Banu Isra'il in the Light of Islam

بنو إسرائيل في ضوء الإسلام

Maison d'édition

الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

Édition

السنة السابعة-العدد الثالث-محرم ١٣٩٥ هـ

Année de publication

يناير ١٩٧٥ م

Régions
Turquie
•
Empires & Eras
Ottomans
بنو إسرائيل في ضوء الإسلام
بقلم: الشيخ محمد أمين سليم
المدرس بمعهد إمام الدعوة بالرياض.
قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ًثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا
فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (الإسراء:٤ - ٨)
الحديث عن بني إسرائيل حديث طويل، ويكاد يكون على وتيرة واحدة لا تشعب فيه ولا تعقيد كتعقيد نفوسهم، ويعجب فيه المؤرخ الباحث لتلك السجايا الغريبة التي وسمت اليهود من طبائع الشر والحقد على المجتمعات التي يعيشون فيها، والاستذلال والصغار والمهانة التي لازمت أفرادهم عبر القرون، ويمكن القول إن أبرز الصفات التي انطبعت فيهم الحسد، والأنانية والجبن والتردد وضعف الرأي واللؤم والوقاحة والشح والتعبد للمال وكنزه واتباع الهوى والمكابرة في الباطل.

1 / 70

على أنه لا يفوت الباحث النزيه أن يذكر أن بني إسرائيل برعوا في المهن اليدوية والفنية، كالطب والهندسة والصيدلة وصياغة المجوهرات منذ زمن بعيد، فكانوا هم عصب الحضارة النشيط أيام الفراعنة، ولذا فقد رفض فرعون أن يسمح بهجرتهم من بلاده مع موسى ﵇، لأن هجرتهم ستسبب شلل الحضارة في بلاده. ولست بهذا ألقي القول على عواهنه، فقد ذكر القرآن الكريم أن السامري قد صنع لبني إسرائيل عجلا من الذهب، إذا ضربته الريح صوت، وهذا فن عظيم بلا مراء، والسامري هو أحد أفاد بني إسرائيل.
سأعرض مقدمة تاريخية بين يدي البحث أبين فيها خلاصة تاريخهم المعتمد، وأعرض فيها ما وسعني المقام صورا من أخلاقهم التي ذكرتها آنفا، مستنيرا بما صوره الله لنا عنهم في كتابه القرآن الكريم، ثم أطوي الزمن حتى نقف معهم وقفة نناقش أوضاعهم وأحوالهم في المدينة المنورة بعد بعثة النبي ﷺ وهجرته إليها، وكيف كان موقفهم من الرسول ﷺ موقف العناد والتحدي، وما آل إليه أمرهم من القتل والطرد والإبعاد عن الجزيرة العربية.
يطلق المؤرخون أسماء "العبرانيين واليهود وبني إسرائيل" ويريدون بها طائفة واحدة معينة من الناس وهم: أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، بيد أن اليهود وإن تبجحوا بهذا النسب الكريم لا يستطيعون أن يقيموا الدليل على نقاوة الدم السامي في عروق المعاصرين منهم بعد هذه السنين الطويلة التي مرت عليهم حافلة بالأحداث والفتن والمذابح والتشريد والاضطهاد بسبب طبائعهم الشاذة التي مر ذكرها.
وقد ذكر بعض المؤرخين أن اسم العبرانيين أطلق عليهم بعد أن عبروا نهر الأردن قادمين من سيناء والعقبة صوب مدينة أريحا، وهو النهر الذي ذكره الله في سورة البقرة ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ آية ٢٤٩.
أما كلمة "اليهود" فقد ذكر الله على لسان موسى ﵇ الدعاء المشهور...

