La joie des assemblées et le plaisir des compagnies

بهجة المجالس وأنس المجالس

Régions
Espagne
•
Empires & Eras
Abbassides
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى اللَه على سيدنا محمد وآله وسلم.
أَما بَعد: فإن لآولى ما ابتدئ به كتاب وافتتح به خطاب، حمد الله على جزيل آلائه، وشكره لجميل بلائه، ثم الصلاة على خاتم أنبيائه وعافب رسله، صلوات الله عليهم أجمعين، وسلام عليهم في العالمين وبركاته. والحمد لله الذي هدانا للإسلام، وفضنا على جميع الأنام، وجعلنا من أمة محمد نبيه ﵊.
وبعد: فإن أولى ما عني به الطالب، ورغب فيه الراغب، وصرف إليه العاقل همه، وأكد فيه عزمه، بعد الوقوف على معاني السنن والكتاب، مطالعه فنون الآداب، وما اشتملت عليه وجوه الصواب، من أنواع الحكم التي تحيي النفس والقلب، وتشحذ الذهن واللب، وتبعث على المكارم، وتنهى عن الدنايا والمحارم، ولا شيء أنظم لشمل ذلك كله، وأجمع لفنونه، وأهدى إلى عيونه، وأعقل لشارده، وأثقف لنادره؛ من تقييد الأمثال السائرة، والأبيات النادرة، والفصول الشريفة، والأخبار الظريفة، من حكم الحكماء، وكلام البلغاء العقلاء: من أئمة السلف، وصالحي الخلف، الذين امتثلوا في أفعالهم وأقوالهم، آداب التنزيل، ومعاني سنن الرسول، ونوادر العرب وأمثالها، وأجوبتها ومقاطعها، ومباديها وفصولها، وما حووه من حكم العجم، وسائر الأمم، ففي تقييد أخبارهم، وحفظ مذاهبهم، ما يبعث على امتثال طرقهم واحتذائها، واتباع آثارهم واقتفائها.
وقد جمعت في كتابي هذا من الأمثال السائرة، والأبيات النادرة، والحكم البالغة، والحكايات الممتعة في فنون كثيرة وأنواع جمة، من معاني الدين والدنيا، ما انتهى إليه حفظي ورعايتي، وضمته روايتي وعنايتي، ليكون لمن حفظه ووعاه، وأتقنه وأحصاه زينًا في مجالسه، وأنسًا لمجالسه، وشحذًا لذهنه وهاجسه، فلا يمر به معنى في الأغلب مما يذاكر به، إلا أورد فيه بيتًا نادرًا، أو مثلًا سائرًا، أو حكاية مستطرفة، أو حكمة مستحسنة، يحسن موقع ذلك في الأسماع، ويخفف على النفس والطباع، ويكون لقارئه أنسًا في الخلاء، كما هو زين له في الملاء، وصاحبًا في الاغتراب، كما هو حلي بين الأصحاب.
وجمعت في الباب به منه المعنى وضده لمن أراد متابعة جليسه فيما يورده في مجلسه ولمن أراد معارضته بضده في ذلك المعنى بعينه، ليكون أبلغ وأشفى وأمتع.
وقد قربته، وبوبته ليسهل حفظه، وتقرب مطالعته، وافتتحت أكثر أبوابه بحديث الرسول ﷺ تبركًا بتذكاره، وتيمنًا بآثاره.
وإلى الله أبتهل في حسن العون والتأييد لما يحب، والتسديد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
روى عن النبي ﷺ أنه قال: " ما أهدى المرء المسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة واحدة، يزيده الله بها هدىً، ويصرفه بها عن ردى ".
ويروى عن عيسى الخياط، عن الشعبي، قال: لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمة ينتفع بها فيما يستقبل من عمره، ما رأيت أن سفره قد ضاع.
قال محمد بن سلام الجمحي، عن ابن جعدبة، قال: ما أبرم عمر بن الخطاب أمرًا قط إلا تمثل فيه ببيت شعر.
وقال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه: كفاك من علم الأدب أن تروى الشاهد والمثل.
وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أروى للشعر من عروة بن الزبير. فقيل له: ما أرواك للشعر! قال: وما روايتي من رواية عائشة له، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا.
وروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا أرواحه، ودعوا ظروفه.
ولقد أحسن القائل، وقيل إنه منصور الفقيه: قالوا خذ العين من كل فقلت لهم في العين فضل ولكن ناظر العين حرفان في ألف طومار مسودة وربما لم تجد في الألف حرفين وروى عن مخلد بن يزيد، عن جابر بن معدان قال: كل حكمة لم ينزل فيها كتاب، ولم يبعث بها نبي، ذخرها الله حتى تنطق بها ألسن الشعراء.
وقال رسول الله ﷺ: " إن من الشعر حكمة ".
روى ابن نعيم، عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خذ الحكمة ممن سمعتها، فإن الرجل قد يتكلم بالحكمة وليس بحكيم، كما أن الرمية قد تجئ من غير رامٍ.
؟ باب أدب المجالسة وحق الجليس الصالح

