Burhan
البرهان فى تناسب سور القرآن
Enquêteur
محمد شعباني
الكتاب: البرهان فى تناسب سور القرآن (ويسمى: البرهان فى ترتيب سور القرآن)
المؤلف: أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، أبو جعفر (المتوفى: ٧٠٨هـ)
تحقيق: محمد شعباني
دار النشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب
عام النشر: ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1 / 178
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وسلم تسليمًا
قال الشيخ الإمام، العالم العَلَم الأوحد الصدر الجليل، المحدث الناقد
المحقق، حبر التأويل وكاشف أسرار التنزيل، أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن
الزبير الثقفي العاصمي ﵀
الحمد لله الحكيم العليم، العلي العظيم، ذي الفضل العميم والجود
القديم، الذي ابتدأ الإنسان بالنعم فُرادى ومثنى، وخلقه في أحسن تقويم بعد
كونه نطفة من مني تُمنى، وخصه بمزية التشريف والتكريم، أهّله لتلقي خطابه، وهيأه لتحمل فرقانه العزيز وكتابه، وقد قال سبحانه فيه: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) .
والصلاة على محمد نبيه المعظم ورسوله المصطفى المكرم، المخصوص
بالكتاب، والفاتح لأولي البصائر - بما أيد به من الأعلام الباهرة والحجج
القاطعة القاهرة - مستغلق ذلك الباب، فأوضح السبيل للسالك، فلن يهلك على الله بعد بيانه إلّا هالك، وأنى بسلوك ذلك الباب لمن حقت عليه كلمة العذاب، وقد قال سبحانه: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) .
وبعد، فإني اعتبرت قوله ﷺ: " ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ".
1 / 179
وتأملت ما أيد به ﵇ من المعجزات سوى القرآن، فإذا
بدروب لا يحصيها العد، ولا كاد تنحصر بالحد، وقد قال ﷺ: "وإنما كان الذي أوتيت وحيًا"
يشير إلى دليل القرآن، وما خص به ﷺ من ساطع ذلك البرهان، وما ذاك إلا لكون معجزته أوضح وأحكم، وأهدى وأقوم، فإنما ضمنت إلى - الدلالة والشهادة إيضاح الطربق وأعلمت بحال كل فريق، ثم زادت بنقائها للمعتبر ومشاهدتها للمدَّكر، وقد اضطر من تأخر فيما
سواها للخبر، وليس كالعيان، فلله ما أعظمها معجزة باقية مدى الدهور
والأزمان، وللمشاهدة حال لا ينكر وتعريف لا يتنكر، وفرق بين ما عرف
بالمشاهدة وبين ما علم بالدليل، وحسبك سوال نبي الله الخليل.
فالحمد لله الذي جمع لهذه الأمة الأمرين وخصها بالاعتبارين، فمن
معجزات نبينا ﷺ المستوضح اعتبارا بالبيان، والمشاهد حسا بالعيان، وكما أن من تعامى في حياته ﷺ عن نبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من معجزاته
ملوم مدحور، مأزرر غير مأجور، فكذلك من تعامى عن آيات الكثاب وكأن لم يقرع أذنه قارع من هذا الباب، ولهذا نبه تعالى بقوله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ"، وبقوله: "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ"، وجهات اعتباره كثيرة، ولسلف هذه الأمة وخلفها مسالك في ذلك شهيرة.
وإني تأملت منها - بفضل الله - وجوه ارتباطاته وتلاحم سوره وآياته إلى
ما يلتحم مع هذا القبيل
1 / 180
عجائب شواهد التنزيل فعلقت في ذلك ما قدر لي
"ثم قطعت بى قواطع الأيام عن تتميم رومى من ذلك وعملي، فاقتصرت بحكم الاضطرار في هذا الاختصار على توجيه ترتيب السور، وإن لم أر في هذا الضرب شيئا لمن تقدم وغبر، وإنما بدر لبعضهم توجيه ارتباط آيات في مواضع مفترقات، وذلك في الباب أوضح، ومجال الكلام فيه أفسح وأسرخ.