1 / 71

﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أية١٥٦ من الأعراف وما حولها، أي تبنا ورجعنا. وقال تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الجمعة:٦)
فهم على هذا المعنى في أصل التسمية الطائفة التائبة الراجعة إلى الله زمن موسى ﵇، ولعلهم سموا باليهود كذلك نسبة إلى يهوذا أحد أبناء يعقوب ﵇، ويعقوب ﵇ جدهم جميعا، وكان يسمى "إسرائيل" أيضا كما ورد ذلك في القرآن الكريم.
عند التأمل يجد الباحث أن أبا الأنبياء١ إبراهيم ﵇ الكلداني الأصل، وقد بعثه الله رسولا في قومه عبدة الكواكب والأصنام في العراق، فبعد يأسه من استجابة قومه له يمم وجهه مهاجرا تلقاء الأرض المقدسة "فلسطين"٢ وعاش عيشة البداوة متنقلا بين نابلس والخليل والقدس بقطعان الأبقار والماشية التي كان يمتلكها... (لاحظ حادثة الملائكة الذين زاروه فقدم لهم عجلا حنيذا وهو لا يعرفهم، راجع سورة الذاريات) . وقد أشار الله إلى حياة البادية هذه فقال على لسان يوسف ﵇ بن يعقوب ﵇ في سورة يوسف: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الَْدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ (يوسف: من الآية١٠٠) .
وتقدمت السنون بإبراهيم ﵇ ولم يرزق البنين، وكان يكثر من الدعاء فوهبه الله إسماعيل ﵇ من زوجه المصرية هاجر، ثم هاجر بهما وإسماعيل رضيع إلى الحجاز بأمر من الله. ثم امتن الله كذلك على زوجه الأولى "سارة" التي آمنت به حين كذبه الناس، فرزقه الله منها إسحاق بعد أن بلغت الثمانين كما قيل، "راجع سورة الذارات وغيرها".
ولإسماعيل ﵇ وأحفاده في بوادي الحجاز قصة طويلة ممتعة تستهوي القارئ ليس هذا صددها
١ قال تعالى عنه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ (العنكبوت: من الآية٢٧) . وكرر المعنى في سورة الحديد.
٢ قال تعالى عنه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الانبياء:٧١) .

1 / 72

العربية، تتكامل أمجادها ببعثة محمد ﷺ، وهو أحد أحفاد إسماعيل ﵇ رسولا للبشرية جمعاء.
أما إسحاق ﵇ فقد رزقه الله البنين، ويهمنا منهم يعقوب ﵇، وكان يسمى إسرائيل أيضا، وقد أنعم الله على يعقوب باثني عشر ولدا من الذكور، وهم أجداد جميع بني إسرائيل، والذي يطالع قصة يوسف بن إسرائيل ﵉ كما وردت في القرآن الكريم يرى فيها عبرا بليغة ومواعظ جمة.
فإننا نرى عاطفة الحسد تتجسد في قلوب إخوته العشرة، وتكاثفت هذه العاطفة السوداء حتى جمعتهم في مؤتمر جمعوا فيه على قتل أخيهم يوسف لمنزلته في قلب أبيهم، ولم يشذ منهم إلا واحد، ثم ألقوه في غيابة الجب، وادعوا كذبا أن الذئب أكله، ثم يباع يوسف ﵇ عبدا في مصر، وبعد أحداث طويلة يرتقي يوسف إلى أن يعين وزيرا للمالية لدي ملك مصر، ويصيب القحط الأرض المقدسة، ويأتي إخوة يوسف إلى مصر ليمتاروا، وأخيرا يتم التعارف بينهم ويأمر بإحضارهم جميعا ووالده يعقوب معهم مهاجرين إلى مصر.
بهذا ينتهي الفصل الأول من سيرة أجداد بني إسرائيل "أعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب" أولئك الكرام من الأنبياء والرسل الذين عاشوا عيشة البداوة والفطرة والكرامة في شعاب الأرض المقدسة، وتبدأ صفحة جديدة من حياة بني إسرائيل في حضارة مصر ونعيمها وبذخها وترفها.
يختلف المؤرخون في تقدير المدة الزمنية التي انقضت ما بين هجرة إسرائيل ﵇ وجميع آل بيته إلى مصر وما بين خروج بني إسرائيل من مصر بقيادة الرسول الكريم موسى ﵇، وأغلبهم يقدرها بحوالي "٦٠٠" عام، وفي خلال هذه الفترة الطويلة التي مرت على المجتمع المصري، استطاع أن يسيطر فيها بنو إسرائيل على عناصر الحضارة في مصر كما سبق ذكره، ثم رأى الطاغية فرعون أن يستذل بني إسرائيل خوفا منهم لما رأى في منامه ما أزعجه، فقام باحتياطات لم يسبق إليها على ما أظن، فقد أمر بقتل كل ذكر يولد من بني إسرائيل واستحياء الإناث منهم.