1 / 1

أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، وأحمد بن عبد الله بن عمر، وخلف بن سعيد بن أحمد، وسعيد بن سيّد، ومحمد بن عبد الله بن حكم، وأحمد بن عبد الله بن محمدّ بن عليّ، واللفظ لسعيد بن سيّد، قالوا: حدثنا محّمد بن عمر بن لبانة، وسليمان بن عبد السّلام، قالا: حدثنا محّمد بن أحمد العتيبيّ، عن أبي المصعب الزّهري، عن عبد العزيز بن أبي حازم، وحدّثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا بكر بن حماّد، قال: حدّثنا مسدّد: حدثنا أبو عوانة كلاهما عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: " من قام من مجلسه، ثم رجع فهو أحقّ به " ورواه حّماد بن سلمة عن سهيل، بإسناد مثله.
وحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، وأحمد بن محّمد، وأحمد بن قاسم قالوا: حدّثنا قاسم، قال: حدثنا ابن وضّاح، قال: حدّثنا محمد بن مسعود، قال: حدّثنا يحيى القطّان، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " إذا أتى أحدم المجلس فليسلّم، وإذا قام فليسلم، فليست الأولى بأحقّ من الأخرى ".
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا أبو بكر محمد بن داسة قال: حدّثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي المولى عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن أبي سعيد الخدريّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: " لا يقيمن أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه " قال: وكان ابن عمر إذا قام له رجلٌ من مجلسه، من غير أني يقيمه لم يجلس فيه. ومن حديث أبي بكرة عن النبيّ ﷺ: مثله.
وقال رسول الله ﷺ: " المجالس بالأمانة، وإنما يتجالس الرّجلان بأمانة الله عزّوجلّ فإذا تفرّقا فليستر كلٌّ منهما حديث صاحبه " وقال أبو البختري: كانوا يكرهون أن يقوم الرجل للرّجل من مجلسه، ولكن ليوسع له.
ومن حديث سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ، قال: " لا يوسّع في المجالس إلاّ لثلاثة:لذي علم لعلمه، ولذي سن لسنّه، أو لذي سلطان لسلطانه ".
ومن حديث جابر عن النبيّ ﷺ قال: " المجالس بالأمانة إلا ثلاثة: مجلسٌ سفك فيه دمٌ حرامٌ، ومجلسٌ استحلّ فيه فرجٌ حرام، ومجلسٌ استحلّ فيه مالٌ حرام بغير حقه ".
ومن حديث عمر بن عبد العزيز، عن محّمد بن كعب القرظّي، عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ أنّه قال: " لكل شيءٍ شرفٌ، وإنّ شرف المجالس، ما استقبل فيه القبلة ".
وروي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: " إذا جلس إليك رجلٌ، فلا تقومنّ حتى تستأذنه ".
وقال ﷺ: " إذا قام الرّجل من مجلسه، فهو أحق به حتّى ينصرف إليه، ما لم يودِّع جلساءه بالسَّلام ".
وقال ﷺ: " لا يفرِّق واحدٌ منكم بين اثنين متجالسين إلاَّ بإذنهما، ولكن تفسَّحوا وأوسعوا ".
وقال أنس بن مالكٍ: ما أخرج رسول الله ﷺ ركبتيه ولا قدميه بين يدي جليسٍ له قطّ، ولا تناول أحدٌ يده فتركها حتّى يكون هو الّذي يدعها.
وقال ابن شهاب: كان رجل يجالس رسول الله ﷺ، فكان لا يزال يتناول عن وجه رسول الله ﷺ الشىء، وكأنّ ذلك آذى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: " إذا نزع أحدكم عن أخيه شيئًا فليره إياّه ".
وحدث الحسن البصري: أنّ رجلًا تناول عن رأس عمر بن الخطّاب شيئًا فتركه مرتين، ثم تناول الثالثة، فأخذ عمر بيده، فقال: أرني ما أخذت؟ وإذا هو لم يأخذ شيئًا!! فقال: انظروا إلى هذا، قد صنع هذا ثلاث مراتٍ يريني أنّه يأخذ من رأسي شيئًا ولا يأخذه، فإذا أخذ أحدكم من رأس أخيه شيئًا فليره إيّاه.
قال الحسن: نهاهم أمير المؤمنين عن الملق.
وقال الحسن: لو أنّ إنسانًا أخذ من رأسي شيئا، قلت: صرف الله عنك السُّوء.
وكان محّمد بن سيرين: إذا أخذ أحدٌ من لحيته أو رأسه شيئًا، قال: لا عدمت نافعًا.
وروي عن عمر بن الخطّاب أنه قال: إذا أخذ أحدٌ عنك شيئًا، فقل: أخذت بيدك خيرًا.

1 / 2

وقد روي عن النبيّ ﷺ، أنه قال: لأبي أيّوب الأنصاريّ - وقد نزع عنه أذّى -: " نزع الله عنك ما تكره يا أبا أيّوب ".
قال عمر بن الخطّاب: فحسب المرء من العيّ أن يؤذي جليسه بما لا يعنيه أن يجد على النّاس فيما تأتيه، وأن يظهر له من النّاس ما يخفى عليه من نفسه.
وعن عمر ﵁ قال: إن مما يصفّي وداد أخيك، أن تبدأه بالسّلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحبّ الأسماء إليه، وأن توسّع له في المجلس.
قال أيّوب الأنصاريّ: من أراد أن يكثر علمه، فليجالس غير عشيرته.
روى سفيان بن عيينة، عن مالك بن معن، قال: قال عيسى ﷺ: جالسوا من تذكركم بالله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغّبكم في الآخرة عمله.
قال المدائني: أوصى يحيى بن خالد ابنه، فقال: يا بنيّ إذا حدّثك جليسك حديثًا، فأقبل عليه وأصغ إليه، ولا تقل قد سمعته وإن كنت أحفظ له، وكأنك لم تسمعه إلاّ منه، فإنّ ذلك يكسبك المحبة والميل إليك.
وعن عبد الملك بن عمير، قال: قال سعيد بن العاص: لجليسي عليّ ثلاث خصال: إذا دنا رحّبت به، وإذا جلس وسّعت له وإذا حدث أقبلت عليه.
وذكر ابن مقسم، قال: سمعت المبرِّد يقول: الاستماع بالعين، فإذا رأيت عين من تحدّثه ناظرةً إليك فاعلم أنه يحسن الاستماع. وقد روينا هذا القول عن سهل بن عبادة.
ومن حديث جابر عن النبيّ ﵇، أنّه قال: " من كان له أخٌ في الله فأكرمه فإنما يكرم الله ".
وروينا عن ثعلب النحوي، أنّه قام لصديق قصده، وأنشده:
لئن قمت ما في ذاك منها غضاضةٌ ... عليّ وإنّي للكرام مذلّل
على أنّها منّي لغيرك هحنةً ... ولكنّها بيني وبينك تجمل
ولغيره في هذا المعنى:
إذا ما تبدّى لنا طالعًا ... حللنا الحبا وابتدرنا القياما
فلا تنكرنّ قيامي إليه ... فإنّ الكريم يجلُّ الكراما
وروينا من حديث عائشة، عن النبيّ ﷺ، أنّه قال: " أنزلوا النّاس منازلهم ". قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: إذا الرجل عند رجلٍ جالسًا، فجاءه طالب حاجةٍ، فسكت عن عونه فقد أعان عليه.
قال عمرو بن العاص: لا أملُّ جليسي ما فهم عنّي، وإنما الملال لدناءة الرّجال. قال: الشّعبيّ في قومٍ ذكرهم: ما رأيت مثلهم أشدّ تنابذًا في مجلس، ولا أحسن فهمًا من محدِّث.
روى الأصمعيّ عن العلاء بن جرير عن أبيه، قال: قال الأحنف بن قيس: لو جلس إليّ مائةٌ لأحببت أن ألتمس رضى كلّ واحدٍ منهم.
وقال عبد الله بن عبّاس: أعز الناس عليّ جليسي الذي يتخطّى النّاس إليّ، أما والله إنّ الذّباب يقع عليه فيشقّ عليّ.قال كشاجم:
؟ وجليسٍ لي أخي ثقةٍ ... كأن حديثه خبره
يسرّك حسن ظاهره ... وتحمد منه محتضره
ويستر عيب صاحبه ... ويستر أنّه ستره
وقال آخر:
جليسٌ لي له أدب ... رعاية مثله تجب
لو انتقدت خلائقه ... لبهرج عندها الذّهب
وعن ابن عبّاس، أنه قال: إنّي لأكره أن يطأ الرجل بساطي ثلاثًا فلا يرى عليه أثرى.
وعنه أيضًا ﵁، أنه سئل: من أكرم الناس عليك؟ قال: جليسي حتّى يفارقني.
قال معاوية لعرابة الأوسي: بأيّ شيءٍ استحققت أن يقول فيك الشّماّخ:
رأيت عرابة الأوسيّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقاّها عرابة باليمين
فقال: عرابة: سماع هذا من غيري أولى بك وبي يا أمير المؤمنين، فقال: عزمت عليك لتخبرنّي. فقال: بإكرامي جليسي، ومحاماتي على صديقي.
فقال معاوية: لقد استحققت.
قال عليّ بن الحسين: ما جلس إليّ أحدٌ قط، إلاّ عرفت له فضله حتى يقوم. قال أبو عبادة: ما جلس رجل بين يديّ، إلا مثّل لي أني جالس بين يديه. روى عن عبد الله بن يزيد، وقد روى ذلك لأبي حازم، أنه قال: وطّن نفسك على الجليس السوء، فإنه لا يكاد يخطئك. وقد روى ذلك عن الأحنف، والله أعلم قال بعض الحكماء: رجلان ظالمان يأخذان غير حقّهما، رجلٌ وسّع له في مجلس ضيّق فتربّع وتفتح، ورجلٌ أهديت إليه نصيحةٌ فجعلها ذنبًا.

