[الجزء الاول]
ترجمة المؤلف
«١»
اسمه
: هو نصر بن محمد، بن أحمد، بن إبراهيم، أبو الليث، الفقيه السمرقندي، المشهور ب: إمام الهدى.
وذكر له كحالة في «معجم المؤلفين» صفاتا منها: «فقيه، مفسر، محدث، حافظ، صوفي» اه.
أما كونه فقيها فهذا صحيح، كونه ذكر في عدد من «طبقات الحنفية» . ويدل على فقهه وسعة علمه كتابيه: «المقدمة في الفقه»، «وشرح الجامع الصغير» .
وهو مفسر أيضا، يدل على ذلك كتابه هذا «بحر العلوم» وقد ذكره الداوودي في «طبقات المفسرين» .
أما عن أنه محدث حافظ «٢» ففي ذلك نظر، فقد قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء»: وتروج عليه الأحاديث الموضوعة إلّا أن له رواية، يروي عن: محمد بن الفضل بن أنيف البخاري اه.
وروى عنه: أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الترمذي، وغيره.
وهو صوفي له باع في علومهم، فمن ذلك كتابه: «بستان العارفين» .
وفي «طبقات الحنفية» للكنوي: أنه أخذ عن، أبي جعفر الهندواني، عن أبي القاسم الصفار، عن نصير بن يحيى، عن محمد بن سماعة، عن أبي يوسف.
وهو حنفي المذهب ذكر ذلك في «تاج التراجم»، و«الجواهر المضية»، و«الفوائد البهية» وغير ذلك. وقد أخطئوا في «دائرة المعارف الإسلامية» «٣» حيث عدّوه فقيها حنبليا.
مؤلفاته
: ١- بحر العلوم، كتاب في التفسير.
وقد شكّك الزركلي في «الأعلام» «٤» في نسبة هذا المخطوط إلى أبي الليث السمرقندي، مقلدا بذلك حاجي خليفة في «كشف الظنون» «٥» ونسبه إلى سمرقندي آخر اسمه: علي، من أبناء المائة التاسعة.

(١) أنظر ترجمته في: طبقات المفسرين ٢/ ٣٤٥، سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٢٢، تاج التراجم ٥٨- ٥٩، الجواهر المضيئة ٢/ ١٦٠، الفوائد البهية ٢٢١، كشف الظنون ٢٤٣، ٣٣٤، معجم المؤلفين ١٣/ ٩١، معجم سركيس ١٠٤٥، إيضاح المكنون ١/ ٤٧٤.
(٢) أخطأ كحالة في معجم المؤلفين ١٣/ ٩١ فقد أحاله إلى «تذكرة الحفاظ» ولم يذكره الذهبي.
(٣) دائرة المعارف الإسلامية- النسخة المصرية- ١/ ٣٩٦.
(٤) الأعلام ٨/ ٢٨.
(٥) كشف الظنون ١/ ٢٢٥.

1 / 3

والصواب أنه لأبي الليث نصر بن محمد السمرقندي، المترجم له.
إلّا أن كلام حاجي خليفة صحيح من حيث نسبة تفسير «بحر العلوم» إلى علاء الدين علي بن يحيى السمرقندي القرماني، المتوفى في حدود سنة ٨٦٠ ب: لارندة. وهو شيخ علاء الدين البخاري. إلا أنه لم يتنبه إلى وجود تفسيرين لسمرقنديين يحملان نفس العنوان. ولقد ذكر في «الشقائق النعمانية» أنه لم يكمله، بل بلغ فيه إلى سورة المجادلة. بينما «بحر العلوم» الذي ألفه أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي فهو تام- وسيأتي في وصف المخطوطة بيان ذلك-.
ففي فهرس «المكتبة العبدلية» «١» نسخة من مخطوطة «بحر العلوم» لعلاء الدين علي بن يحيى السمرقندي المتأخر. الجزء الأول- من سورة الفاتحة، وتنتهي إلى قوله تعالى، وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً من سورة المائدة ... وفيه ما نصه: نسخت مسودة كتاب علاء الدين السمرقندي المسمى «ببحر العلوم» فوق لفظ نسخت- يعني: ولي بن مصطفى بن إسحاق، من أحباس الوزير خير الدين على المكتبة الصادقية سنة ١٢٩٢.
ومن مؤلفاته أيضا.
٢- تنبيه الغافلين. ط.
٣- خزانة الفقه، على مذهب أبي حنيفة. ط.
٤- وبستان العارفين في الآداب الشرعية. ط.
٥- عمدة العقائد. خ.
٦- فضائل رمضان. خ.
٧- المقدمة، في الفقه. ط.
٨- شرح الجامع الصغير، في الفقه.
٩- عيون المسائل، خ.
١٠- دقائق الأخبار في بيان أهل الجنة وأهوال النار. خ.
١١- مختلف الرواية، في الخلافيات بين أبي حنيفة ومالك والشافعي. خ.
١٢- شرعة الإسلام، فقه. خ.
١٣- النوازل من الفتاوى. خ.
١٤- تفسير جزء عم يتساءلون، موجز. خ.
١٥- رسالة في أصول الدين. خ.

