Bushra Al-Kareem Bishrah Masail Al-Ta'leem
بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم
Maison d'édition
دار المنهاج للنشر والتوزيع
Édition
الأولى
Année de publication
1425 AH
Lieu d'édition
جدة
Genres
•Shafi'i jurisprudence
Régions
Yémen
شرح المقدمة الحضرمية
بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم
تأليف
سعيد بن محمد باعشن
رحمه الله تعالى
Page inconnue
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين.
وأشهد أنّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله القائل: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين".
صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن والاهم إلى يوم الدين.
وبعد:
فيقول الفقير إلى كرم مولاه المحسن سعيد بن محمد باعشن -عامله الله بمعروفه، ووقاه شر نوائب الدهر وصروفه-: قد كنت شرحت مقدمة الإمام الولي الزاهد القانت عبد الله بن عبد الرحمن بافضل -نفعنا الله ببركاته- شرحًا فيه نوع تطويل، ثم اختصرته فيما يقارب نصف حجمه، راجيًا من فضل مولانا تعالى أن ينفع به؛ فإنه ولي ذلك والقادر عليه، والفرد الذي لا يخيب من التجأ في أموره إليه، وعليه التعويل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وسميته:
"بشرى الكريم شرح مسائل التعليم"
وتعرضت فيه كـ"أصله" للخلاف بين الإمامين القمرين الشيخ أحمدَ بن حجر، والشيخ محمد الرملي نفع الله بهما؛ لأن كلام شيخ الإسلام والشهاب الرملي والخطيب الشربيني وابن زياد وعبد الله بن عمر مخرمة وغيرهم من نظرائهم .. لا يخرج غالبًا عما قالاه.
ورمزت للأول بـ (حج)، وللثاني بـ (م ر)، ولابن قاسم بـ (سم)، والشبراملسي بـ (ع ش)، والزيادي بـ (زي)، والقليوبي بـ (ق ل)، والحلبي بـ (ح ل)، والبجيرمي بـ (ب ج)، وغيرهم أصرح باسمه، وقد أذكر اسم بعضهم وجميع أقوال هؤلاء متقاربة.
ويجوز العمل بكلٍّ في حق النفس وإفتاءً وحكمًا، إلا ما اتفق على أنه غلط، أو سهو، أو ضعيف.
1 / 43
لكنَّ العمل في حق النفس يجوز حتى بالأقوال والأوجه الضعيفة واختيارات أئمة المذهب الخارجة عنه.
وحيث أطلقت لفظ (الشرح) .. فهو شرح هذه "المقدمة" للعلامة ابن حجر، أو (الفتح) .. فـ"فتح الجواد".
وحيث قلت: عند (حج) .. فالرملي مخالف له فيه، أو عند (م ر) .. فابن حجر مخالف فيه، واعتمدت غالبًا في الخلاف بينهما على "التحفة" و"النهاية".
وقد ابتدأ المصنف رحمه الله تعالى كغيره من الأئمة بقوله:
(بسم الله الرحمن الرحيم) اقتداءً بالكتاب العزيز، وعملًا بخبر: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم .. فهو أبتر".
وفي رواية: "أجذم".
وفي أخرى: "أقطع"؛ أي: كالأبتر، أو كالأجذم، أو كالأقطع؛ أي: قليل النفع.
ومعنى "ذي بال": صاحب حال يهتم به شرعًا؛ أي: لا من سفاسف الأمور كامتخاط ولبس نعل، وليس ذكرًا محضًا كالدعاء، ولا جعل له الشارع مبدأ بغير البسملة كالصلاة بالتكبير، والدعاء بالحمد لله.
وفي رواية بـ"الحمد لله".
ولا تعارض بين حديث البسملة والحمدلة؛ إذ الابتداء:
- حقيقي وهو: ما تقدم أمام المقصود ولم يسبق بشيء.
- وإضافي [وهو]: ما تقدم أمام المقصود سواء سبق بشيء أم لا، فحُمل خبر البسملة على الحقيقي، وخبر الحمدلة على الإضافي، ولأن في رواية بـ"ذكر الله"، وبها يندفع التعارض من أصله؛ لأنها مبيِّنة أن المراد: بأيِّ ذكر كان، فيحصل بجميع أنواعه من بسملة وحمدلة وغيرهما، كما أوضحته في "الأصل".