1 / 3

وقال مسعر بن كدام: رحم الله من أهدى إلىّ عيوبي في ستر بيني وبينه، فإن النصيحة في الملأ تقريع.
قال الأحنف: لأن أدعى من بعدٍ أحبّ إليّ من أن أقصى عن قرب.
وعن الأحنف أيضًا أنه قال: ما جلست مجلسًا قطّ، أخاف أن أقام منه لغيري وقال البعيث بن حريث:؟ وإنّ مكاني في النّدىّ ومجلسي له الموضع الأقصى إذا لم أقرّب
ولست وإن قرّبت يومًا ببائعٍ ... خلاقي ولا ديني ابتغاء التّحبُّب
ويعتدّه قومٌ كثيرٌ تجارةً ... ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي
جلس رجل إلى الحسن بن عليّ ﵁، فقال: جلست إلينا على حين قيام، أفتأذن؟! كان يقال: إياك وكلُّ جليسٍ لا تصيب منه خيرًا.
وعن معاذ بن جبل، أنه قال: إيّاك وكلّ جليسٍ لا يفيدك علمًا.
كان يقال: من سرّه أن يعظم حلمه، وينفعه علمه، فليقلّ من مجالسته من كان بين ظهرانيه. وقال الحسن البصريّ: انتقوا الإخوان، والأصحاب، والمجالس.
وروى هشام بن عروة،عن محّمد بن المنكدر، قال:كان يقال: خياركم ألينكم مناكب في الصلاة، وركنًا في المجالس، الموطَّئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون.
تباعد كعب الأحبار يومًا في مجلس عمر بن الخطاب، فأنكر ذلك عليه، فقال: يا أميرالمؤمنين! إنّ في حكمة لقمان ووصيته لابنه: إذا جلست إلى ذي سلطان فليكن بينك وبينه مقعد رجل، فلعلّه يأتيه من هو آثر عنده منك فينحّيك فيكون نقصًا عليك.
وكان يقال: الجليس الصّالح خيرمن الوحدة، والوحدة خيرٌ من الجليس السّوء.
وعن جعفر بن سليمان الضّبعيّ، قال: رأيت مع مالك بن دينار كلبًا، فقلت له: ما هذا؟ قال هذا خيرٌ من الجليس السوء.
قال زيادٌ: إنه ليعجبني من الرجال من إذا أتى مجلسًا أن يعرف أين يكون مجلسه، وإني لآتي المجلس، فأدع مالي مخافة أن أدفع عمّا ليس لي.
وكان الأحنف إذا أتاه رجلٌ أوسع له، فإن لم يكن له سعة أراه كأنّه يوسع له.
طرح أبو قلابة لجليس له وسادة، فردّها فقال له: أما سمعت الحديث: " لا تردن على أخيك كرامته ".
قال ابن شبرمة لابنه: يا بنيّ! إياك وطول المجالسة، فإنّ الأسد إنما يجترىء عليها من أدام النظر إليها.
وهذا عندي مأخوذٌ من قول أردشير لابنه: يابنيّ لا تمكّن الناس من نفسك فإن أجرأ النّاس على السّباع، أكثرهم لها معاينة. ومن هذا - والله أعلم - أخذ ابن المعتزّ قوله:
رأيت حياة المرء ترخص قدره ... فإن مات أغلته المنايا الطّوائح
كما يخلق الثّوب الجديد ابتذاله ... كذا تخلق المرء العيون الّلوامح
ومن سوء الأدب في المجالسة: أن تقطع على جليسك حديثه، أو تبدره إلى تمام ما ابتدأ به خبرًا كان أو شعرًا، تتمّ له البيت الذي بدأ به، وتريه أنك أحفظ منه. فهذا غايةٌ في سوء المجالسة، بل يجب أن تصغي إليه كأنك لم تسمعه قط إلاّ منه.
قيل لداود الطّائّي: لم تركت مجالسة الناس؟ قال: ما بقي إلاّ كبيرٌ يتحفّظ عليك، أوصغيرٌ لا يوقِّرك.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لا تجالس عدوّك، فإنه يحفظ عليك سقطاتك ويماريك في صوابك.
قالت الخنساء:
إنّ الجليس يقول القول تحسبه ... خيرًا وهيهات فانظر ما به التمسا
كان يقال: رأس التّواضع، الرّضا بالدُّون من المجلس. وهذا يروى عن ابن مسعود أنّه قال: إنّ من التواضع أن ترضى بالدُّون من المجلس، وأن تبدأ بالسّلام من لقيت.
قال إبراهيم النَّخعيّ إنّ الرجل ليجلس مع القوم فيتكلّم بالكلام، يريد الله به، فتصيبه الرَّحمة فتعمُّ من حوله، وإنّ الرجل يجلس مع القوم فيتكلّم بالكلام يسخط الله به، فتصيبه السَّخطة فتعمُّ من حوله.
كان رسول الله ﷺ يومًا في مجلسه، فرفع رأسه إلى السّماء ثم طأطأه ثم رفعه فسئل عن ذلك فقال: " هؤلاء قومٌ كانوا يذكرون الله فنزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة، وحفّتهم الملائكة كالقبّة، فلما دنت منهم تكلّم رجلٌ منهم بباطلٍ فرفعت عنهم ثم تلا: " ويوم تقوم السّاعة يومئذٍ يخسر المبطلون ".

