[مقدمة المؤلف]

بسم الله الرحمن الرحيم

إلهنا هب لنا من عطائك ما يكون سببا لرضاك، وافتح لنا من نفحات جودك ما يوصلنا الى خشيتك وتقواك، واجعلنا ممن حفظه علمك المحيط عما يزيل قلوبنا عن هواك. وصل اللهم على أكرم أصفيائك وأحب أحبائك، وأقرب الخلق لديك من أهل أرضك وسمائك، محمد المخصوص بمحامد ومواهب عطائك، وآله الذين شرفتهم على الكل وأخدمتهم سائر الأملاك (1)، صلاة دائمة بدوام بقاك مقربة الى هداك، واجعلنا اللهم بهم من المزلفين إليك يوم نلقاك.

وبعد، فان اتباع الطاعة بالطاعة دليل على قبول الطاعة، كما جاء في الحديث (2) البالغ حد الإشاعة، فكان ذلك من المواهب السنية، والعطايا الإلهية، والمنح

Page 33

الربانية، والنفحات القدسية.

ولما وفق الله الكريم بلطفه العميم لإتمام كتاب (غوالي اللآلي الحديثة على مذهب الإمامية) أحببت أن اتبعه برسالة في الأحكام الفقهية والوظائف الدينية جامعة بين الفروع ومآخذها، حاوية لمسائلها دلائلها، معلمة للطالب الراغب بكيفية الاستخراج، ومعرفة له بطريقة الاستنتاج على سبيل الإيجاز والاختصار، خالية عن الإسهاب والإكثار سميتها ب(الأقطاب الفقهية على مذهب الإمامية) ومن الله اسأل التوفيق والسداد، والإرشاد إلى المراد، والأمداد بالاسعاد، انه على ما يشاء قدير.

[1] قطب [في تعريف الفقه وموضوعه ومسائله]

الفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية.

وموضوعه: أفعال المكلفين من حيث الاقتضاء أو التخيير.

ومسائله: مطالبه المثبتة فيه.

ومبادؤه التصورية: معرفة موضوعه، واقسامه وأقسام الأحكام ومتعلقاتها.

والتصديقية: الكتاب، والسنة، والإجماع، وأدلة العقل.

وقد يطلق على علم طريق الآخرة بتحصيل ملكة الإحاطة بدقائق الكون، ودقائق آفات النفس، الموجب لاستيلاء الخوف، المستلزم للاعراض عن الفانيات والإقبال على ما يبقى.

ومجموعه لمصالح العباد، اما لجلب نفع أو دفع ضرر، أما دنيوي أو أخروي.

فالاخروي العبادات، والدنيوي ان لم يفتقر إلى عبارة فأحكام، فإن افتقر: فاما

Page 34

من طرفين فعقود، أو من طرف فإيقاع. وكلها لحفظ مقاصد خمس: الدين، والنفس، والمال، والنسب، والعقل.

فالأول بالعبادات.

والثاني بالقصاص.

والثالث بالعقود والتمليكات.

والرابع بالنكاح.

والخامس بتحريم المحرمات وحفظها بالحدود والتعزيرات. وحفظ الكل بالقضاء والشهادات. وقد يجتمع الغرضان والثلاثة في واحد. وكل منها اما مقصود بذاته، أو بالتبع، والأول المقاصد، والثاني الوسائل.

والحكم: خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وينقسم إلى: تكليفي، ووضعي، وليس بينهما منع الجمع، فالأول كالتطوعات، والثاني كالإحداث، والثالث كالصلاة.

ومداركها: الكتاب نصه وظاهره، والسنة نبويها واماميها، متواترها وآحادها على الأقوى. وهي قول وفعل، اما ابتداء أو بيان وتقرير. فالنبوي حجة قطعا، والإمامي محتمل، والإجماع المستحيل خطاؤه بدخول معصوم، والعقل ضرورة واستدلالا مستقلا وغير مستقل، كمفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة على قول.

ومنصوص العلة عند قوم، واتحاد الطريق.

والاستصحاب: هو البناء على الأصل، وقد يعبر عنه بأن اليقين لا يرفع بالشك، ودفع المشقة لطلب اليسير، وتحكيم العادة والصرف مع عدم نص شرعي أو لغوي، ونفي الضرر والحرج.

Page 35

[2] قطب [تقسيمات الواجب]

الواجب: ما يذم تاركه لا الى بدل، وقد يطلق على ما لا بد منه وان لم يتعقبه ذم، وينقسم إلى:

عيني: تعلق غرض الشارع بإيقاعه من كل واحد.

وكفائي: وهو ما لم يتعلق غرض الشارع بإيقاعه من مباشر معين.

ومضيق: وهو ما لا يفضل وقته عنه، أو ما لا يسوغ تأخيره عنه.

وموسع: وهو ما قابله.

ومعين: وهو ما لا يقوم غيره مقامه.

ومخير: وهو ما قابله.