1 / 73

طغى فرعون وتجبر، وأذاق بني إسرائيل أصناف الاضطهاد والعذاب، حتى أصبح الصغار والمسكنة والهوان لازمة لهم، وأورثهم الحسد الذي ورثوه من أجدادهم إخوة يوسف لؤما وحقدا على المجتمعات التي يعايشونها، فأصبحت الخيانة والزور والبهتان واستحلال أموال الآخرين من غير بني إسرائيل، فأصبحت مزاياهم اللاصقة بهم، قال الله تعالى حاكيا عنهم: ﴿قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (آل عمران: من الآية٧٥) . وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن نساء بني إسرائيل استعارت حلي نساء الأقباط قبيل هجرتهم مع موسى ﵇ بأيام، وغادروا مصر وهي معهم، ومنها صنع السامري عجل الذهب الذي عبدوه.
بيد أن الله أراد - ولا راد لقضائه - أن يرسل رسولا منهم لينقذهم من ظلم فرعون وعتوه. وكأنه يبدو من سنن الله أن الذليل لا يكون رسولا ولا نبيا، فقضت حكمته تعالى أن يبعث لهم موسى، وأن يتربى موسى ﵇ في بلاط أعز الناس في مصر حينذاك – بلاط فرعون نفسه، حتى ينشأ عزيز النفس قوي القلب، رابط الجنان، مفتول العضلات، ونحن نستطيع أن نسرح بخيالنا ونتصور كيف كان ينشأ أبناء الملوك في قديم الزمان، وقصة وصول موسى ﵇ وهو طفل رضيع إلى بلاط فرعون في تابوت تدافعه مياه النيل مشهورة معروفة في القرآن الكريم.
نشأ إذن موسى ﵇ نشأة تخالف ما نشأ ﵇ أترابه ومن هم أكبر منه سنا من بني إسرائيل، فنشأ شجاعا لا يعرف الخوف، مفتول الذراعين قوي العضلات، وقد قص الله علينا من قوة عضلاته أنه بطش بالقبطي فقتله بلكمة واحدة. "راجع سورة القصص أوائلها" وسقى أغنام شيخ مدين وحده. وتظهر شجاعة موسى ﵇ كذلك حين فارق صهره شيخ مدين في ليلة باردة مظلمة ومعه أهله، وفي تلك الليلة نال أعظم حظوة في حياته حين كلمه الله وأرسله لإنقاذ قومه بني إسرائيل.
فرسول هذه صفاته هو الذي يمكن أن تنعقد ﵇ الآمال بعد الله لإنقاذ