1 / 4

وفي حديث أبي هريرة عن النبيّ ﵇، أنه قال: " ما جلس قومٌ مجلسًا يقرءون فيه القرآن، ويذكرون السُّنن، ويتعلمون العلم ويتدارسونه بينهم، إلاّ حفّت بهم الملائكة، ونزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده، فقيل له يارسول الله الرّجل يجلس إليهم وليس منهم، ولا شأنه شأنهم، أتأخذه الرحمة معهم؟ قال: نعم، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ".
أنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، ويقال إنها له:؟ إن صحبنا الملوك تاهوا وعقّوا واستخفّوا كبرًا بحقّ الجليس
أو صحبنا االنّجار صرنا إلى البؤ ... س وعدنا إلى عداد الفلوس
فلزمنا البيوت نستخرج العل ... م ونملا به بطون الطّروس
كان يقال: ذوو المروءة والدّين، إذا أحرزوا القوت لزموا البيوت. أنشد أبو عبد الله بن الأعرابيّ - صاحب الغريب -:؟ لنا جلساءٌ ما نملّ حديثهم ألّباء مأمونون غيبًا ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... وعقلًا وتأديبًا ورأيًا مسدّدا
بلا فتنةٍ تخشى ولا سوء عشرةٍ ... ولا نتّقي منهم لسانًا ولا يدا
فإن قلت أمواتٌ فلست بكاذبٍ ... وإن قلت أحياءٌ فلست مفنّدا
ولهذا الشعر خبر لابن الأعرابي مع أحمد بن محمد بن شجاع، ذكرناه مع الأبيات في آخر كتاب " بيان العلم وفضله ". ولمحمد بن بشير في هذا المعنى من قصيد له:؟ فصرت في البيت مسرورًا تحدّثني عن علم ما غاب عنّي في الورى الكتب
فردًا تخبّرني الموتى وتنطق لي ... فليس لي في أناسٍ غيرهم أرب
لله من جلساءٍ لا جليسهم ... ولا خليطهم للسوء مرتقب
لا بادرات الأذى يخشى رفيقهم ... ولا يلاقيه منهم منطقٌ ذرب
أبقوا لنا حكمًا تبقى منافعها ... أخرى اللّيالي على الأيّام وانشعبوا
إن شئت من محكم الآثار يرفعها ... إلى النّبيّ ثقاتٌ خيرةٌ نجب
أو شئت من عربٍ علمًا بأوّلهم ... في الجاهلية تنبيني بها العرب
أو شئت من سير الأملاك من عجمٍ ... تنبي وتخبر كيف الرّأي والأدب
؟ حتى كأنّي قد شاهدت عصرهم وقد مضت دونهم من دهرنا حقب
ما مات قومٌ إذا أبقوا لنا أدبًا ... وعلم دينٍ ولا بانوا ولا ذهبوا
قال رسول الله ﷺ: " كفارة ما يكون في المجلس من الّلغط أن تقول: سبحانك الّلهمّ وبحمدك، لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك ".
وفي حديث آخر: " كفارة ما يكون في المجلس ألاّ تقوم حتّى تقول: سبحانك اللهمّ وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، يا ربّ تب عليّ واغفر لي، فإن كان مجلس لغوٍ كان كفّارته، وإن كان مجلس ذكرٍ كان كالطّابع عليه ".
وقال حّسان بن عطّية: ما من قوم كانوا في مجلس لغوٍ فختموه بالاستغفار إلاّ كتب لهم مجلسهم ذلك استغفارًا كله.
وروي عن جماعةٍ من أهل العلم بتأويل القرآن، في قول الله ﷿: " وسبح بحمد ربك حين تقوم "، منهم مجاهد وأبو الأحوص وعطاء ويحيى بن جعدة قالوا: حين تقوم من كل مجلس تقول فيه: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك، قالوا: ومن قالها غفر له ما كان منه في المجلس.
وقال عطاء: إن كنت أحسنت ازددت إحسانًا، وإن كان غير ذلك كان كفارة.
ومنهم من قال: تقول حين تقوم: سبحان الله وبحمده من كلّ مكانٍ ومن كلّ مجلس.
باب حمد الّلسان وفضل البيان
قال رسول الله ﷺ: " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظنّ أنها تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة حتّى يلقاه ... " الحديث.
قال معاذ: قلت يا رسول الله أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: " لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله ".
وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: " أفضل الصدقة صدقة اللسان، تدفع بها الكريهة، وتحقن بها الدم ".
وقال ﵊: " أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند ذي سلطان جائر ".
قال أبو عنبة الخولاني ﵀: ربّ كلمةٍ خير من إعطاء المال. وقال أبان ابن سليم: كلمة حكمة لك من أخيك، خير لك من مالٍ يعطيك؟ لأنّ المال يطغيك والكلمة تهديك.