(١) أنظر فهرس جامع الزيتونة، المكتبة العبدلية ص (٤٠) .

1 / 4

وفاته
: قال الكنوي: ذكر صاحب «مدينة العلوم» وفاته ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من جمادي الآخرة سنة ٣٩٣، وذكر علي القاري في طبقاته: أنه مات بكورة بلخ سنة ٣٧٦، وذكر هو في «شرح الشفا» لعياض أنه مات سنة ٣٧٣ هـ، وذكر صاحب «الكشف»، وفاته عند ذكر «البستان»، و«التفسير»، و«تنبيه الغافلين» سنة ٣٢٥، وعند ذكر «خزانة الفقه»، سنة ٣٨٣. وسيأتي عن الكفوي أنه مات سنة ٣٧٣.
وصف المخطوط
اعتمدنا في تحقيق هذا التفسير على مخطوطتين. الأولى: بدار الكتب المصرية. رقم ٥٦ تفسير.
خطها: نسخ دقيق واضح، ميزت الآيات بالحمرة، والتفسير بالمداد الأسود.
أوراقها: ٥٤٣.
مسطرتها: ٢٩.
وفي آخرها ذكر تاريخ الفراغ من كتابتها في يوم الأحد مستهل محرم من سنة ٩٩٢ هـ.
وقد اعتبرناها النسخة الأصل، لأنها أكثر ضبطا وقليلة الأخطاء.
والثانية: هي نسخة جامعة «أدينبرج» رقم ٣٦٨٨ مكتبة شستربيتي. فيها نقص لأربع سور من الحجر إلى آخر الكهف. وهي في أربعة أجزاء.
خطها: مشرقي.
أوراقها: ٣٥٢ مسطرتها: ٢٤ في أولها فهرس المواضع السور وللمواضيع.
ولم يظهر تاريخ النسخ عليها. إلا أن هذه النسخة تعتبر متقدمة بالنسبة للمخطوطة الأولى، وهناك تباين ظاهر بين المخطوطتين بالنسبة للنص، وكأن هذه المخطوطة مسودة لكثرة الأخطاء التي فيها- وهي ليست كذلك- ووجود تقديم وتأخير بين بعض الجمل والعبارات، إضافة إلى الأخطاء النحوية والصرفية الموجودة.
ولم نشر إلى اختلاف النسختين لعدم ضرورة ذلك، ولاعتبار النسخة الأولى هي النسخة الصحيحة نسبيا والمعتمدة في التحقيق، أما النسخة الثانية فقد استخدمناها كنسخة مساعدة في حال التعذر في قراءة نص ما، أو في حال وجود اضطراب أو إشكال.

1 / 5

آخر المخطوطة من التفسير، وتنتهي بتفسير سورة الناس. وعليها تاريخ النسخ آخر المخطوطة لوحة (ب) وتنتهي بتفسير سورة الناس وعليها تاريخ النسخ ٦٤٤

1 / 10

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المصنف
باب الحث على طلب التفسير
قال: أخبرنا أبو الفضل جبريل بن أحمد اليوناني قال: أنبأنا أبو محمد لقمان بن حكيم بن خلف الفرغاني بأوزكندة قال: حدثنا الفقيه أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي رحمة الله عليه، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن الفضل قال: أخبرنا محمد بن جعفر الكرابيسي، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدّثنا وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن مرة الهمذاني قال: قال ابن مسعود ﵁: من أراد العلم فليثر القرآن- وفي رواية أخرى فليؤثر القرآن- فإن فيه علم الأولين والآخرين. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: مَا من شيء إلا وعلمه في القرآن غير أن آراء الرجال تعجز عنه.
حدّثنا أبو جعفر محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا محمد بن الفضل الضبّي، عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السّلمي، قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يقرءون على النبيّ ﷺ عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى، حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل.
قال الفقيه: حدثنا أبي قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد المعلم قال: حدثنا أبو عمران الفريابي قال: حدثنا عبد الرحمن بن جبير بن حبيب قال: حدثنا داود بن المخبر قال:
حدّثنا عباد بن كثير، عن عبد خير، عن علي بن أبي طالب- ﵁: أن النبيّ ﷺ قال في خطبته: «أَيُّها النّاس، قد بين الله لكم في محكم كتابه ما أحلّ لكم وما حرّم عليكم، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وآمنوا بمتشابهه، واعملوا بمحكمه، واعتبروا بأمثاله» قال: فلما أمر النبيّ ﷺ بأن يحل حلاله ويحرم حرامه، ثم لا يمكن أن يحل حلاله، ويحرم حرامه إلا بعد ما يعلم تفسيره. ولأن الله تعالى أنزل القرآن هدى للناس، وجعله حجة على جميع الخلق لقوله: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩] فلما كان القرآن حجة على

