430

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

- فَائِدَةٌ) فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ يَقُوْلُ المُصَلِّي (السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ) خِلَافًا لِلمَشْهُوْرِ (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ)، وَذَلِكَ لِعَمَلِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِم، وَالحَدِيْثُ - مَوْضُوْعُ البَابِ - جَاءَ فِي أَحَدِ الفَاظِهِ - كَمَا فِي البُخَارِيِّ - عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ ﵁ (عَلَّمَنِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّوْرَةَ مِنَ القُرْآنِ: (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ؛ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ) - وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا - فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا (١): السَّلَامُ؛ يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. (٢) (٣)
وَقَد عَمِلَ بِهَا الصَّحَابَةُ الكِرَامُ ﵃؛ كَمَا فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي عَوَانَةَ - وَصَحَّحَ الرِّوَايَةَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٤) -، وَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا هَكَذَا كَانَتْ تُعَلِّمُهُ. (٥)
وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِتَوقِيفٍ مِنْهُ لَهُم ﷺ؛ وَلَيسَ اجْتِهَادًا مِنْهُم فَحَسْبُ. (٦)

(١) وَهَذِهِ صِيْغَةُ جَمْعٍ تُفيْدُ عَمَلَ الصَّحَابَةِ مَعَهُ.
(٢) البُخَارِيُّ (٦٢٦٥).
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٣١٤/ ٢): (كَذَا وَقَعَ فِي البُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيْحِهِ وَالسَّرَّاجُ وَالجَوْزَقِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ البُخَارِيِّ فِيْهِ بِلَفْظِ (فَلَمَّا قُبِضَ؛ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ) بِحَذْفِ لَفْظِ (يَعْنِي) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ.
قَالَ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ عِنْدِ أَبِي عَوَانَةَ وَحْدَهُ -: (إِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ الصَّحَابَةِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ الخِطَابَ فِي السَّلَامِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ وَاجِبٍ؛ فَيُقَالُ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ). قُلْتُ: قَدْ صَحَّ بِلَا رَيْبٍ، وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ مُتَابِعًا قَوِيًّا، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ؛ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: (أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقُوْلُوْنَ - وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ - السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ) وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. وَأَمَّا مَا رَوَى سَعِيْدُ بْنُ مَنْصُوْرٍ مِنْ طَرِيْقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ عَنْ أَبِيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُمُ التَّشَهُّد؛ فَذَكَرَهُ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (إِنَّمَا كُنَّا نَقُوْلُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ - إِذْ كَانَ حَيًّا! -) فَقَالَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ: (هَكَذَا عُلِّمْنَا! وَهَكَذَا نُعَلِّمُ)، فَظَاهِرٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَه بَحْثًا وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُوْدٍ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي مَعْمَرٍ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ؛ وَالإِسْنَادُ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ ضَعِيْفٌ).
(٤) فَتْحُ البَارِي (٣١٤/ ٢).
(٥) قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الإِرْوَاءِ (٣١٢): (قُلْتُ: وَقَد وَجَدْتُ لَهُ شَاهِدَيْنِ صَحِيْحَيْنِ: الأَوَّلُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ كَانَ يَتَشَهَّدُ فَيَقُوْلُ: ... السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) أَخْرَجَهُ مَالِكُ فِي المُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ، وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيْحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
الثَّاني: عَنْ عَاثِشَةَ (أَنَّهَا كَانَتْ تُعَلِّمُهُم التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ؛ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي المُصَنَّفِ وَالسِّرَاجُ فِي مُسْنَدِهِ وَالمُخَلِّصُ فِي الفَوَائِدِ بِسَنَدَيْنِ صَحِيْحَيْنِ عَنْهَا.
وَلَا شَكَّ أَنَّ عُدُوْلَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ لَفْظِ الخِطَابِ (عَلَيْكَ) إِلَى لَفْظِ الغَيْبَةِ (عَلَى النَّبِيِّ) إِنَّمَا بِتَوْقِيْفٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّه أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ مَحْضٌ لَا مَجَالَ للرَّأيِ وَالاجْتِهَادِ فِيْهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ).
(٦) وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ بَعْضِ الأَفَاضِلِ بِأَنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ عَلَّمَ التَّشَهُّدَ عَلَى المَلَإِ بِلَفْظِ الخِطَابِ! فَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ فِيْمَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ هَكَذَا سَمِعُوْهُ؛ فَنَقَلُوْهُ كَمَا سَمِعُوْهُ، وَأَمَّا فِي مَعْرِضِ العَمَلِ بِهِ فَهُوَ كَمَا رَأَيتَ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، وَهَذَا التَّوجِيْهُ أَقْرَبُ لِجَمْعِ النُّصُوْصِ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَخْذِ بَعْضٍ وَإِهْمَالِ بَعْضٍ، وَالحَمْدُ للهِ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذَا اجْتِهَادٌ مِنْهُم رِضْوُانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِم؛ وَلَا يُتَابَعُوْنَ عَلَيْهِ! فَلْيَعْذُرْ مَنْ لَم يَرَهُ اجْتِهَادًا مِنْهُم فَقَط، أَوْ رَآه اجْتِهَادًا مِنْهُم وَلَكِنَّهُ رَأَى أَنَّ مُوَافَقَتَهُم أَوْلَى. أَمَّا أَنْ تُتَّخَذَ مِثْلُ هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَسِيْلَةً لِلطَّعْنِ فِي العُلَمَاءِ؛ وَمَدْخَلًا لِلشَّيْطَانِ فِي بَثِّ الأَحْقَادِ بَينَ طُلَّابِ العِلْمِ! فَهَذَا غَيْرُ مَقْبُوْلٍ البَتَّةَ، فَإِنَّ الاخْتِلَافَ بَينَ العُلَمَاءِ مُنْذُ القَدِيْمِ أَمْرٌ مَعْلُوْمٌ مَقْبُوْلٌ ضِمْنَ دَائِرَةِ حُسْنِ النَّوَايَا وَسَلَامَةِ الصُّدُوْرِ؛ مَا دَامَ صَاحِبُهُ مَعْرُوْفًا بِسَلَامَةِ المَنْهَجِ وَالاسْتِقَامَةِ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَطَريْقِ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِم.
قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي السِّيَر (٣٧٦/ ١٤): (وَلَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ - مَعَ صِحَّةِ إِيْمَانِهِ، وَتَوَخِّيْهِ لاتِّبَاعِ الحَقِّ - أَهْدَرْنَاهُ وَبَدَّعنَاهُ؛ لَقَلَّ مَنْ يَسلَمُ مِنَ الأَئِمَّةِ مَعَنَا رَحِمَ اللهُ الجَمِيْعَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ).

1 / 430