1 / 5

قالوا: خير الكلام ما دلّ على هدىً، أو نهى عن ردّى.
ذكر عند الأحنف بن قيس: الصمت والكلام، فقال قومٌ: الصمت أفضل فقال الأحنف: الكلام أفضل لأن الصمت لا يعدو صاحبه، والكلام ينتفع به من سمعه، ومذاكرة الرّجال تلقيحٌ لعقولها.
وروي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: " رحم الله عبدًا تكلّم بخيرٍ فغنم، أو سكت فسلم ". قال سعيد بن جبير: رأيت ابن عبّاس ﵁ في الكعبة آخذًا بلسانه وهو يقول: يا لسان قل خيرًا تغنم، أو اسكت تسلم.
وقالوا السّكوت سلامة، والكلام بالخير غنيمة، ومن غنم أفضل ممن سلم.
قال أعرابيّ: من فضل الّلسان، أن الله ﷿ أنطقه بتوحيده من بين سائر الجوارح.
وقال عبد الملك بن مروان: الصمت نومٌ والنُّطق يقظة.
قال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلاّ صورة ممثَّلة، أو بهيمة مرسلة، أو ضالّةٌ مهملة.
كان يقال: الألسن خدم القرائح.
قال ربيعة الرأي: السّاكت بين النائم والأخرس.
قالو: إنما المرء بأصغريه: لسانه وقلبه.
كان يقال: اللسان ترجمان الفؤاد، واللسان حيّة الفم.
كان يقال: يجد البليغ من ألم السّكوت ما يجد العييُّ من ألم الكلام.
وقالوا: المرء مخبوءٌ تحت لسانه.
وقال حسان بن ثابت:؟ لساني وسيفي صارمان كلاهما ويبلغ ما لا يبلغ السّيف مذودي وقال جرير:
وليس لسيفي في العظام بقيَّةٌ ... ولا السّيف أشوى وقعةً من لسانيا
وقال الخليل بن أحمد:
أيّ شيءٍ من اللّباس على ذي السّرو ... أبهى من اللّسان البهيّ
قال ابن سيرين: لا شيء أزين على الرجل من الفصاحة والبيان، ولا شيء أزين على المرأة من الشحم.
قال الشاعر:؟ وكائن ترى من ساكتٍ لك معجبٍ زيادته أو نقصه في التّكّلم
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللّحم والدّم
قال أبو العتاهية:
وللناس خوضٌ في الكلام وألسنٌ ... وأقربها من كلّ خيرٍ صدوقها
وروى ابن عمر قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله ﷺ: " إن من البيان لسحرا ". فتأولت طائفة هذا على الذم لأن السحر مذموم، وذهب الأكثر من أهل العلم، وجماعة من أهل الأدب إلى أنه على المدح لأن الله تعالى مدح البيان وأضافه إلى القرآن، وقد أوضحنا هذا في كتاب التمهيد والحمد لله.
وقد قال عمر بن عبد العزيز، ﵀، لرجل سأله حاجة فأحسن المسألة، فأعجبه قوله وقال: هذا - والله - السحر الحلال.
وقال عليّ بن العبّاس الرومي:
وحديثها السِّحر الحلال لو أنَّه ... لم يجن قتل المسلم المتحرِّز
في أبيات قد ذكرتها في موضعها من هذا الكتاب.
وقال الحسن: الرجال ثلاثةٌ، رجل بنفسه، ورجل بلسانه، ورجل بماله.
وكان يقال: في اللسان عشر خصال: أداةٌ يظهرها البيان، وشاهدٌ يخبر عن الضمير، وحاكمٌ يفصل به القضاء، وناطقٌ يردّ به الجواب، وشافعٌ تقضى به الحاجات، وواصفٌ تعرف به الأشياء، وواعظٌ ينهى به عن القبيح، ومعزٍّ تسكن به الأحزان، وملاطفٌ تذهب به الضغينة ومونقٌ يلهى الأسماع.
ونظر معاوية إلى ابن عبّاس ﵄، فأتبعه بصره ثم قال متمثلا:
إذا قال لم يترك مقالًا لقائلٍ ... مصيبٍ ولم يثن اللسان على هجر
يصرّف بالقول اللّسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصّقر
ولحسان بن ثابت في ابن عبّاس:
إذا قال لم يترك مقالًا لقائلٍ ... بمنطلقاتٍ لا ترى بينها فصلا
شفى وكفى ما في النّفوس فلم يدع ... لذي إربةٍ في القول جدًّا ولا هزلا
في أبيات قد ذكرتها في باب ابن عباس من كتاب " الصحابة ".
كان يقال: الجمال في اللسان.
قيل للأعرابي: ما الجمال؟ قال: طول الجسم، وضخم الهامة، ورحب الشّدق، وبعد الصّوت. قال حبيب: " لسان المرء من خدم الفؤاد " وقال آخر: " والقول ينفذ ما لا ينفذ الإبر " قال امرؤ القيس: " وجرح اللّسان كجرح اليد " قال ابن أبي حازم:
أوجع من وقعة السّنان ... لذي الحجا وخزة اللّسان
باب ذمّ العيّ وحشو الكلام
قال أبو هريرة: لا خير في فضول الكلام.
وقال عطاء: كانوا يكرهون فضول الكلام.