واعلم أن (البسملة) اشتملت على: (الباء)، و(اسم)، و(الجلالة)، و(الرحمن)، و(الرحيم).
فـ (الباء) معناها: المصاحبة أو الاستعانة على وجه التبرك، والمصاحبة أولى؛ لما
1 / 44
في الاستعانة من إيهام كون اسمه تعالى آلة، كما في: (كتبت بالقلم)، وعلى كلٍّ هي متعلقة بمحذوف، والأولى تقديره فعلًا خاصًا مؤخرًا؛ أي: (باسم الله أؤلف).
أما تقديره فعلًا .. فلأن أصل العمل للأفعال.
وأما كونه خاصًا .. فلأن كل شارع في فعل يضمر في نفسه لفظَ ما جعل التسمية مبدأ له، فالكاتب يضمر لقوله: (باسم الله): أكتب، والمؤلف يضمر لذلك: أؤلف، وهكذا.
ولأن بتقديره خاصًا تعم بركة اسم الله التأليف كله، وبتقديره عامًا كـ (أبتدئ) لا تعم إلا أوله.
وأما كونه مؤخرًا .. فليفيد الحصر؛ أي: لا أبدأ إلا باسمه تعالى.
و(الاسم): مشتق من (السمو) وهو العلو، أو من (السمة) وهي العلامة.
ولفظ الجلالة هو: علم للذات المعينة؛ أي: ذات مولانا تعالى، وهو أعرف المعارف، والاسم الأعظم، ولم يُسَمَّ به غيره ولو تعنُّتًا.
ومشتق عند الأكثرين من (ألِهَ) إذا تحير؛ لتحير الخلق في معرفته، أو إذا عُبِدَ، أو إذا فزع من أمر إليه.
وعلى كلٍّ: فهو المعبود للخواص والعوام، والمفزوع إليه في الأمور العظام، المرتفع عن الأوهام، المحتجب عن الأفهام.
أصله: (ألِهَ) حذفت همزته وعوض عنها (أل) فصار: الله، وفُخِّم للتعظيم.
و(الرحمن الرحيم): صفتان مشبَّهتان بُنيتا للمبالغة، مشتقتان من (الرحمة)، وهي: رقة في القلب تقتضي التفضل والإحسان.
فهي باعتبار مبدئها مستحيلة عليه تعالى؛ لأنها من الكيفيات النفسانية، فالمراد غايتها، وهو التفضل والإحسان، أو إرادة ذلك.
فهي على الأول: صفة فعل، وعلى الثاني: صفة ذات.
وكالرحمة كل ما هو من الكيفيات كالرضا والغضب.
وقُدِّمت الجلالة عليهما؛ لأنها اسم، وهو مقدم على الصفة.
1 / 45
وقدم (الرحمن) على (الرحيم)؛ لأنه خاص به تعالى؛ إذ لا يطلق على غيره تعالى بخلاف (الرحيم)، ولأنه أبلغ منه كَمًّا وكيفًا، ولأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى عند الاتحاد في الاشتقاق والنوع كما هنا، وهذا في الرحمن باعتبار أصله.
أما الآن .. فقد صار علمًا بالغلبة، ويجوز فيه الصرف نظرًا لأصله، وعدمه نظرًا للغلبة.
وعلى أنه علم: هو بدل من (الجلالة)، و(الرحيم) نعت له لا للجلالة.
(الحمد) هو لغة: الثناء بالكلام على جميل اختياري على جهة التعظيم سواء كان في مقابلة نعمة أم لا، وسواء كان جميلًا شرعًا كالعلم، أو في زعم الحامد كنهب الأموال.
واصطلاحًا: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونُه منعمًا على الحامد أو غيره.
وهو الشكر لغة فعلًا كان أو قولًا أو اعتقادًا.
فمورده عام ومتعلَّقُه خاص، عكس اللغوي، فبينهما عموم وخصوص من وجه يجتمعان في قولك: (زيد كريم)، وينفرد اللغوي بنحو قولك: (زيد عالم)، والعرفي بنحو: القيام لمن أحسن إليك، أو إلى غيرك.
ثابت أو مختص أو مملوك (لله) فلا فرد منه لغيره، سواء جعلتَ (أل) في الحمد للاستغراق، أو للجنس، أو للعهد، وهو ظاهر على غير العهد.
