْعَالمين وَقد بَكَى عِنْد الْمَوْت فَقيل لَهُ مَا يبكيك فَقَالَ وَالله مَا أبكى لفراق هَذِه الدَّار حرصا على غرس الْأَشْجَار وإجراء الْأَنْهَار لَكِن على مَا يفوتني من الادخار ليَوْم الافتقار والاكتساب ليَوْم الْحساب
قَالَ فِي هَذَا أَو مَعْنَاهُ
أَهْون بداركم الدُّنْيَا وأهليها ... وَاضْرِبْ بهَا صفحات من محبيها
الله يعلم أَنِّي لست وامقها ... وَلَا أُرِيد بَقَاء سَاعَة فِيهَا
لَكِن تمرغت فِي أدناسها حقبا ... وَبت أنشرها حينا وأطويها
أَيَّام أسحب ذيلي فِي ملاعبها ... جهلا وأهدم من ديني وأبنيها
وَكم تحملت فِيهَا غير مكترث ... من شامخات ذنُوب لست أحصيها
فَقلت أبقى لعَلي أهدم مَا ... بنيت مِنْهَا وأدناسي أنقيها
وَمن ورائي عِقَاب لست أقطعها ... حَتَّى أخفف أحمالي وألقيها
يَا ويلتي وبحار الْعَفو زاخرة ... إِن لم تصبني برش فِي تثنيها
وَهَذَا إِذا مَاتَ فيالله دره من ميت مَا أفضل حَيَاته وَأطيب مماته وَأعظم سعادته وَأكْرم وفادته وَأتم سروره وأكمل حبوره
وَاعْلَم أَن هَذَا لَا يدْخل تَحت قَوْله ﵊ من كره لِقَاء الله كره الله لقاءه لِأَن هَذَا لم يكره لِقَاء الله تَعَالَى لذات اللِّقَاء إِنَّمَا كره أَن يقدم على الله ﷿ متدنسا بأوضاره ثقيل الظّهْر بأوزاره ملأن من عاره وشناره فَأَرَادَ أَن يتطيب للقاء ويستعد لفصل الْقَضَاء
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي قلت لأم هَارُون العابدة أتحبين أَن تموتي قَالَت لَا قلت وَلم قَالَت وَالله لَو عصيت مخلوقا لكرهت لقاءه فَكيف بالخالق ﷻ

1 / 30

وَقَالَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك لأبي حَازِم يَا أَبَا حَازِم مَا لنا نكره الْمَوْت فَقَالَ لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم أخراكم فَأنْتم تَكْرَهُونَ النقلَة من الْعمرَان إِلَى الخراب قَالَ كَيفَ الْقدوم على الله ﷿ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما المحسن فكالغائب يَأْتِي أَهله فَرحا مَسْرُورا وَأما الْمُسِيء فكالعبد الابق يَأْتِي مَوْلَاهُ خَائفًا مَحْزُونا
قَالَ أَبُو بكر الكتاني كَانَ رجل يُحَاسب نَفسه فَحسب يَوْمًا سنيه فَوَجَدَهَا سِتِّينَ سنة فَحسب أَيَّامهَا فَوَجَدَهَا وَاحِدًا وَعشْرين ألف يَوْم وَخَمْسمِائة يَوْم فَصَرَخَ صرخة وخر مغشيا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ يَا ويلتاه أَنا آتِي رَبِّي بِوَاحِد وَعشْرين ألف ذَنْب وَخَمْسمِائة ذَنْب
يَقُول هَذَا لَو كَانَ ذَنْب وَاحِد فِي كل يَوْم فَكيف بذنوب كَثِيرَة لَا تحصى
ثمَّ قَالَ: آه عَليّ عمرت دنياي وَخَربَتْ أخراي وعصيت مولَايَ ثمَّ لَا أشتهي النقلَة من الْعمرَان إِلَى الخراب وَكَيف أشتهي النقلَة إِلَى دَار الْكتاب والحساب والعتاب وَالْعَذَاب بِلَا عمل وَلَا ثَوَاب
وَأنْشد
منَازِل دنياك شيدتها ... وَخَربَتْ دَارك فِي الْآخِرَة
فَأَصْبَحت تكرهها للخراب ... وترغب فِي دَارك العامرة
ثمَّ شهق شهقة عَظِيمَة فحركوه فَإِذا هُوَ ميت
على أَن هَذَا الحَدِيث من كره لِقَاء الله كره الله لقاءه قد جَاءَ مُفَسرًا فَعَن عَائِشَة ﵂
قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه فَقلت يَا نَبِي الله أكراهية الْمَوْت فكلنا نكره الْمَوْت قَالَ لَيْسَ كَذَلِك وَلَكِن الْمُؤمن إِذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لِقَاء الله فَأحب الله

1 / 31

لقاءه وَإِن الْكَافِر إِذا بشر بِعَذَاب الله وَسخطه وعقوبته كره لِقَاء الله فكره الله لقاءه
ذكره مُسلم بن الْحجَّاج
وَقَالَ البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث وَلَكِن الْمُؤمن إِذا حَضَره الْمَوْت بشر برضوان الله وكرامته فَلَيْسَ شَيْء أحب إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامه فَأحب لِقَاء الله فَأحب الله لقاءه وَإِن الْكَافِر إِذا حَضَره الْمَوْت بشر بِعَذَاب الله وعقوبته فَلَيْسَ شَيْء أكره إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامه فكره لِقَاء الله فكره الله لقاءه
وَرجل أخر هُوَ من الْقَلِيل قَلِيل قد عرف الله تَعَالَى بأسمائه الْحسنى وَصِفَاته الْعلَا وَشَاهد مَا شَاهد من كَمَال الربوبية وجمال الحضرة الإلهية فملأت عينه وَقَلبه وأطاشت عقله ولبه فَهُوَ يحن إِلَى ذَلِك المشهد ويحوم على ذَلِك المورد ويستعجل إنجاز ذَلِك الْموعد وَقد علم أَن الْحَيَاة حجاب بَينه وَبَين محبوبه وَستر مسدل بَينه وَبَين مَطْلُوبه وَبَاب مغلق يمنعهُ من الْوُصُول إِلَى مرغوبه
فَلَو أصَاب سَبِيلا إِلَى هتك ذَلِك الْحجاب هتكه أَو رفع ذَلِك السّتْر رَفعه أَو كسر ذَلِك الْبَاب حطمه وكسره فعذابه فِي الْحَيَاة وراحته فِي الْمَمَات
كَمَا يرْوى أَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ لما نزل بِهِ الْمَوْت قَالَ حبيب جَاءَ على فاقة
وَقد قيل إِن الْمَوْت جسر يُوصل الحبيب إِلَى الحبيب
وَأنْشد بَعضهم
يَا حبذا الْمَوْت وأهواله ... وسكرة مِنْهُ تلِي سكره
وزفرة فِي أَثَرهَا زفرَة ... كَأَنَّهَا فِي كَبِدِي جمره
وروعة تقطع مني الحشا ... كَأَنَّهَا فِي أضلعي شفره
يَا حبذا يَا حبذا كل مَا ... لاقيت من ضرّ وَمن عسره
أَهْون بِهِ ثمت أَهْون بِهِ ... وَلَو غَدا مثل الْحَصَى كثره

1 / 32