1 / 74

هذا الشعب المسكين الذليل الخاوي النفس، الذي قاسى الأمرين في حياة العبودية تحت طغيان فرعون وملئه.
ويذهب موسى ﵇ إلى مصر قادما من مدين، ويذهب إلى فرعون ومعه أخوه هارون يحملان رسالة الله إلى فرعون، يطلبان منه أن يسمح بهجرة بني إسرائيل من مصر مع موسى، ولكن فرعون وهو يعلم أن بني إسرائيل هم عصب الحضارة في مملكته، وهم حمير هواه ورغباته رفض طلب موسى، وأخذته العزة بالإثم، ودأب موسى على الدعوة إلى الله، وكذبه فرعون وقومه. وانتصر موسى ﵇ على سحرة فرعون الذين آمنوا به مراغمة لفرعون، فراحوا شهداء بغيه وظلمه. وقال الله إخبار عن جبن بني إسرائيل: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلإِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ (يونس: من الآية٨٣) . وابتلى الله قوم فرعون بالمصائب المتنوعة علهم يتوبون ويؤمنون، ولكن بلا جدوى، وأخيرا أذن الله لموسى وقومه بني إسرائيل بالهجرة من دار الظل والذل والكفر والترف إلى الأرض المقدسة "فلسطين".
وخرجوا ليلا وشعر بهم فرعون وجنوده، فأتبعوهم مشرقين عند البحيرات المرة، فضرب موسى البحر بعصاه فاستحال بعضه طريقا ولجه موسى وقومه فنجوا، وغرق فيه فرعون وجنده وبنو إسرائيل ينظرون. وبهذا ينتهي الفصل الثاني من حياة بني إسرائيل في مصر، حياة الحضارة والترف، مقرونة بالذل والهوان، وتفتح صفحة جديدة في تاريخهم ومعهم نبيهم موسى ﵇، وهي مرحلة ما بين خروجهم من مصر وقبل دخولهم الأرض المقدسة.
وهنا تتفاعل عناصر الذل والهوان والعبودية التي مرنت عليها نفوسهم عشرات السنين في أرض الحضارات، وتأبى إلا أن تفرز ذلا وهوانا كما قيل: "وكل إناء بالذي فيه ينضح" فقد مروا في طريقهم يقودهم ﵇ على أقوام يعكفون على أصنام لهم يعبدونها، فقالوا: "يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة". فانظر إلى هذه العقلية التافهة كيف نسيت ربها وخالقها الذي أنعم عليها ونجاها من الذل والهوان.

1 / 75

وقد بقيت فكرة تجسيد الإله ووضع مثال له راسخة في عقول الكثير من بني إسرائيل حتى مع وجود موسى بينهم، قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة: من الآية٩٣) . ولعل لفرط ما رأوا من عبادة الأقباط لفرعون ولخضوعهم له زمانا طويلا أثرا في ذلك؛ فلما غاب عنهم موسى أربعين ليلة تاركا أخاه هارون بينهم، استطاع السامري أن يصنع لهم عجلا من الذهب يصوت إذا ضربته الريح، وسرعان ما أقنعهم أنه إلههم وإله موسى، فعكفوا على عبادته، فإذا تذكرنا أن العجل كان من بين آلهة المصريين التي يقدسونها تبين لنا إلى أي مدى تفعل البيئة فعلها في الأمم والشعوب.
ويأتيهم موسى ﵇ بكتاب الله التوراة ويرفضونها ويقولون سمعنا وعصينا، ولا عجب في ذلك، فإن النفوس الذليلة التي تعبدت لفرعون والعجل يصعب عليها أن ترفع عنها نير الذل والخور دفعة واحدة وترفع رؤوسها إلى خالق السماوات والأرض لتناجيه في السراء والضراء.
أما جبنهم فإن الآيات القرآنية الآتية تسجله عليهم بأوضح بيان في نقاش معهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ (المائدة:٢١،٢٢) إلى أن قال: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة:٢٤) . وفي آخر آية ٢٦حرم الله دخولها عليهم أربعين سنة تاهوا في سيناء، وهيأ الله لهم الغمام يظلهم، والمن والسلوى طعامهم، فسئموها وطلبوا القثاء والفوم والعدس والبصل... فدخلوا العقبة "أيلة" ومات ﵇ في هذه الفترة ولم يدخل فلسطين. وما أصدق قول الشاعر العربي الأبي الحارث بن حلزة البشكري:
لا يقيم العزيز في البلد السهل
ولا ينفع الذليل النجاء
فهذه قصة أرض الميعاد أمرهم الله بدخولها ومعهم نبيهم موسى ﵇ فرفضوا الأوامر ولفظوها وتطاولوا بسوء أدبهم على الله، وسلكوا مسلك الأطفال

