التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
٢) قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (البَقَرَة:٢٩) (١): إِنَّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَفْسِيْرِهَا قَوْلَانِ:
أ) أَنَّهَا بِمَعْنَى ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ الَّذِيْ رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيْرٍ، قَالَ ﵀ فِي تَفْسِيْرِهِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الخِلَافَ -: (وَأَوْلَى المَعَانِي بِقَوْلِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾: عَلَا عَلَيْهِنَّ وَارْتَفَعَ؛ فَدَبَّرَهُنَّ بِقُدْرَتِهِ وَخَلَقَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ). (٢)
وَقَالَ البَغَوِيُّ فِي تَفْسِيْرِهِ: (هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرِ مُفَسِّرِي السَّلَفِ)، وَذَلِكَ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ لَفْظِ (اسْتَوَى)، وَتَفْوِيْضًا لِعِلْمِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الارْتِفَاعِ إِلَى اللهِ ﷿. (٣)
ب) أَنَّ الاسْتِوَاءَ هُنَا بِمَعْنَى القَصْدِ التَّامِ؛ وَإِلى هَذَا القَوْلِ ذَهَبَ ابْنُ كَثِيْرٍ فِي تَفْسِيْرِ سُوْرَةِ البَقَرَةِ، وَالبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيْرِ فُصِّلَت.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: (أَيْ: قَصَدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَالاسْتِوَاءُ هَاهُنَا ضُمِّنَ مَعْنَى القَصْدِ وَالإِقْبَالِ؛ لِأَنَّهُ عُدِّيَ بِإلَى). (٤)
وَقَالَ البَغَوِيُّ: (أَيْ: عَمَدَ إِلَى خَلْقِ السَّمَاءِ). (٥)
وَهَذَا القَوْلُ لَيْسَ صَرْفًا لِلكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِه، وَذَلِكَ لِأَنَّ الفِعْلَ (اسْتَوَى) اقْتَرَنَ بِحَرْفٍ يَدُلُّ عَلَى الغَايَةِ وَالانْتِهَاءِ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَعْنَىً يُنَاسِبُ الحَرْفَ المُقْتِرِنَ بِهِ.
(١) وَالمَقْصُوْدُ مِنْ إِيْرَادِهَا الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مِنَ السَّلَفِ مَنْ أَوَّلَها بِالقَصْدِ وَلَيْسَ بِالعُلُوِّ.
(٢) تَفْسِيْرُ الطَّبَرِيِّ (٤٣٠/ ١).
(٣) تَفْسِيْرُ البَغَوِيِّ (٧٨/ ١).
(٤) تَفْسِيْرُ ابْنِ كَثِيْرٍ (٢١٣/ ١).
(٥) تَفْسِيْرُ البَغَوِيِّ (١٦٥/ ٧).
1 / 354