أما تعلق السور على ما ترتبب في الإمام، واتفق عليه الصحابة الأعلام
فمما لم يتعرض له فيما أعلم، ولا قرع أحد هذا الباب ممن تأخر أو تقدم، فإن صلى أحد بعد فهذه الإقامة، أو أتمَّ فمرتبط حتما بهذه الإمامة، فإن أنصف فلابد أن ينشد إذعانا للحق وإنابة:
فلو قَبل مبكاها بَكت صبابة
ولما كمل لي بفضل الله الأمل من جليل هذا العمل، غريبا في بابه، رفيعا
في نصابه، موفى التحرير، معدوم النظير، تحصل بمطالعته العلم اليقين، ويفصح بشهادته أن العاقبة للمتقين، والله ينفع فيه بالنية من مرضاته الأُمنيَّة بمنه ويمنه.
1 / 181
باب التعريف بترتيب السور
وهل ذلك بتوتيف من الشارع ﷺ أم هو من فعل الصحابة؟
اعلم أولا أن ترتيب الآيات في سورها وقع بتوقيف ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين، وإنما اختلف في ترتيب السور على ما هي عليه
وكما ثبت في الإمام مصحف عمان بن عفان ﵁ الذي بعث بنسخة إلى الآفاق، وأطبقت الصحابة على موافقة عثمان في ترتيب سوره وعمله فيه، فذهب مالك، والقاضي أبو بكر بن الطيب. فيما اعتمده واستقر عليه مذهبه من قوليه، والجمهور من العلماء، إلى أن تريب السور إنما وقع باجتهاد الصحابة، وأن رسول الله ﷺ فوض ذلك إلى أمته بعده، وذهبت طائفة من العلماء إلى أن ذلك إنما
وقع بتوقيفه عدوط وأمره، ولكل من الطائفتين جهات تعلق، وكلا القولين والحمد لله لا يقدح في الدين، ولا يثمر إلا اليقين، فأقول مستعينا بالله سبحانه:
1 / 182
اعلم أن الأمر في ذلك كيفما قدر فلابد من رعي التناسب، والتفات
التواصل والتجاذب، فإن كان بتوقيف منه ﷺ، فلا مجال للخصم بعد ذلك التحديد الجليل والرسم، وإن كان مما فوض فيه الأمر إلى الأمة بعده فقد أعمل الكل من الصحابة في ذلك جهده، وهم الأعلياء بعلمه، والمسلم لهم في وعيه وفهمه، والعارفون بأسباب نزول الآيات، ومواقع الكلمات، وإنما ألفوا القرآن على ما
كانوا يسمعونه من رسول الله ﷺ وهذا قول مالك ضي الله عنه في حكاية بعضهم عنه، ومالك أحد القائلين بأن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين كما تقدم عنه، فكيف مادار الأمر، فمنه ﷺ عرف ترتيب السور، وعلى ما سمعوه منه بنوا
جليل ذلك النظر، فإذًا إنما الخلاف هل ذلك يتوقيف قولي أو بمجرد استناد فعلي بحيث بقى لهم فيه مجال للنظر؟ فهذا موضع الخلاف.
فإن قيل إذَا كانوا قد سمعوا منه ﷺ استقر عليه ترتيبه ففيم إذًا عملوا الأنظار، وأي مجال بقي لهم بعد للاختيار؟
فالجواب أنا قد روينا في صحيح مسلم عن حذيفة رضى الله عنه قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح
بالبقرة، فقلت يركع عند المائة؟ ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران....... الحديث.
فلما كان ﷺ ربما فعل هذا إرادة التوسعة على الأمة، وبيانا لجليل تلك النعمة، كان محلا للتوقف حتى استقر النظر على وعى من كان من فعله الأكثر
فهذا محل اجتهادهم في المسألة والله اعلم.
ثم يشهد لما بنينا كتابنا هذا عليه ما روينا في مصنف ابن أبي شيبة عن
أناس من أهل المدينة قال الحكم: أرى منهم أبا جعفر قال: كان رسول الله ﷺ
1 / 183
يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، فأما سورة الجمعة فيبشر بها المؤمنين
ويحرضهم، وأما صورة المنافقين فيؤيس بها المنافقين ويوبخهم.