أما عليه؛ أي: الحمد المعهود الذي حمد به نفسه، وحمده به كُمَّلُ خلقه مملوك أو مختص به .. فادعاء؛ بناء على أن لا عبرة بحمد غير من ذكر، وفيه كلام بينته في "الأصل".
وأردف التسمية بـ (الحمد) اقتداء بالقرآن المجيد، وعملًا بظاهر خبره المتقدم على ما مرَّ فيه.
وترك العاطف بينهما؛ إشارة إلى كمال الاتصال بينهما؛ إذ معنى كل منهما الثناء. وإلى استقلال كل منهما بإفادة الابتداء. ولاحتمال كون أحدهما خبرًا والآخر إنشاء، ولا يجوز عطف أحدهما على الآخر إلا في نحو: (قلت: زيد قائم، وأكْرِمْ عمرًا).
وقرن الحمد بالجلالة؛ إشارة إلى أنه تعالى مستحقه لذاته.
1 / 46
وآثر الحمد على الشكر؛ لأنه يعم الفضائل والفواضل؛ أي: الصفات التي لا يلزم تعديها إلى الغير كالعِلم، والتي يلزم تعديها إليه كالكرم.
والشكر اللغوي مختص بالأخير.
أما الشكر عرفًا: فصرف جميع ما أنعم الله به على العبد إلى ما خُلق لأجله .. ولذا قال الله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ:١٣].
(الذي فرض علينا) معشرالأمة إيجابًا لا رخصة في تركه (تَعَلُّم) جميع (شرائع الإسلام) وما يتوقف معرفتها أو كمالها عليه، كنحو وصرف وبيان ومنطق وعلم القراءة.
لكن ما يحتاج إلى التلبس به حالًا من عبادة ومعاملة .. يجب تعلم ظاهر أحكامه عينيًا.
ولا تصح ولا تجوز مباشرته إلا بعد معرفة أحكامه الظاهرة ولو عبدًا أو امرأة.
لكن لو عرف مأمورات نحو الصلاة ولم يُميز الفرض منها من السنة .. صح.
وكذا .. تصح المعاملة إذا استجمعت واجباتها وإن أثم بترك التعلم.
وما لا يحتاج إليه كذلك .. فمعرفته فرض كفاية.
فإذا قام به البعض .. سقط الحرج عن الباقين، فإن لم يقم به أحد .. أثم جميع المكلفين.
و(الشرائع) -جمع شريعة، من شرع بمعنى: بيَّن- وهي: ما شرعه الله؛ أي: بينه من الأحكام.
وتُعرَّف أيضًا بأنها: وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما يُصلح معاشهم ومعادهم.
وتساويها الملة والدين ما صدقًا؛ لأنها من حيث إنها يُدان [لها]-أي: يخضع لها- تسمى دينًا، ومن حيث إملاء الشارع لها تسمى ملة، ومن حيث إظهار الشارع وتبيينه لها تسمى شريعة.
و(الإسلام): الاستسلام والانقياد بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات المبني على الإذعان الباطني، وهو الإيمان.
1 / 47
وبما تقرر: عُلِمَ أن إضافة (شرائع) إلى (الإسلام) بمعنى اللام؛ أي: أحكام للإسلام، فقول العلامة ابن حجر في "شرحه": (إنها بيانية) .. غير ظاهر، كما بينته في "الأصل".
وقوله: (ومعرفة) أحكام (صحيح المعاملة وفاسدها) من عطف الخاص؛ إذ الشرائع عامة في أحكام المعاملة وغيرها، وإنما أتى به تنبيهًا لما فرط فيه معظم الخلق؛ لأنهم لا يكادون يعولون في ذلك على شرع، بل أحدثوا فيها أحكامًا طاغوتية، وعارضوا، بل أبطلوا أحكام الله بها.
وإنما وجب معرفة ما ذكر (لتعريف) أي: معرفة (الحلال) الشامل للواجب والمندوب والمباح والمكروه (والحرام) حتى يُتعاطى الحلال ويُجتنب الحرام، وفي نسخة: (من الحرام) أي: ليتميز الحلال الطيب من الحرام الخبيث.
