410

" وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله "

، { بما حفظ الله } أي بحفظ الله تعالى لها وإعانته لها إذ لو وكلت إلى نفسها لا تستطيع حفظ شيء وإن قل. وفي سياق الكلام ما يشير إلى محذوف يفهم ضمنا وذلك أن الثناء عليهن من قبل الله تعالى يستوجب من الرجل إكرام المرأة الصالحة والإحسان إليها والرفق بها لضعفها، وهذا ما ذكرته أولا نبهت عليه هنا ليعلم أنه من دلالة الآية الكريمة، وقد ذكره غير واحد من السلف.

وقوله تعالى: { والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا }. فإنه تعالى يرشد الأزواج إلى كيفية علاج الزوجة إذا نشزت أي ترفعت على زوجها ولم تؤدي إليه حقوقه الواجبة له بمقتضى العقد بينهما، فيقول { والتي تخافون نشوزهن } أي ترفعهن بما ظهر لكم من علامات ودلائل كأن يأمرها فلا تطيع ويدعوها فلا تجيب وينهاها فلا تنتهي، فاسلكوا معهن السبيل الآتي: { فعظوهن } أولا، والوعظ تذكيرها بما للزوج عليها من حق يجب أداؤه، وما يترتب على إضاعته من سخط الله تعالى وعذابه، وبما قد ينجم من إهمالها في ضربها أو طلاقها فالوعظ ترغيب بأجر الصالحات القانتات، وترهيب من عقوبة المفسدات العاصيات فإن نفع الوعظ فيها وإلا فالثانية وهي أن يهجرها الزوج في الفراش فلا يكلمها وهو نائم معها على فراش واحد وقد أعطاها ظهره فلا يكلمها ولا يجامعها وليصبر على ذلك حتى تؤوب إلى طاعته وطاعة الله ربهما معا وإن أصرت ولم يجد معها الهجران في الفراش، فالثالثة وهي أن يضربها ضربا غير مبرح لا يشين جارحة ولا يكسر عضوا. وأخيرا فإن هي أطاعت زوجها فلا يحل بعد ذلك أن يطلب الزوج طريقا إلى أذيتها لا بضرب ولا بهجران لقوله تعالى: { فإن أطعنكم } أي الأزواج { فلا تبغوا } أي تطلبوا { عليهن سبيلا } لأذيتهن باختلاق الأسباب وإيجاد العلل والمبررات لأذيتهن. وقوله تعالى: { إن الله كان عليا كبيرا } تذييل للكلام بما يشعر من أراد أن يعلو على غيره بما أوتي من قدرة بأن الله أعلى منه وأكبر فليخش الله وليترك من علوه وكبريائه.

هذا ما تضمنته هذه الآية العظيمة [34] أما الآية الثانية [35] فقد تضمنت حكما اجتماعيا آخر وهو إن حصل شقاق بين زوج وامرأته فأصبح الرجل في شق والمرأة في شق آخر فلا تلاقي بينهما ولا وفاق ولا وئام وذلك لصعوبة الحال فالطريق إلى حل هذا المشكل ما أرشد الله تعالى إليه، وهو أن يبعث ولي الزوجة حكما من قبله، ويبعث ولي الزوج حكما من قبله، أو يبعث الزوج نفسه حكما وتبعث الزوجة أيضا حكما من قبلها، أو يبعث القاضي كذلك الكل جائز لقوله تعالى: { فابعثوا } وهو يخاطب المسلمين على شرط أن يكون الحكم عدلا عالما بصيرا حتى يمكنه الحكم والقضاء. بالعدل. فيدرس الحكمان القضية أولا مع طرفي النزاع ويتعرفان إلى أسباب الشقاق وبما في نفس الزوجين من رضى وحب، وكراهية وسخط ثم يجتمعان على إصلاح ذات البين فإن أمكن ذلك فيها وإلا فرقا بينهما برضا الزوجين. مع العلم أنهما إذا ثبت لهما ظلم أحدهما فإن عليهما أن يطالبا برفع الظلم فإن كان الزوج هو الظالم فليرفع ظلمه وليؤد ما وجب عليه، وإن كانت المرأة هي الظالمة فإنها ترفع ظلمها أو تفدي نفسها بمال فيخالعها به زوجها هذا معنى قوله تعالى: { وإن خفتم شقاق بينهما } ، والخوف هنا بمعنى التوقع الأكيد بما ظهر من علامات ولاح من دلائل فيعالج الموقف قبل التأزم الشديد { فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلهآ } ، لأنهما أعرف بحال الزوجين من غيرهما وقوله تعالى { إن يريدآ إصلحا } فإنه يعني الحكمين، { يوفق الله بينهمآ } أي إن كان قصدهما الإصلاح والجمع بين الزوجين وإزالة الشقاق والخلاف بينهما فإن الله تعالى يعينهما على مهمتها ويبارك في مسعاهما ويكلله بالنجاح.

وقوله تعالى: { إن الله كان عليما خبيرا }. ذكر تعليلا لما واعد به تعالى من التوفيق بين الحكمين، إذ لو لم يكن عليما خبيرا ما عرف نيات الحكمين وما يجري في صدورهما من إرادة الإصلاح أو الإفساد.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

1- تقرير مبدأ القيومية للرجال على النساء وبخاصة الزوج على زوجته.

2- وجوب إكرام الصالحات والإحسان إليهن.

3- بيان علاج مشكلة نشوز الزوجة وذلك بوعظها أولا ثم هجرانها في الفراش ثانيا، ثم بضربها ثالثا.

Page inconnue