1 / 11

العرب والعجم، ثم لا يكون حجة عليهم إلا بعد تفسيره برأيه، فدلّ ذلك على أن طلب تفسيره وتأويله واجب.
ولكن لا يجوز لأحد أن يفسر القرآن من ذات نفسه برأيه، ما لم يتعلم ويعرف وجوه اللغة وأحوال التنزيل، لأنه روي في الخبر ما حدثنا به محمد بن الفضيل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا وكيع عن سفيان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن بغير علم، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . وروى أبو صالح، عن ابن عباس- ﵄ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من فسّر القرآن برأيه فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» .
قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضيل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو حفص، عن ابن مجاهد قال: قال رجل لأبي: أنت الذي تفسر القرآن برأيك؟ فبكى أبي ثم قال: إني إذا لجريء. لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلا من أصحاب النبيّ ﷺ ﵃.
وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه سئل عن قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا [عبس: ٣١] فقال: لا أدري ما الأبّ. فقيل له: قل من ذات نفسك يا خليفة رسول الله. قال:
أيّ سماء تظلّني وأي أرض تقلّني، إذا قلت في القرآن بما لا أعلم. فإذا لم يعلم الرجل وجوه اللغة وأحوال التنزيل، فتعلم التفسير وتكلف حفظه فلا بأس بذلك، ويكون ذلك على سبيل الحكاية. والله أعلم.

1 / 12

سورة الفاتحة
[سورة الفاتحة (١): الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)
بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال:
حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان النبيّ ﷺ يكتب: باسمك اللهم فلما نزل في سورة هود بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: ٤١] كتب: بسم الله فلما نزل في سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: ١١٠] كتب بسم الله الرحمن فلما نزل في سورة النمل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: ٣٠] كتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
ففي هذا الخبر دليل على أنه ليس من أول كل سورة، ولكنه بعض آية من كتاب الله تعالى من سورة النمل. فأما تفسير قوله: بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت باسم الله، ولكن لم يذكر بدأت، لأن الحال ينبئ أنك مبتدئ فيستغنى عن ذكره. وأصله: باسم الله بالألف، ولكن حذفت من الاسم لكثرة الاستعمال، لأنها ألف وصل، وليست بأصلية، بدليل أنها تسقط عند التصغير، فتقول سميّ. وقال بعضهم: معنى قوله بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده، ليذكروا اسم الله تعالى عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة اسم الله تعالى. وقوله اللَّهِ هو اسم موضوع ليس له اشتقاق، وهو أجلّ من أن يذكر له الاشتقاق، وهو قول الكسائي. قال أبو الليث ﵀: هكذا سمعت أبا جعفر يقول: روي عن محمد بن الحسن أنه قال: هو اسم موضوع ليس له اشتقاق. وروي عن الضحاك أنه قال: إنّما سمي اللَّهِ إلها، لأن الخلق يولهون إليه في قضاء حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل بن أحمد البصري أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بنصب اللام، ويألهون بكسر اللام أيضا، وهما لغتان وقيل أيضا: إنه اشتق من الارتفاع.
وكانت العرب تقول للشيء المرتفع «لاه»، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: طلعت لاهة، غربت لاهة وقيل أيضا: إنما سمي اللَّهِ، لأنه لا تدركه الأبصار، «ولاه» معناه احتجب كما قال القائل:
لاه ربّي عن الخلائق طرّا ... خالق الخلق لا يرى ويرانا