والمعين شرع لحكمة تكرره، والكفائي لإبرازه في الوجود ولشبه النفل من حيث سقوطه عن البعض، وقد يسقط به فرض العين، والشروع فيه ملزم لإتمامه.

ومن تلك الجهة جاز الاستئجار عليه في مواضع، بل قد تجوز الأجرة على العيني.

وينقسم الواجب إلى:

كلي على الإطلاق كالمخير.

والى كلي يقال فيه كالموسع وبه كالسبب والإله.

وعليه كالكفاية.

وعنده كالحول في الزكاة.

ومنه كالمخرج منه.

وعنه كالمعول في الفطرة.

Page 36

ومثله كالمضمون بالمثل والصيد.

واليه كالليل في الصوم.

والمخير يتعلق بالقدر المشترك وهو مفهوم أحدها، وهو يتعلق التخير بالنهي؟

الأقرب المنع. وقد يتعلق بالواجب والندب، وبما يخاف سوء عاقبته، وبين ما لا خوف فيه، ولا يقع بين المباح والحرام.

ومن الواجب فوري يجب فعله في أول أوقات الإمكان ، وغير فوري وهو ما قابله، ومجرد الأمر لا يقتضي الفورية على الأقوى.

[3] قطب السنة والندب والتطوع والمستحب والنفل والفضل والإحسان ألفاظ مترادفة،

الا أن السنة قد تطلق على الواجب في مواضع.

والوضع ينقسم الى: سبب، وشرط، ومانع.

فالسبب: هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل دليل على كونه معرفا لحكم شرعي، بحيث يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم. وقد يتخلف الحكم عنه لمانع أو فوات شرط. وأما وجود الحكم بدونه فمحال.

والشرط: ما يتوقف عليه التأثير، بحيث يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود.

والمانع: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه الوجود ولا العدم لذاته.

ثم السبب اما معنوي: وهو الوصف المستلزم لحكمة باعثة على شرعية الحكم كالزنا للحد، والملك للانتفاع، واليد والمباشرة والإتلاف للضمان. وطريقة

Page 37

السببية اما العقل أو الشرع.

أو وقتي كأوقات العبادات من الصلاة والصوم والزكاة والحج.

والعلة لا بد فيها من المناسبة للحكم، سواء كانت باعثة أو معرفة. والسبب أعم، لأنه قد لا نظهر فيه المناسبة.

فالأول: كالنجاسة في وجوب الغسل، وكالزنا في الحد، والقتل للقصاص، والكبيرة في الفسق.

والثاني: كالدلوك للصلاة وسائر أوقات العبادات، والحدث للوضوء والغسل والعدة مع عدم الدخول، والهرولة للسعي ورمي الجمرات، وتقديم الأضعف على الأقوى في ميراث الغرقى على الأقوى.

وقد يكون السبب فعليا كالصيد والالتقاط والوطء للمهر، وقوليا كالعقود والإيقاعات. وقد يتقارب السبب والمسبب زمانا كموجبات الحدود، وقتل الكافر في سلبه في الأصح مطلقا أو مع الشرط. والملك للاصطياد والحيازة والأخذ من المعدن والاحتطاب والاحتشاش والأحياء. وهل يتوقف على النية؟ الأقوى نعم.

وقد يتقدم المسبب كغسل الجمعة يوم الخميس، وغسل الإحرام على الميقات، أما تقدمه عليه لناذره قبله فليس منه، لأن السبب هو النذر. وزكاة الفطرة على هلال العيد على القول بجواز التقديم، الا ان يكون السبب هو الشهر، والزكاة على الحول على قول، وارث الدية مع أن وجوبها بعد الموت.

وأما صيغ العقود والإيقاعات فهل يقارن الحكم فيهما آخر جزء للفظ، أو يقع عقيبه ؟ احتمالان.

وقد يتحد السبب والمسبب كالقذف للحد، والكبيرة لازالة العدالة.

وقد يتعدد السبب ويتحد المسبب كموجبات الوضوء المتعددة في إيجاب واحد ان نوى المطلق إجماعا، أو نوى واحدا منها على الأصح.

Page 38

وهل أسباب الغسل كذلك؟ الأقرب نعم، الا أن فيه رفع الجنابة إذا جامعها غيرها رافع لما عداها، دون العكس على الأقوى.

أما أسباب الأغسال المندوبة إذا انضم إليها واجب ففي دخولها تحته احتمالان، أقربهما العدم. وكذا لا تداخل بينهما لو انفردت على الأصح.

وهل موجبات الإفطار في يوم واحد كذلك؟ الأقوى نعم.

أما مرات وطء الشبهة بالنسبة إلى وجوب مهر واحد فإنها متداخلة قطعا ان اتحدت الشبهة، فإن تعددت فالأقوى عدم التداخل. ووطء المكرهة على الأصل ومرات الزنا لإيجاب حد واحد، وأسباب السرقة في قطع واحد إذا لم يظفر به على الأقوى. وأسباب القذف للواحد وأسباب المحاربة توجب الواحد قطعا.