1 / 6

وقال: بترك الفضول تكمل العقول.
وقال: فضول الكلام ما ليس في دين ولا دنيا مباحًا.
وقال: الصّمت صيانة اللّسان، وستر العيّ.
وقالوا: العيّ الناطق أعيا من العي الساكت.
وقالوا: أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، وما ظهر معناه في لفظه.
وروى عبد الله بن عمر، أنّه قيل له: لو دعوت لنا بدعواتٍ. فقال: اللهم اهدنا وعافنا وارزقنا. فقال رجلٌ لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: أعوذ بالله من الإسهاب.
وقال شفيّ بن ماتع: من كثر كلامه كثرت خطاياه.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: من كثر كلامه كثر سقطه.
قال يعقوب ﵇ لبنيه: يا بنيَّ إذا دخلتم على السلطان فأقلّوا الكلام.
قال ابن هبيرة: ما من شيء إلاّ وهو محتاجٌ إلى فضوله يومًا، إلاّ فضول الكلام.
قال الحسن: رحم الله عبدًا أوجز في كلامه، واقتصر على فصاحته، فإن الله يكره كثرة الكلام.
وكان يقال: أفضل الكلام ما قلّت ألفاظه وكثرت معانيه، أخذ هذا المعنى أحمد بن إسماعيل الكاتب فقال:
خير الكلام قليلٌ ... على كثيرٍ دليلٌ
والعيّ معنىً قصير ... يحويه لفظٌ طويل
وقال أبو العتاهية:
الصّمت أليق بالفتى ... من منطقٍِ في غير حينه
لا خير في حشو الكلا ... م إذا اهتديت إلى عيونه
وقال منصور الفقيه:
تعمّد لحذف فضول الكلام ... إذا ما نأيت وعند التّداني
ولا تكثرنّ فخير الكلام ال ... قليل الحروف الكثير المعاني
قال بعض قضاة عمر بن عبد العزيز ﵀ وقد عزله: لم عزلتني: قال: بلغني أنّ كلامك مع الخصمين أكثر من كلام الخصمين.
تكلّم ربيعة الرأي يومًا فأكثر الكلام، فأعجبته نفسه، وإلى جنبه أعرابيّ فقال له: يا أعرابي ما تعدّون البلاغة فقال: قلة الكلام. قال: ما تعدون العيّ فيكم؟ فقال: ما كنت فيه منذ اليوم.
وأنشد الخشني ﵀:؟؟؟؟ وماالعيّ إلا منطقٌ متتابعٌ سواءٌ عليه حقّ أمرٍ وباطله قالت العرب: لا يجترئ على الكلام إلا فائق أو مائق.
قال الّنمر بن تولب:
أعذني ربّ من حصرٍ وعيٍّ ... ومن نفسٍ أعالجها علاجا
ومن حاجات نفسي فاعصمنيّ ... فإن لمضمرات النَّفس حاجا
وقال آخر:
عجبت لإدلال العيّ بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالحقّ أعلما
وفي الصّمت سترٌ للعيّ وإنّما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلّما
قال بعض الحكماء: ليس شيء إلاّ إذا ثنيته قصر إلا الكلام، فإنك كلّما ثنيته طال.
قالوا: أعيا العيّ بلاغة بعيّ، وأقبح اللّحن لحنٌ بإعراب.
كان مالك بن أنس يعيب كثرة الكلام ويذمّه ويقول: كثرة الكلام لا توجد إلاّ في النّساء والضعفاء.
ذمّ أعرابيّ رجلًا، فقال: هو من يتامى المجالس، أعيا ما يكون عند جلسائه، أبلغ ما يكون عند نفسه.
باب في اجتناب اللّحن وتعلّم الإعراب
وذمّ الغريب في الخطاب
كتب عمر إلى أبي موسى: أما بعد، فتفقّهوا في السّنّة، وتعلَّموا العربية.
وروي عنه ﵀ أنه قال: رحم الله امرأً أصلح من لسانه.
وقال عليّ بن محّمد العلويّ:
رأيت لسان المرء رائد عقله ... وعنوانه فانظر بماذا تعنون
ولا تعد إصلاح اللّسان فإنّه ... يخبّر عمّا عنده ويبيّن
ويعجبني زيّ الفتى وجماله ... فيسقط من عينيّ ساعة يلحن
كان عبد الله بن عمر يضرب ولده على اللّحن.
قال شعبة: مثل الذي يتعلم الحديث، ولا يتعلم النحو مثل البرنس لا رأس له.
قال المأمون لأحد أولاده - وقد سمع منه لحنًا -: ما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده، ويزين بها مشهده، ويفلَّ بها حجج خصمه بمسكتات حكمه، ويملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه. أو يسرُّ أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده أو أمته، فلا يزال الدّهر أسير، كلمته، قاتل الله الذي يقول:
ألم تر مفتاح الفؤاد لسانه ... إذا هو أبدى ما يقول من الفم
وكائن ترى من صاحبٍ لك معجبٍ ... زيادته أو نقصه في التّكلم
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللّحم والدَّم
وقال الخليل بن أحمد:

1 / 7

لا يكون السّرى مثل الدّنيٍّ ... لاّ ولا ذو الذّكاء مثل الغبيّ
لا يكون الألدّ ذو المقول المر ... هف عند القياس مثل العييّ
أيّ شيء من اللّباس على ذي السّ ... رو أبهى من اللّسان البهيّ
ينظم الحجة السّنيّة في السّل ... ك من القول مثل عقد الهديّ
وترى اللَّحن بالحسيب أخي الهي ... أة مثل الصّدا على المشرفيّ
فاطلب النّحو للحجاج وللشّع ... ر مقيمًا والمسند المرويّ
والخطاب البليغ عند جواب ال ... قول تزهى بمثله في النّديّ
وارفض القول من طغام جفوا عن ... هـ فقادوا بعضه للنّسيّ
قيمة المرء كلُّ ما يحسن المر ... ء قضاءً من الإمام عليِّ
قال ثعلب: سمعت محمد بن سلاَّمٍ يقول: ما أحدث الناس مروءةً أفضل من طلب النّحو.
قال عبد الله بن المبارك، اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدريّ في الوجه.
وقال عبد الملك: اللحن هجنة بالشريف.
قال ابن شبرمة: إذا سرّك أن تعظم في عين من كنت في عينه صغيرًا، ويصغر في عينك من كان فيها كبيرًا فتعلّم العربية، فإنها تجرّيك وتدنيك من السّلطان. قال الشاعر:
النّحو يصلح من لسان الألكن ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن
والنّحو مثل الملح إن ألقيته ... في كلّ ضدٍّ من طعامك يحسن
وإذا طلبت من العلوم أجلّها ... فأجلّها منها مقيم الألسن
رأى أبو الأسود الدُّؤلي أعدالا للتجار مكتوبًا عليها: لأبو فلان!! فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون.
قال رجل للحسن البصريّ: يا أبو سعيد! فقال: كسب الدّوانيق شغلك أن تقول: يا أبا سعيد.
مر خالد بن صفوانٍ بقوم من الموالي يتكلّمون في العربية، فقال: لئن تكلمتم فيها لأنتم أول من أفسدها.
وقالوا: العربية تزيد في المروءة.
وقالوا: من أحبّ أن يجد في نفسه الكبر فليتعلم النحو.
وقال أبو شمر: قارئ النحو إذا دخله الكبر استفاد السخط من الله، والمقت من الناس.
وقال الخليل يومًا: لا يصل أحد من النحو إلى ما يحتاج إليه، إلاّ بما لا يحتاج إليه، فقد صار إذًا ما لا يحتاج إليه يحتاج إليه.
وروي عنه في هذا الخبر، أنه قال: من لم يصل إلى ما يحتاج إليه إلا بما لا يحتاج إليه، فقد صار محتاجًا إلى ما لا يحتاج إليه.
وروى أن هذه القصة عرضت مع أبي الهذيل وروي أنها عرضت لأبي عبيدة مع النّظَّام، والذي تقدّم أصحُّ إن شاء الله تعالى.
وقال المأموني:
سأترك النّحو لأصحابه ... وأصرف الهمّة في الصّيد
إنّ ذوي النّحو لهم همّةٌ ... موسومةٌ بالمكر والكيد
يضرب عبد الله زيدًا وما ... يريد عبد الله من زيد
كتب غسّان بن رفيع - المعروف بدماذ - إلى أبي عثمان النحوي المازني:
تفكّرت في النّحو حتّى مللت ... وأتعبت نفسي به والبدن
فكنت بظاهره عالمًا ... وكنت بباطنه ذا فطن
خلا أنّ بابًا عليه العفا ... ء للفاء يا ليته لم يكن
وللواو بابٌ إذا جئته ... من المقت أحسبه قد لعن
إذا قلت هاتوا لماذا يقا ... ل لست بآتيك أو تأتين
أجيبوا لما قيل هذا كذا ... على النّصب؟ قالوا: بإضمار أن
وروينا عن أبي حاتم السّجستاني ﵀ قيل: إنها له. والله أعلم.
وقال آخر:؟؟ إنّما النّحو قياسٌ يتّبع وبه في كلّ علمٍ ينتفع
فإذا ما أبصر النّحو الفتى ... مرّ في المنطق مرًّا واتّسع
واتّقاه كل من جالسه ... من جليسٍ ناطقٍ أو مستمع
وإذا لم يبصر النّحو الفتى ... هاب أن ينطق جبنًا وانقمع
يقرأ القرآن لا يعرف ما ... فعل الإعراب فيه وصنع
يخفض الصّوت إذا يقرؤه ... وهو لاعلم له فيما اتّبع
والّذي يقرؤه علمًا به ... إن عراه الشّك في الحرف رجع
ناظرًا فيه وفي إعرابه ... فإذا ما عرف الحقّ صدع

