419

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

٤) أَنَّ مِمَّا عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الأَعْمَى أَنْ يَقُوْلَهُ هُوَ (وَشَفِّعْنِي فِيْهِ) (١) أَي اقْبَلْ شَفَاعَتِي؛ أَيْ: دُعَائِي، فَلَو حُمِلَ التَّوَجُّهُ بِهِ ﷺ عَلَى الذَّاتِ وَالجَاهِ لَمَا كَانَ لِقَوْلِ الضَّرِيرِ هَذَا مَعْنَىً، وَأَمَّا لَو حُمِلَ عَلَى الدُّعَاءِ لَكَانَ المَعْنَى وَاضِحًا مُسْتَقِيْمًا؛ أَنَّهُ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى أَنْ تُقْبَلَ شَفَاعَتُهُ ﷺ، أَيْ: دُعَاءَهُ فِي أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ بَصَرَهُ.
٥) أَنَّ هَذَا الحَدِيْثَ ذَكَرَهُ العُلَمَاءُ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَدُعَائِهِ المُسْتَجَابِ، وَلَو كَانَ المُرَادُ مِنْهُ التَّوَسُّلَ بِالذَّاتِ لَمَا أَوْرَدَهُ عُلَمَاءُ الحَدِيْثِ فِي بَابِ مُعْجِزَاتِ الأَنْبِيَاءِ (٢)، فَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ دِلَالَةً صَرِيْحَةً عَلَى أَنَّ المَقْصُوْدَ مِنَ الحَدِيْثِ بَيَانُ دُعَائِهِ ﷺ، وَلَيْسَ التَّوَسُّلَ بِالجَاهِ وَالذَّاتِ الَّذِيْ لَا يَقْتَصِرُ فَقَطْ عَلَى حَيَاتِهِ ﷺ، فَتَأَمَّلْ. (٣)
٦) لَو كَانَ المَقْصُوْدُ مِنْ حَدِيْثِ الضَّرِيْرِ هُوَ التَّوَسُّلُ بِالذَّاتِ وَالجَاهِ لَتَوَاتَرَ عَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ؛ كَيفَ وَهُوَ مِنَ الوَسِيْلَةِ المَأْمُورِ بِهَا - كَمَا يَقْصِدُ بِهِ المُبْتَدِعَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيْلَةَ﴾ - وَحَيثُ أَنَّهُ لَم يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيْلٌ صَحِيْحٌ مِنْ فِعْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَإِنَّهُ يَبْدُو جَلِيًّا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ المَقْصُوْدُ بِالَحَدِيْثِ، وَالحَمْدُ للهِ.
- فَائِدَة ١) أمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِيْ وَرَدَتْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيْخِهِ فِي آخِرِ الحَدِيْثِ وَهيَ (وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةٌ فَافْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ) فَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ. (٤)
وَلَو صَحَّتْ لَمْ تَكُنْ دَلِيْلًا عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِذَاتِهِ ﷺ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُوْنَ مَعْنَى قَوْلِه (فَافْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ) يَعني مِنْ إِتْيَانِهِ ﷺ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَطَلَبِ الدُّعَاءِ مِنْهُ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ وَالتَّوَضُّؤِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ الَّذِيْ عَلَّمَهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَنْ يَدْعُو بِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
- فَائِدَة ٢) أَمَّا الزِّيَادَةُ الثَّانِيَةُ وَهيَ قِصَّةُ الرَّجُلِ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَتَوَسُّلِهِ بِهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ حَتَّى قَضَى لَهُ حَاجَتَهُ، وَأَخْرَجَهَا الطَّبَرَانيُّ فِي المُعْجمِ الصَّغِيْرِ وَالكَبِيْرِ (٥)، فَهِيَ قِصَّةٌ ضَعِيْفَةٌ مُنْكَرَةٌ. (٦)