1 / 76

المدللين العاجزين. وأما ترددهم وضعف الرأي عندهم، وتفاهة تفكيرهم وسطحيته ووقاحتهم، فيبدو عند كل أمر إلهي أو تشريع سماوي، إذ يقابلونه بالإهمال وعدم الاكتراث وقلة المبالاة، بل يقولون ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ (البقرة: من الآية٩٣) .
حدثت جريمة قتل في عهد موسى وجهل القاتل، فأوحى الله إلى موسى أن يأمر قومه بذبح بقرة ليضربوا الميت بها فيحييه الله ويفضح قاتله، فاستهان بنو إسرائيل بهذا الأمر، وطفقوا يسألون أسئلة عن البقرة لو صدرت من طفل دون الاحتلام لأتهم بالحماقة وضعف البصيرة والوقاحة وسوء الأدب: ما لون البقرة؟ وما نوعها؟ ما طبيعتها؟ ولولا أن بعضهم قال:
﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: من الآية٧٠) لما اهتدوا إليها ولركبهم شيطان السخف والغرور وقادهم إلى الجحيم.
شاء الله ﷾ وبعد هذا كله أن يخرج من صلب إبراهيم وإسحاق ويعقوب أناسا طيبين، فبعد أن هلك الجيل الذي عاش الذل والهوان أيام فرعون في تيه صحراء سيناء والعقبة، نشأ جيل الصحراء من بني إسرائيل في بيئة الحرية القاسية، فطلبوا من نبي لهم من بعد موت موسى ﵇ في ساعة من ساعات النشاط وصفاء الذهن أن يبعث لهم ملكا للجهاد في سبيل الله؛ فانظر إلى التباين بين بيئة الحضارة التي تخرج نفوسا ذليلة وبيئة الحرية في الصحراء القاسية:
فقال لهم نبيهم والأرجح أنه يوشع بن نون: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ (البقرة: من الآية٢٤٧.
وهنا تبرز العقلية اليهودية الفاشلة، عقلية اتباع الهوى والأنانية والتعبد للمال، وناقشوا نبيهم برفض طالوت لفقره، وأنهم أفضل منه، فبين الله لهم أنه أفضلهم وأعظمهم جسما "البقرة ٢٤٧وما بعدها" ومع ذلك لم يقبلوه ملكا عليهم حتى أيده الله بمعجزة؛ إذ أرجعت الملائكة توراة موسى ﵇ في تابوت، وكانت كما قيل مسروقة.
ويمرون في طريقهم بنهر الأردن وينهاهم ملكهم العالم المجرب لأمور القتال، ينهاهم

1 / 77

أن يسرفوا في شرب الماء، لأن ذلك مدعاة إلى البطنة والكظة والترهل، ثم الفتور والتكاسل، فعصوا أوامر الملك ووقعوا في الماء شربا وعبا إلا قليلا منهم، ووقع ما حذرهم منه ملكهم، وقالوا لا طاقة لنا اليوم بحرب الأعداء "سورة البقرة ٢٤٨-٢٥٠" ولكن الله نصر الفئة القليلة المؤمنة الصابرة منهم، واستطاع داود ﵇ أن يقتل ملك الأعداء ويفتح البلاد، وأتاه الله الملك والنبوة والرسالة.
ويبدأ عهد جديد في تاريخ بني إسرائيل، عهد الملك المشفوع بالنبوة والرسالة، وهو العصر الذهبي لهم، حيث مَنَّ الله عليهم بأنبياء ملوك؛ كداود وسليمان، وأنبياء بلا ملك، وملوك بلا نبوة، وظهر فيهم المخلصون الربانيون الذين جاهدوا في الله حق جهاده مع أنبيائهم السابقين، حتى يكاد يخيل لقارئ قصصهم أنهم فارقوا تلك الصفات السوداء التي سودت صحائف نفوسهم فاستحقوا بذلك الأفضلية في عالم زمانهم؛ قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة:٤٧) . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الدخان:٣٠-٣٢) .
وانتهى عصرهم الذهبي الذي لم يدم أكثر من حكم داود وسليمان ﵉، وتفسخت دولتهم بعدهما وانقسمت إلى دولتين.
وكانت الفترة ما بين سليمان ومبعث المسيح ﵉ فترة مليئة بالعبر والمحن والابتلاء، وقد حقق الله وعيده فيهم حين قال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (لأعراف: من الآية١٦٧) فقد كذبوا فريقا من الأنبياء وقتلوا فريقا، فسلط الله على الدولة الأولى الأشورييين، فدمروا ملكهم وفتكوا بهم، وسلط الله على الدولة الأخرى بختنصر "نبوخذ نصر" البابلي، فحطم ملكهم وأعمل السيف فيهم، وسبى الألوف منهم إلى بابل، ثم أرجعهم كورش الفارسي وسمح لهم بممارسة طقوسهم الدينية تابعين له، ثم سلط الله عليهم السلوقيين اليونان، وصار لهم شبه دولة تحت حكمهم، وكانت الفتن والثورات لا تنفك تحدث بينهم تسيل فيها الدماء، ولما دالت دولة اليونان السلوقيين خلفهم الرومان، فاستبدوا في البلاد كلها، وفي أوائل

