Badhl

بذل النظر في الأصول

Enquêteur

الدكتور محمد زكي عبد البر

Maison d'édition

مكتبة التراث

Édition

الأولى

Année de publication

١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م

Lieu d'édition

القاهرة

بسم الله الرحمن الرحيم
رب تمِّم
الحمد لله كما هو أهله ومستحقه. والصلاة على رسوله محمد وآله.
قال الإمام الأجل الكبير، الأستاذ شيخ الإسلام علاء الدين عالم علماء الشرق والصين، محمد بن عبد الحميد ﵀:
وبعد- فإني كنت جمعت "طريقة الخلاف" وأدرجت في أثناء مسائلها قدر ما يحتاج فيها من أصول الفقه على وجه الاقتصار والاقتصاد، ثم إن بعض الأعزة من أصحابي لم يقنع بذلك، وسألني أن أؤلف فيه جمعًا مفردًا، يأتي على جميع أبوابها، وأستوفى الكلام في كل باب منها، على الرسم المعهود في مثله- فأجبتهم إلى ذلك، وسألت الله تعالى التوفيق لإصابة الحق، والعصمة عن الخطأ، إنه على ذلك قدير.

1 / 3

[المقدمة]
١ - باب - بيان وجوب العلم بأصول الفقه. وكيفية وجوبه
أما وجوبه:
فلتعلق دفع أعلى المضار به، وهو العقاب في الآخرة.
بيانه: أن دفع العقاب في الآخرة إنما يحصل بالجري على قضايا الأحكام الشرعية. ولا حصول للعلم بالأحكام الشرعية إلا بالعلم بأصول الفقه. فصار العلم بأصول الفقه شيئًا لا مدفع للعقاب بدونه، وما هذا حاله، فهو واجب عقلًا وشرعًا.
وأما كيفية وجوبه:
فهو واجب على التعيين في حق من تعين لذلك وتصدى به لفتوى العوام وتقليدهم إياه: إما بتعيين النبي ﵇ إياه، أو بتعيينه نفسه بالتصدي لذلك، لأن المقصود لا يحصل بدونه.
وفي حق العوام واجب على البدل، لأن المقصود يحصل بدونه، وهو تقليد العالم وإتباع فتواه.
٢ - باب- ماهية أصول الفقه. وكيفية الاستدلال به وما يتبع كيفية الاستدلال [بها]:
[ماهية أصول الفقه]:
فنتكلم أولًا في الفقه، وأصوله- لأن قولنا "أصول الفقه" مشتمل عليهما.

1 / 5

أما الفقه:
ففي اللغة عبارة عن الفهم والمعرفة- فقال الله تعالى: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أي لا يفهمون. وقال تعالى: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ أي يفهموا. ومنه قول القائل "فقهت كلامك" أي عرفت غرضك ومقصودك.
غير أنـ[ـه] في عرف الفقهاء يفيد جملة من العلوم بأحكام شرعية، وهي الأحكام المستفادة بالشرع، لا الأحكام المدركة بالعقل، فإن للأفعال: أحكامًا عقلية نحو: كون الفعل عرضًا ويفتقر إلى محل يقوم به، ومخالفًا للجوهر،

1 / 6

وكونه كونًا وحركة وسكونًا ونحو ذلك. وأحكامًا شرعية من نحو: كونه حسنًا ومباحًا ومندوبًا وواجبًا وقبيحًا وحرامًا ومحظورًا ومكروهًا: فالحَسن هو المختص بحال يقتضي استحقاق المدح عليه. والمباح ما أزيل عنه الحظر والمنع ممن يتوقع منه ذلك. والمندوب ما بُعث المكلف عليه من غير إيجاب. والواجب هو المختص بحال يقتضي استحقاق الذم على الإخلال به. والقبيح هو المختص بحال يقتضي استحقاقه الذم عليه. والحرام هو المختص بحال يقتضي المنع منه والذم عليه. والمحظور ما منع عنه بالزجر لا بالحبس، فإن من قبض على يد غيره لا يقال "حظر عليه البطش". والمكروه ما الأولى أن لا يفعل- فالفقه عبارة عن معرفة هذه الأحكام دون العقلية.

1 / 7

وأما الأصل:
ففي اللغة عبارة عما يبتني عليه غيره ويتفرع عليه سواه، كأساس الجدار وساق الشجر ونحو ذلك.
فقولنا "أصول الفقه":
على موجب اللغة يفيد ما يتفرع عليه الفقه. وذلك يوجب أن يكون العلم بالله تعالى وبصفاته وبالنبوات من أصول الفقه، لما أن الفقه يتفرع عليه. غير أنـ[ـه] في عرف الفقهاء يفيد ما يؤدي إلى الفقه من الطرق. وذلك ضربان: دلالة وأمارة.
فالدلالة- هي التي النظر الصحيح فيها يفضي إلى العلم بالمدلول قطعًا، ككتاب الله تعالى والخبر المتواتر وإجماع الأمة.
والأمارة- هي التي النظر الصحيح فيها يفضي إلى غالب الظن، كخبر الواحد والقياس.
فالعلم الذي يوصلنا إلى الدلالة- هو الأمر الذي يوجب كون من قام به عالمًا. أعني يوجب التفرقة المعلومة بالضرورة بين المتيقن بالشيء المستبين له والجاهل به والشاكِّ فيه- على ما مرَّ في موضعه.
والظن- هو غلبة أحد التجويزين على الآخر في القلب والاعتقاد.
ثم كلامنا في طرق الفقه إنما يسمى كلامًا في أصول الفقه لو تكلمنا فيه