(وجعل مآل) أي: عاقبة (من عَلِمَ ذلك وعمل به الخلودَ في دار السلام) أي: الجنة على أسَرِّ حالٍ وأهنئه، من غير سبق نكد له في قبره ولا فيما بعده.
(و) جعل (مصير من خالفه وعصاه) عطف تفسير (دار الانتقام) وهي: النار دائمًا متحتمًا إن كان معصيتُه بالكفر، وإلا .. فمعنى كونها مصيره: أنه يستحق دخولها بلا خلود، إلا إن عفا الله عنه.
ولما تكلم على استحقاقه تعالى لمجامع الحمد وصفات الكمال .. شهد له باستحقاقه تعالى الألوهية، ونفيها عما سواه؛ إشارة إلى أن تلك الشهادة الشريفة داخلة فيما قدمه، بل استحقاق إثبات الإلوهية له أجَلُّ ظهورًا، ومن ثم عطَفه على (الحمد) فصرح بما علم، فقال:
(وأشهد) .. إلخ؛ لخبر أبي داود: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء".
وأصل الشهادة مأخوذة من المشاهدة، ثم نقلت شرعًا إلى الإخبار بحق الغير عن مشاهدة، ثم نقلت إلى العلم بكثرة كما هنا، أي معناها: أعلم ذلك بقلبي وأبيِّنه بلساني، قاصدًا بذلك الإنشاء حال تلفظه، وكذا سائر الأذكار والتنزيهات.
1 / 48
(أن لا إله) أي: لا معبود بحق (إلا الله) حال كونه (وحده) أي: منفردًا، توكيد لتوحيد الذات والصفات.
وقوله: (لا شريك له) حال ثانية، تأكيد لتوحيد الأفعال؛ أي: لا مشارك له. إذ المشاركة هي المعاونة والمساعدة في الشيء أو عليه، وذلك ينافي الألوهية؛ ضرورة احتياجه إلى الغير.
فوحدة ذات مولانا بمعنى: نفي الكم المتصل -بمعنى أن ذاته تعالى ليست جسمًا؛ لأن كل جسم وإن اتحد صورة .. فهو متعدد حقيقة؛ لتركبه من أجزاء عديدة- والكم المنفصل، بمعنى أنه ليس في الخارج ذات تشبه ذات مولانا.
ووحدة صفاته بمعنى: نفي الكم المتصل -أي: أنه ليس له إلا عِلْم واحد، وقدرة واحدة ... وهكذا؛ لما يلزم على التعدد من المُحال- والكم المنفصل، بمعنى أنه ليس لأحد قدرة تشبه قدرة مولانا ... وهكذا.
ووحدة الأفعال بمعنى: أنه لا فعل في الكون لغيره. فلا النار تحرق، ولا الماء يروي، ولا السراج يضيء، بل الفاعل لذلك ولكل شيء هو الله تعالى، أجرى العادة أن يخلق الإحراق وما بعده عند ملابسة النار وما بعدها للعود مثلًا، والبطن، والقطنة والزيت .. ولا أثر لها.
ومن ذلك أفعالنا الاختيارية والاضطرارية، فهي مخلوقة له تعالى، لكن لنا من الاختيارية الكسب من ثواب أو عقاب؛ لما لنا فيها من الاختيار، وهي في الحقيقة مخلوقة له تعالى، فكل ما في الكون فعل الله؛ كما قال سيدي مصطفى البكري في (منظومته) [من الرجز]:
شُهُودُكَ الفعلَ مِنَ الفَعَّالِ ... في كلِّ شيءٍ وَحدةُ الأفعالِ
(المانّ) -من المنة- وهي: النعمة؛ مطلقًا أو بقيد كونها ثقيلة مبتدأة من غير مقابل يوجبها، فنعمة الله من محض فضله؛ إذ لا يجب عليه لأحد شيء خلافًا للمعتزلة.
ولا يُحمد المَنُّ إلا منه تعالى، وزِيدَ الوالد والأستاذ، وهي من غيرهم ذم.
(بالنعم) -جمع نعمة- وهي: اللذة التي تحمد عاقبتُها، ومن ثم لم تكن لله نعمة على كافر، وإنما ملاذُّهم استدراج، ويقال لهذه: نَعمة -بفتح النون- قال تعالى: (وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ) [الدخان:٢٧].