1 / 78

عهد الرومان ولد المسيح وزكريا ويحيى عليهم الصلاة والسلام، وحكم الرومان فلسطين حوالي سبعة قرون، وكان حكما صارما مستبدا.
عادت غرائز الشر التي انطبعت في اليهود وسكتت إلى حين تحت سلطة الرومان القاهرة – عادت ترفع رأسها من جديد ومضت هذه المرة مضي المهاجم المتحدي لله وشرعه وأنبيائه، فتطاولوا على حرمات الله، فقتلوا الأنبياء وكذبوهم، وابتلاهم الله بالمحن ليتوبوا ويهتدوا فما ازدادوا إلا ضلالا وتمردا وعتوا، وأراد الله أن يعطيهم آخر فرصة للتوبة والرجوع إلى الهدى والحق كما فعلوا أيام موسى ﵇ بعد عبادة العجل، فأرسل إليهم آخر رسل منهم وهم: زكريا ويحيى وعيسى في عصر واحد، فقتلوا زكريا ويحيى، وحاولوا قتل عيسى ﵇ بتأليب الحاكم الروماني عليه وادعاء أنه أفسد الشباب بدينه الجديد، وأنه ساحر، واتهموا أمه بالفاحشة وقد برأها الله، فغضب الله عليهم ولعنهم وسلط عليهم الرومان فدمروا الهيكل، وهو مسجد سليمان ﵇ عام٧٠ للميلاد، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ونزح الباقون منهم إلى الجزيرة العربية ومصر والعراق وأوربا، ثم أخرج النبوة منهم إلى أبناء عمهم بني إسماعيل ﵇، فقد أرسل الله محمدا ﷺ من بني إسماعيل ﵇، فكان آخر رسل الله وأنبيائه إلى الناس، وجعله الله رسولا إلى عامة البشر ومعجزته الخالدة القرآن الكريم، وتكفل الله بحفظه من التغيير والتبديل والتحريف ليبقى صالحا لكل زمان ومكان.
وينتهي بذلك أكبر فصل في حياة بني إسرائيل، لأنه الفصل الذي انتهى بغضب الله عليهم ولعنهم وطردهم من رحمته، أعني أولئك الذين اشتركوا في تكذيب المسيح ومحاولة قتله واتهام أمه. وباع اليهود أنفسهم للشيطان وعملوا معه حلفا موثقا، وأجمع فلاسفتهم ودهاتهم على تحدي الله ومحاربة كل خير في الأرض.
وخلاصة القول أنه بموت داود وسليمان ﵉ تنتهي زعامة بني إسرائيل السياسية والدينية والعسكرية، ويصبح الشعب اليهودي أعزل كغيره من الشعوب البائسة يقطن الأرض المقدسة، يشاركه فيها غيره من الشعوب السامية والعربية المجاورة، تحكمهم جميعا سلطة وثنية قاهرة فوقهم بدأت بالأشوريين،

1 / 79