وحكى الخطابى أن الصحابة لما اجتمعوا على القرآن، وضعوا سورة القدر
عقيب العلق، واستدلوا بذلك على أن المراد بهاء الكتابة في قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)
إشارة إلى قوله: اقرأ، قال القاضى أبو بكر بن العربي. وهذا
بديع جدا، قلت: ومن ظن ممن اعتمد القول بأن ترتيب السور اجتهاد من الصحابة
أنهم لم يراعوا في ذلك التناسب والاشتباه فقد سقطت مخاطبته، وإلا فما المراعى
وترتيب النزول غير ملحوظ في ذلك بالقطع، بل هذا معلوم في ترتيب آي اقرآن، الواقع ترتيبها بأمره ﵇ وتوقيفه بغير خلاف، ألا ترى أن سورة البقرة من المدني
وقد تقدمت سور القرآن بتوقيفه ﵇ في الصحيح المقطوع به، وتقدم المدني على المكي في ترتيب السور والآي كثير جدا، فإذا سقط تعلق الضمان بترتيب النزول
لم يبق إلى رعي التناسب والاشتباه، وارتباط النظائر والاشباه.
1 / 184
وتدبر بعقلك وضوح ذلك في عدة سور كالأنفال وبراءة، والطلاق والتحريم، والتكوير والانفطار، والضحى وألم نشرح، والفيل وقريش، والمعوذتين إلى غير هذه السور مما لا يتوقف في وضوحه من له أدنى نظر.
وقد مال القاضى أبو محمد عبد الحق بن عطية. ﵀ في ترتيب
السور إلى القول بالتفصيل.
وهو أن كثيرا من سور القرآن قد كان علم ترتيبها في
أيامه ﷺ كالسبع الطوال، والحواميم، والمفصل، وأشار كلامه إلى أن مما سوى ذلك
يمكن أن يكون ﵇ فوض فيه الأمر إلى الأمة بعده، ولم يقطع القاضى أبو محمد في هذا القسم الثاني بشىء.
وظواهر الآثار شاهدة بصحة ما ذهب إليه في أكثر ما نُص عليه، ثم يبقى بعدُ
قليل من السور يمكن فيها جري الخلاف أو يكون وقع، وإذا كان مستند المسألة النقل لم يصعب خلاف غير أهله، على أن ما مهدناه من المراعاة في الترتيب حاصل لا محالة على كل قول، ولنورد هنا بعض ما يشهد بظاهره من الآثار لما قاله القاضى أبو محمد على ما نطنا به فمن ذلك:
قوله ﵇: (اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران) . في حديث
خرجه مسلم وغيره، وخرج أيضا قوله ﷺ: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران.
1 / 185
وفي مصنف ابن أبى شيبة عن معبد بن خالد. قال: (صلى رسول الله ﷺ بالسبع الطوال في ركعة، وفيه أنه ﵇ (كان يجمع المفصل في ركعة.
وفي صحيح البخارى عن عبد الرحمن بن زيد قال سمعت عبد الله بن مسعود
يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: إنهن من العتاق الأولى، وهن من تلادى، فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها.
وفي صحيح البخارى أيضا عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق،وقل أعوذ برب الناس..... الحديث.
وفي المصنف عن عمر أنه قرأ في ركعة واحدة ألم تر كيف فعل ربك
بأصحاب الفيل، ولإيلاف قريش، وروى أنهما في مصحف أبى غير مفصول بينهما
1 / 186
بالبسملة.
قلت والوارد من هذا عن النبي ﷺ وعن كبار الصحابة قبل كتب المصحف كثير ومروى من طرق شتى، في أحوال مختلفة، فإن قيل فقد كان يجب على ما أشرت إليه أن يكون القول بالتوقيف أكثر وأشهر، والأمر على خلاف ذلك، فإن مالكا ﵀، والقاضى أبا بكر من المتكلمين وأكثر أهل العلم قائلون بأن ترتيب السور اجتهاد من الصحابة وقد مر.
فالجواب أن الآثار المستفيضة والمقطوع به منها، إنما ورد ذلك في الأكثر ولم
يرد فيما بين كل سورتين سورتين، ولا شك أنه إذا بقي بعض ذلك لاجتهادهم ولو فيما بين سورتين، جرى المقول المشهور عليه وصح اعتماده، ثم أن الآثار إنما وقعت بفعل، لا بقول وأمر يحصل منه الوقيف. فإذا قد آل الأمر إلى أن تلك الآثار هي مستند اجتهادهم وأصل اتفاقهم، وهذا أراد مالك ﵀ بقوله: وإنما
ألفوا القران على ما كانوا يسمعونه من رسول الله ﷿، وهذا القدر كاف في المقصود، والحمد لله رب العالمين.
سورة أم القرآن
قد ذكر الناس كيفية تضمنها مجملا لما تفصل في الكتاب العزيز
1 / 187