1 / 8

أهما فيه سواءٌ عندكم ... ليست السّنّة فينا كالبدع
وكذاك الجهل والعلم فخذ ... منه ما شئت وما شئت فدع
كان أبو مسلم مؤدب عبد الملك بن مروان، قد نظر في النحو، فلما أحدث الناس التصريف لم يحسنه، وهجا أصحابه فقال:
؟ قد كان أخذهم في النّحو يعجبني ... حتّى تعاطوا كلام الزّنج والرّوم
لّما سمعت كلامًا لست أعرفه ... كأنّه زجل الغربان والبوم
تركت نحوهم والله يعصمني ... من التّقحّم في تلك الجراثيم
وقال عمّار الكلبي:
ماذا لقيت من المستغربين ومن ... قياس نحوهم هذا الّذي ابتدعوا
إن قلت قافيةً بكرًا يكون لها ... معنىً يخالف ما قاسوا وما صنعوا
قالوا لحنت فهذا الحرف منخفضٌ ... وذاك نصبٌ وهذا ليس يرتفع
وحرّشوا بين عبد الله فاجتهدوا ... وبين زيدٍ وطال الضّرب والوجع
فقلت واحدةً فيها جوابهم ... وكثرة القول بالإيجاز تنقطع
ما كلّ قولي مشروحٌ لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا
حتّى أعود إلى القوم الّذين غذوا ... بما غذيت به والقول يتّسع
فتعرفوا منه معنى ما أفوه به ... كأنّني وهم في قوله شرع
كم بين قومٍ قد احتالوا لمنطقهم ... وبين قومٍ على الإعراب قد طبعوا
وبين قومٍ رأوا أشيا معاينةً ... وبين قومٍ حكوا بعض الّذي سمعوا
إنّي ربيت بأرض لا يشبُّ بها ... نار المجوس ولا تبنى بها البيع
ولا يطا القرد والخنزير تربتها ... لكن بها الرّيم والرّئبال والضّبع
وقال أبو هفان:
إذا ما شئت أن تحظى ... وأن تلبس قوهيّا
وأن تصبح ذا مالٍ ... فكن علجًا نبيطيّا
وإن سرّك أن تشقى ... وأن تصبح مقليّا
فكن ذا نسبٍ ضخمٍ ... وكن مع ذاك نحويّا
؟ باب اختلاف عبارتهم عن البلاغة
قال المفضّل الضّبّي لأعرابي: ما البلاغة؟ قال الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل.
وقيل للأحنف: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز في استحكام الحجج، والوقوف عند ما يكتفى به.
وقال خالد بن صفوان لرجل كثر كلامه: إنّ البلاغة ليست بكثرة الكلام، ولا بخفّة اللسان، ولا كثرة الهذيان. ولكنها إصابة المعنى القصد إلى الحجة.
وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ فقال: لمحة دالّة.
وقيل لبشر بن مالك: ما البلاغة؟ قال: التقرّب من المعنى، والتباعد عن حشّو الكلام، ودلالةٌ بقليل على كثير.
سئل عبيد الله بن عتبة: ما البلاغة؟ فقال: القصد إلى عين الحجة بتقليل اللفظ.
وقال غيره: البلاغة معروفة الفصل من الوصل، وفرق ما بين المشترك والمفرد وفصل ما بين المقيّد والمطلق، وما يحتمل التأويل ويستغني عن الدليل.
وقيل لبعض اليونانية: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام.
وقيل لرجل من الرّوم: ما البلاغة؟ حسن الاقتصاد عند البديهة، والغزارة يوم الإطالة.
وقيل لرجل: ما البلاغة؟ فقال: حسن الإشارة، وإيضاح الدلالة، والبصر بالحجة، وانتهاز مواضع الفرصة.
وسأل معاوية بن أبي سفيان صحارًا العبديّ؟ ماالبلاغة عندكم؟ قال: الإيجاز. قال: ما الإيجاز؟ قال: أن تقول فلا تخطئ وتسرع فلا تبطئ، فقال معاوية. وكذلك تقول؟ قال: أقلني يا أمير المؤمنين. أنت لا تخطئ ولا تبطئ.
وقد روي مثل هذا المعنى للحجّاج مع ابن القبعثري. فالله أعلم.
وقالوا: أبلغ النّاس أحسنهم بديهة، وأمثلهم لفظا.
قال خالد بن صفوان: خير الكلام ما ظرفت معانيه، وشرفت مبانيه والتذّت به آذان سامعيه.
؟ باب من خطب فأريج عليه
قال الحرّ بن جابر، وكان أحد حكماء العرب - فيما أوصى به ابنه: وإياك والخطب فإنّها مشوارٌ كثير العثار.
صعد عثمان بن عفّان ﵁ على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم أرتج عليه، فقال: أمّا بعد فإنّ أول كلّ مركبٍ صعب، وما كنا خطباء، وسيعلم الله، وإن امرأً ليس بينه وبين آدم أب حيٌّ لموعوظ.