1 / 13

وقيل أيضا: سمي اللَّهِ لأنه يوله قلوب العباد بحبه.
وأما «الرحمن» فالعاطف على جميع خلقه بالرزق لهم، ولا يزيد في رزق التقيّ لأجل تقاه، ولا ينقص من رزق الفاجر لأجل فجوره. وما كان في لغة العرب على ميزان «فعلان» يراد به المبالغة في وصفه، كما يقال: شبعان، وغضبان، إذا امتلأ غضبا. فلهذا سمى نفسه رحمانا، لأن رحمته وسعت كل شيء، فلا يجوز أن يقال لغير الله تعالى «الرحمن»، لأن هذا الوصف لا يوجد في غيره.
وأما «الرحيم» فالرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة، ويدخلهم الجنة. وقيل أيضا: إنما سمى نفسه رحيما، لأنه لا يكلف عباده جميع ما يطبقون، وكل ملك يكلف عباده جميع ما يطيقون، فليس برحيم.
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال في قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ قال:
اسمه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما الرحمن فهو عون لمن آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما «الرحيم» فلمن تاب وآمن وعمل صالحًا.
وقد فسره بعضهم على الحروف، وروى عبد الرحمن المديني، عن عبد الله بن عمر:
أن عثمان بن عفان- ﵃ سأل ﷺ عن تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال:
أما الباء: فبلاء الله وروحه، ونصره وبهاؤه وأما السين: فسناء الله، وأما الميم: فملك الله وأما الله: فلا إله غيره وأما الرحمن: فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم:
فالرفيق بالمؤمنين خاصة.
وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء، بهاؤه، والسين: سناؤه ولا شيء أعلى منه، والميم: ملكه، وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير، فلا شيء يعازه. وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه فالباء: مفتاح اسمه بصير، والسين: مفتاح اسمه سميع، والميم: مفتاح اسمه ملك، والألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والهاء: مفتاح اسمه هادي، والراء: مفتاح اسمه رزاق، والحاء: مفتاح اسمه حليم، والنون: مفتاح اسمه نور. ومعنى هذا كله: دعاء الله عند الافتتاح.

1 / 14

سبع آيات مدنية روي عن مجاهد أنه قال: سورة فاتحة الكتاب مدنية، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: هي مكية. ويقال: نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة. حدثنا الحاكم أبو الفضل، محمد بن الحسين الحدادي قال: حدثنا أبو حامد المروزي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا جهضم بن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ فِي كِتَابِ الله لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيٍ مِثْلَهَا، فسأله أبي بن كعب عنها فقال: إنِّي لأرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنَ البَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا، فجعلتُ أتبطَّأ، ثم سأله أبيٌّ عنها فقال: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلاتِكَ؟ قال: بأمِّ الكتاب.
فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» وقال بعضهم: السبع المثاني، هي السبع الطوال سورة: البقرة، وآل عمران، والخمس التي بعدها، وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين. وقال أكثر أهل العلم: هي سورة الفاتحة وإنما سميت السبع، لأنها سبع آيات وإنما سميت المثاني، لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة.
وقال: حدثنا أبي قال: حدّثنا أبو عبد الله، محمد بن حامد الخزعوني قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي

1 / 15

صالح، مولى أم هانئ، عن ابن عباس- ﵄ في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال:
الشكر لله. ومعنى قول ابن عباس: الشكر لله، يعني الشكر لله على نعمائه كلها وقد قيل:
(الحمد لله) يعني الوحدانية لله. وقد قيل: الألوهية لله. وروي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذى لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين. ثم معنى قوله (الحمد لله) قال بعضهم: «قل» فيه مضمر يعني: قُلِ: الحمد لِلَّهِ. وقال بعضهم: حمد الرب نفسه، ليعلم عباده فيحمدوه.
وقال أهل اللغة: الحمد هو الثناء الجميل، وحمد الله تعالى هو: الثناء عليه بصفاته الحسنى، وبما أنعم على عباده، ويكون في الحمد معنى الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وقال بعضهم:
الشكر أعم، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب، والحمد يكون باللسان خاصة. كما قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا [سبأ: ١٣] .
وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وذلك إن آدم ﵇، قال حين عطس: الحمد لله فقال الله تعالى: يرحمك الله، فسبقت رحمته غضبه. وقال الله تعالى لنوح: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: ٢٨] وقال إبراهيم- ﵇: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: ٣٩] وقال في قصة داود وسليمان: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل: ١٥] وقال لمحمد- ﵇: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا [الإسراء: ١١١] وقال أهل الجنة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: ٣٤] فهي كلمة كل شاكر.
وقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس- ﵄: سيد العالمين. وهو رب كل ذي روح تدب على وجه الأرض. ويقال: معنى قوله رَبِّ الْعالَمِينَ: خالق الخلق ورازقهم ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة.
والرب في اللغة: هو السيد قال الله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: ٥٠]، يعني إلى سيدك. والربّ: هو المالك يقال: ربّ الدار، وربّ الدابة والرب هو المربي من قولك: ربى يربي. وقوله: (العالمين) كل ذي روح ويقال: كل من كان له عقل يخاطب، مثل بني آدم والملائكة والجن، ولا يقع على البهائم ولا على غيرها. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«إن لله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عَالَمٍ، وَإنَّ دُنْيَاكُمْ مِنْهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ» ويقال: كل صنف من الحيوان عالم على حده.
قوله ﷿: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال في رواية الكلبي: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع، فلو قال: هما اسمان لطيفان، لكان

1 / 16