1 / 8

على الإجمال. والمعنيُّ بذلك أنها غير معينة، فإنَّا متى تكلَّمنا متى تكلَّمنا في أن الأمر للوجوب لا نشير إلى أمر معين. وكذا النهي، والقياس. فأما الدلالة المعيَّنة التي يتكلم فيها الفقهاء، نحو قوله ﵇: "الأعمال بالنيَّات" فالكلام فيه لا يكون كلامًا في أصول الفقه، وإن كان طريقًا إلى الفقه.
وأما كيفية الاستدلال بها:
فالمعنيُّ بها الشروط والمقدمات وترتيبها، التي معها يُستدل بالطرق على الفقه.
وأما ما يتبع كيفية الاستدلال بها:
[فـ] مما يلزم المجتهد من الحكم بكونه مخطئًا أو مصيبًا، لما أن ذلك يتبع استدلاله.
٣ - باب- قسمة أصول الفقه:
ولمَّا ثبت أن أصول الفقه طرق إلى الأحكام الشرعية، وكانت الأحكام تلزم المجتهد وغير المجتهد، فلا بدَّ أن يكون لهذا طريق، ولذلك طريق.
فطريق غير المجتهد -فتوى المجتهد، وذلك يوجب أن نتكلم في صفة المفتي والمستفتي، وما يدخل فيها من الأبواب- على ما سيجيء بيانه.

1 / 9

وطريق المجتهد ضربان:
أحدهما- الرجوع إلى حكم العقل، لأنا متعبدون بالبقاء على حكم العقل إلى أن يرد الشرع بالنقل عنه. وذلك يوجب أن نتكلم في أن الحظر والإباحة ثابتان بقضية العقل، ليصح لنا التمسك بهما إلى أن يرد الشرع بالنقل عنهما.
فلذلك صار الكلام في الحظر والإباحة من أصول الفقه.
والآخر- ضربان: أفعال وأقوال.
فالأقوال- هو القول الصادر: من الله تعالى وهو الكتاب، ووجه الدلالة فيه أنه كلام حكيم غني لا يجوز عليه الكذب والهذيان والمغالطة. أو من الرسول وهو الخبر، ووجه الدلالة فيه: أنه كلام مخبر صادق مؤيَّد بالمعجزة لا يكذب فيما يؤدي عن الله تعالى ولا يقصر في تبليغ الرسالة. أو من الأمة وهو الإجماع، ووجه الدلالة فيه: أنه عقائد قوم لا يجتمعون على ضلال: عرف ذلك بكتاب الله وخبر رسوله.
والأفعال- هي الأقيسة والاجتهادات.
فهذه جملة أصول الفقه وأقسامها.

1 / 10

فنبدأ بـ:
١
كتاب الله تعالى
إذ هو الأصل.
فيحتاج إلى: معرفة الحقيقة والمجاز، ليصح منا حمل كلام الله تعالى على الحقيقة إذا تجرد عن القرينة. وعلى المجاز إذا جامع القرينة.
وذلك يوجب أن نتكلم في حقيقة الكلام أولًا. لأن الحقيقة والمجاز من أقسام الكلام.

1 / 11

٤ - باب- حقيقة الكلام وأقسامه:
اعلم أن اسم الكلام يقع على أمرين:
أحدهما- كلام النفس، وهو المعني الذي يقوم بالمتكلم، فيوجب كونه متكلمًا، وينافي الخرس والسكوت والآفة.
هذا هو حقيقة الكلام. وقد عرف ذلك في موضعه.
والتالي- هذه العبارات التي تقع دلالة على مراد المتكلم، وهو المراد هنا، وبه يتعلق غرض الكتاب.
وحدُّه ما انتظم من الحروف المسموعة المتميزة. وقد دخل في هذا الحدِّ جميع ما هو كلام كالحرفين فصاعدًا. وانفصل عما ليس بكلام: لأنه انفصل عما ليس بحروف، بذكر الحروف. وانفصل عن حروف الكتابة، لأنها ليست بمسموعة. وانفصل عن الحرف الواحد، لأنه لا يوجد فيه الانتظام. وانفصل عن أصوات كثير من البهائم والطير، لأنها ليست بمتميزة.

1 / 13

وبعضهم شرطوا في كون هذه الحروف كلامًا وقوع الاصطلاح عليها، حتى إن كل ما لم يصطلح على استعماله في المعنى لا يكون كلامًا- وهذا بعيد، لأن أهل اللغة قسموا الكلام إلى مهمل ومستعمل: فالمهمل ما لم يوضع لشيء، والمستعمل ما وضع ليُستعمل في معنى. فالأول لا يدخله الحقيقة والمجاز. والثاني يدخله الحقيقة والمجاز، فلا بد من بيانهما.

1 / 14