1 / 9

ويروى أن عثمان بن عفّان ﵁ صعد المنبر فأرتج عليه، فقال: إنّ أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال.
وروي في هذا الخبر: أنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل.
وروي أنّ عثمان لمّا بويع، قام فحمد الله وأثنى عليه ثم أرتج عليه، فقال: وليناكم وعدلنا فيكم، وعدلنا عليكم خيرٌ من خطبتنا فيكم، فإن أعش يأتكم الكلام على وجهه.
وروي أنّ عبد الرحمن بن جابر بن الوليد، خطب الناس على منبر حمص فأرتج عليه، فقال: يا أهل حمص! أنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب مصقع، ثم نزل.
وأرتج يومًا على عبد الملك بن مروان، فقال:نحن إلى الفضل في الرأي، أحوج منا إلى الفضل في المنطق.
وأرتج على معن بن زائدة، وهو على المنبر، فضرب بيده ثم قال: فتى حرب لا فتى منابر.
صعد عبد الله بن عامر منبر البصرة، فحصر،فشقّ ذلك عليه، فقال له زياد: أيّها الأمير! إنك إن أقمت عامّة من ترى أصابهم أكثر مما أصابك.
صعد عليّ بن أرطاة المنبر، فقال: الحمد لله الذي يطعم هؤلاء ويسقيهم.
أرتج على خالد بن عبد الله القسريّ على منبر الكوفة، فقال: إن هذا الكلام يجيء أحيانًا ويعزب أحيانًا، ويسهل عند مجيئه، ويعسر عند عزوبه طلبه، وربما طلب فأبى، وكوبر فعصى، فالتأنّي لمجيئه أيسر من التعاطي لأبيّه وهو يخلج من الجريء جنانه، وينقطع من الذّرب لسانه، فلا ينظره القول إذا اتسع، ولا يكسره النطق إذا امتنع، وسأعود فأقول إن شاء الله.
خطب رجل من الأزد أقامه زيادٌ للخطبة على منبر البصرة، فلما رقى المنبر، وقال الحمد لله، أرتج عليه، فقال: قد والله هممت ألاّ أحضر اليوم، فقالت لي امرأتي: نشدتك الله إن تركت الجمعة وفضلها، فأطعتها، فوقفت هذا الموقف، فاشهدوا أنها طالق. فقالوا له: انزل قبحك الله. وأنزل إنزالا عنيفًا. وقد قيل: إن هذه القصة لوازع اليشكري، وفي ذلك قال الشاعر:
وما ضرّني ألاّ أقوم لخطبةٍ ... وما رغبتي في مثل ما قال وازع
وذكر القهرميّ عن أبيه قال: قام القلاخ بن حزن يوم عيد خطيبًا، فقال: الحمد لله الذي خلق السّموات والأرض في ستّة أشهر. فقيل له: إنّما خلقها في ستة أيام فقال: أقيلوني، فوالله لقد ظننت أنّي أقللت، وكنت أريد أن أقول في ستّ سنين.
صعد روح بن حاتم المنبر، فلما رآهم قد فتحوا أسماعهم وشقّوا أبصارهم، قال: نكّسوا رءوسكم وغضّوا أبصاركم، فإنّ أول كلّ مركب صعب، وإذا يّسر الله فتح قفل يسِّر.
خطب مصعب بن حيّان خطبة نكاحٍ فحصر، فقال لقّنوا موتاكم شهادة ألاّ إله إلا الله، فقالت أمّ الجارية: عجلّ الله موتك، ألهذا دعوناك؟! قيل لرجل من الوجوه: قم فاصعد المنبر فتكلم، فقام. فلّما صعد المنبر حصر، فقال: الحمد لله الذي يرزق هؤلاء. وبقي ساكتًا فأنزلوه وأصعدوا آخر، فلما استوى قائمًا وقابل وجوه الناس بوجهه، وقعت عينه على رجلٍ أصلع وحصر، فقال اللهم العن هذه الصّلعة.
صعد عتّاب بن زرقاء منبر أصبهان فحصر، فقال: والله لا أجمع عليكم عيّا وبخلاء ادخلوا سوق الغنم فمن أخذ شاة فهي له وثمنها عليّ. وقد روي أن هذا إنما عرض لعبد الله بن عامر على منبر البصرة، وأن عتّاب بن ورقاء هو الذي قام على المنبر فحمد الله ثم أرتج عليه، فجعل يقول: أمّا بعد أمّا بعد ...، وقبالة وجهه شيخ أصلع فقال: أما بعد يا أصلع، فوالله ما غلّطني غيرك، عليّ به، فأتي به فضربه أسواطًا.
وصعد آخر المنبر فقال: إن الله لا يرضى لعباده المعاصي، وقد أهلك أمة من الأمم بعقرهم ناقةً لا تساوي مائتين وخمسين درهما، فسمّى مقوِّم الناقة.
وهذا هو عبد الله بن أبي ثور عامل ابن الزبير على المدينة.
ذكر عمرو بن شبة، حدثنا الحسين بن عثمان عن بعض علماء المدينة، قال: ثم عزل ابن الزّبير عبيدة بن الزبير، واستعمل عبد الله بن أبي ثورٍ حليف بني عبد مناف، فلّقبه أهل المدينة مقوّم ناقة الله، وغلت الأسعار فتشاءموا به، فعزله ابن الزبير.
صعد أعرابيٌّ المنبر فقال: أقول لكم ما قال العبد الصّالح: " ما أريكم إلاّ ما أرى وما أهديكم إلاّ سبيل الرّشاد "، فقالوا له: هذا فرعون. فقال: قد والله أحسن القول.
قال بزرجهمر: هيبة الزَّلل تورث حصرًا، وهيبة العاقبة تورث جبنًا
باب حمد الصّمت وذمِّ المنطق

1 / 10