(١) هَذِهِ الجُمْلَةُ صَحَّتْ فِي الحَدِيْثِ، أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ (١٧٢٤١)، وَالحَاكِمُ (١١٨٠) وَصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَهِيَ وَحْدَهَا حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ حَمْلَ الحَدِيْثِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ بَاطِلٌ.
(٢) كَمَا فِي كِتَابِ (دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ للبَيْهَقِيِّ) (٨٣/ ٦): (بَابُ جِمَاعِ أَبْوَابِ دَعَوَاتِ نَبِيِّنَا ﷺ المُسْتَجَابَةِ فِي الأَطْعِمَةِ وَالأَشْرِبَةِ، وَبَرَكَاتِهِ الَّتِيْ ظَهَرَتْ فِيْمَا دَعَا فِيْهِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنْ دَعَوَاتِهِ عَلَى طَرِيْقِ الاخْتِصَارِ).
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَمَنْ رَأَى أَنَّ تَوَسُّلَ الأَعْمَى كَانَ بِذَاتِهِ ﷺ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ، وَلَا يَزِيْدَ عَلَيْهِ كَمَا نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّيْخِ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى. وَهَذَا هُوَ الَّذِيْ يَقْتَضِيْهِ البَحْثُ العِلْمِيُّ مَعَ الإِنْصَافِ، وَاللهُ المُوَفِّقُ للصَّوَابِ.
(٣) كَمَا أَنَّهُ لَو كَانَ السِّرُّ فِي شِفَاءِ الأَعْمَى أَنَّهُ تَوَسَّلَ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْرِهِ وَحَقِّهِ - كَمَا يَفْهَمُ عَامَّةُ المُتَأَخِّرِيْنَ - لَكَانَ مِنَ اللَّازِمِ أَنْ يَحْصُلَ هَذَا الشِّفَاءُ لِغَيْرِهِ مِنَ العُمْيَانِ الَّذِيْنَ يَتَوَسَّلُوْنَ بِجَاهِهِ ﷺ، بَلْ وَيَضُمُّونَ إِلَيْهِ أَحْيَانًا جَاهَ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِيْنَ وَكُلِّ الأَوْلِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ وَجَاهِ كُلِّ مَنْ لَهُ جَاهٌ عِنْدَ اللهِ مِنَ المَلَائِكَةِ وَالإنْسِ وَالجِنِّ أَجْمَعِيْنَ!
(٤) وَقَد تَفَرَّدَ فِيْهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ؛ وَخَالَفَ بِذَلِكَ رِوَايَةَ شُعْبَةَ؛ وَهُوَ أَجَلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الحَدِيْثَ.
(٥) المُعْجَمُ الكَبِيْرُ (٣٠/ ٩)، وَالمُعْجَمُ الصَّغِيْرُ (٥٠٨).
وَالحَدِيْثُ بِتَمَامِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَهْبٍ؛ عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ المَكِّيِّ (شَبِيْبِ بْنِ سَعِيْدٍ)، عَنْ رَوْحِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الخَطْمِيِّ المَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ، فَلَقِيَ ابْنَ حُنَيْفٍ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: ائْتِ المِيْضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ ائْتِ المَسْجِدَ فَصَلِّ فِيْهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بنبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فَتَقْضِي لِي حَاجَتِي - وَتُذَكُرُ حَاجَتَكَ -، وَرُحْ حَتَّى أَرْوَحَ مَعَكَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ، ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَجَاءَ البَوَّابُ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ، فَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَذَكَرَ حَاجَتَهُ وَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَ السَّاعَةُ، وَقَالَ: مَا كَانَتْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَأْتِنَا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيْفٍ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيَّ حَتَّى كَلَّمْتَهُ فِيَّ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: وَاللَّهِ مَا كَلَّمْتُهُ! وَلَكِنِّي شَهِدْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ فَشَكَا إِلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (فَتَصَبَّر)، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (ائْتِ المِيْضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ)، قَالَ ابْنُ حُنَيْفٍ: فَوَاللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَطَالَ بِنَا الحَدِيْثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ. حَدَّثَنَا إِدْرِيْسُ بْنُ جَعْفَرٍ العَطَّارُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الخَطْمِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وَالحَدِيْثُ صَحِيْحٌ؛ (قَالَهُ الطَّبَرانيُّ ﵀.
قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: (قُلْتُ: لَا شَكَّ فِي صِحَّةِ الحَدِيْثِ - النَّبَوِيِّ -، وَإِنَّمَا البَحْثُ الآنَ فِي هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِيْ تَفَرَّدَ بِهَا شَبِيْبُ بْنُ سَعِيْدٍ كَمَا قَالَ الطَّبَرانِيُّ).
(٦) قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: (وَخُلَاصَةُ القَولِ: إِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ ضَعِيْفَةٌ مُنْكَرَةٌ؛ لِأُمُوْرٍ ثَلَاثَةٍ: ضَعْفِ حِفْظِ المُتَفَرِّدِ بِهَا (شَبِيْبِ بْنِ سَعِيْدٍ)، وَالاخْتِلَافِ عَلَيْهِ فِيْهَا، وَمُخَالَفَتِهِ لِلثِّقَاتِ الَّذِيْنَ لَم يَذْكُرُوْهَا فِي الحَدِيْثِ. وَأَمْرٌ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمُوْرِ كَافٍ لِإِسْقَاطِ هَذِهِ القِصَّةَ، فَكَيْفَ بِهَا مُجْتَمِعَةً؟).

1 / 419