1 / 49
(الجسام) أي: العظام.
(وأشهد) عطفه هنا دون الأذان؛ إذ الشهادتان فيه للتأكيد، وهنا تعبُّد (أنّ) سيدنا (محمدًا) علم منقول من اسم مفعول المُضَعَّف، موضوع لمن كثرت خصاله الحميدة، سمي به نبينا ﷺ بإلهام من الله تعالى لجده عبد المطلب؛ ليكون على وَفق تسميته تعالى له قبل خلق الخلق، ولم يسمَّ به أحد قبله، لكن لما قرب زمانه، ونشر أهل الكتاب نعته .. سمى به قوم أولادهم؛ رجاء النبوة لهم، وهم خمسة عشر، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
(عبده) قدمه؛ للخبر الصحيح: "ولكن قولوا: عبده ورسوله"، ولأنه أحب الأسماء إليه تعالى، وإذا وصفه به في أشرف مقاماته كـ (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) [الإسراء:١]، و: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ) [النجم:١٠]، و: (نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) [الفرقان:١].
(ورسوله) إلى الثقلين إجماعًا، وكذا إلى الملائكة -كما قاله (حج) تبعًا للتقي السبكي وغيره- رسالة تكليف؛ لأنهم مكلفون بالطاعات العملية دون نحو الإيمان؛ لأنه ضروري فيهم.
وقال بعضهم: رسالة تشريف لا تكليف.
و(الرسول): إنسان حر ذكر من بني آدم، أكملُ من أرسل إليهم علمًا وفطنة وقوة رأي، سليم من دناءة أب وخنا أم وإن عليا، ومن منفر طبعًا، أُوحي إليه يشرع، وأمر بتبليغه.
فإن لم يؤمر به .. فنبي، فبينهما عموم وخصوص مطلق. هذا هو المشهور.
وقيل: مترادفان.
وقيل: لا فارق بينهما إلا الكتاب.
(المبعوث رحمة للأنام) أي: الخلق. أما كونه رحمة للمؤمن .. فدل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
ومعنى كونه رحمة للكافر: فأن لا يُعاجَل بالعقوبة والأخذ بغتة كما وقع للأمم السابقة، ولا بُعدَ في كونه رحمة لهم بغير ذلك.
و(للأنام) تنازعَه المبعوث ورحمة.
1 / 50
(صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه البررة الكرام) أتى بالصلاة عليه؛ لخبر يعمل به في فضائل الأعمال، وهو: "كل كلام لا يبدأ فيه بذكر الله، ثم بالصلاة علي .. فهو أقطع".
ولخبر: "من صلى علي في كتاب .. لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب".
وجمع بين الصلاة والسلام خروجًا من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر -أي: لفظًا لا خطًا كما في "التحفة"- للأمر بهما في الآية.
لكن قال الصبان: (إذا صلى في مجلس وسلم في آخر .. أتى بالمطلوب، وهو الاختيار عندي وفاقًا للحافظ ابن حجر وغيره) اهـ.
و(الصلاة) هنا:
من الله رحمة مقرونة بالتعظيم.
ومن الملائكة استغفار؛ أي: طلب المغفرة ولو بغير لفظها كما في الحديث.
ومن غيرهم دعاء.
والأخصر من الله رحمة، ومن غيره دعاء؛ إذ صلاة الملائكة دعاء -كما مر- كصلاة الآدميين، ولفظها مختص بالأنبياء والملائكة، فلا يقال لغيرهم إلا تبعًا.
و(السلام) هو: التسليم بمعنى التحية، أو: السلامة من الآفات المنافية لغايات الكمال.
و(آله): مؤمنو بني هاشم وبني المطلب، وفي مقام الدعاء: كل مؤمن؛ لأن آل الرجل أتباعه.
و(صحبه): اسم جمع لصاحب بمعنى: الصحابي، وهو: من لقي النبي ﷺ بعد البعثة يقظة في حياته لقاء متعارفًا -أي: ببدنه في عالم الدنيا- مؤمنًا، ومات على ذلك، وإن لم يره لنحو عمى، وإن لم يميز ولم يشعر كل منهما بالآخر.
فخرج بـ (بعد البعثة): ورقة بن نوفل، وإن آمن به بعد خديجة -كما أوضحته في
1 / 51