وكذا الشرب وان تغاير المشروب. وهل تداخل أسباب التعزير؟ الأقوى نعم.

وقد يتعدد السبب ويختلف الحكم، فقد يندرج أحدهما في الآخر، كداخل المسجد إذا صلى فريضة أو راتبة فإنها تجزئ عن التحية على قول.

أما الوضوء المستحب ففي إجزائه عن الواجب اشكال، أقربه ذلك ان نوى رفع الحدث به مع إمكانه. اما ما لا يمكن فيه رفعه فلا يجزي عنه قطعا، اما في صورة العكس فلا إشكال في اجزائه.

وأسباب الحج لا تتداخل، فلا تتأدى حجة الإسلام بنية النذر على الأصح، ولا العكس قطعا. وفي اجزاء تكبيرة الإحرام عنه، وعن تكبيرة الركوع للمأموم قول للشيخ (1).

أما ما لا يمكن فيه الجمع، كالواحد إذا قتل جماعة دفعة أو على التعاقب، فان فيه خلافا للأصحاب.

وقد يصح اعمال السببين كعم هو خال في الإرث بهما، وكابن عم هو زوج.

Page 39

وقد تتباين الأسباب فيقدم الأضعف بالأقوى، كأخ هو ابن عم في الإرث بالأخوة خاصة. وقد يتساقط إذا تعارضت، كالحكم بتساقط البينتين عند التعارض على القول به، ولا كذلك الدعاوي.

وقد يتحد السبب دون مسببه ويندرج بعضها في بعض، كاللمس للتعزير المندرج تحت الزنا الموجب للجلد، وكضمان سراية الطرف المندرج في ضمان النفس في باب الدية. وهل القصاص كذلك؟ أقوال.

وقد لا يندرج كالحيض وأخويه في إيجاب الغسل والوضوء، والقتل في إيجاب الفسق، والكفارة والدية والقود وغصب الأموال وكذا إتلافها عدوانا الموجب للضمان والفسق والتعزير، والحدث الأصغر في تحريم الصلاة والطواف ومس المصحف على القول المشهور. والحدث الأكبر لذلك، ولقراءة العزيمة، واللبث في المساجد، والجواز في المسجدين. والصوم والحيض والنفاس لذلك، ولتحريم الوطء والطلاق.

والفرق بين اجزاء السبب واجتماع الأسباب: أن الحكم ان ترتب على كل واحد منها فهي أسباب مجتمعة، وان ترتب على الجميع فهي الأجزاء، وتسمى الأسباب المركبة.

والسبب الفعلي قد يكون منصوبا ابتداء، فلا يحتاج إلى القرينة كما مر، وقد يحتاج إليها، اما حالية أو مقالية. فالأول كتقديم الطعام للضيف، والثاني كإذن الصبي في فتح الباب لدخول الدار.

والفعل قد يكون قلبيا كالنيات لترتب أحكامها عليها.

Page 40

[4] قطب الوقت نفسه قد يكون سببا،

كوقت الصلاة مع كونه ظرفا للأداء، ولا تختص السببية بأوله، بل كل جزء منه سبب وظرف، أما تجدد الأيام لإيجاب الصيام فالسبب أول النهار، وليس كل جزء منه سبب، ولهذا لم يجب الصوم على من بلغ أو أسلم في أثناء النهار. ولا كذلك المريض والمسافر، لتحقق السبب فيهما، والمانع منع الحكم دونه فزواله ظهور أثر السبب.

والوقت قد يفضل عن المظروف كالصلاة، وقد لا يفضل كالصوم ووقوف عرفة والمشعر. وقد يعرى عن السببية. ولا يصح عراؤه عن الظرفية كالسنة في قضاء رمضان فإنها ظرف لا سبب، فان السبب هو الفوات، وجميع العمر ظرف للواجبات الموسعة مع أن أسبابها مغايرة له.

وكذا أوقات العدد، وهلال شوال سبب للزكاة، والليلة ونصف يومها ظرف لأدائها. ومتى علق الحكم على سبب متوقع، يختلف الحكم بسبب زمان التعليق وزمان الوقوع، ففي اعتبار أيهما وجهان. ومن ثم اختلف في أن المعتبر بالوصية حالها أو حال الموت، والأقوى الثاني.

ومتى شك في السبب بنى على الأصل، فإن كان هو التحريم وشك في سبب الحل، كما لو تردى الصيد فوجد ميتا، بنى على الحرمة. ومنه الجلد المطروح واللحم، الا مع قرينة صارفة فيهما. وان كان هو الحل وشك في سبب الحرمة، كالطائر المقصوص، والظبي المقرط، بنى على الأصل، إلا مع قوة الامارة كالمثال، فان الظاهر التحريم لقوة السبب.

ولو غلب الظن بتأثير السبب غلب الحرمة، الا أن يبعد فيصير وهما كتوهم

Page 41

حرمة ما في يد الغير. ولو تساوى الاحتمالان فالأقرب الحكم بالحل، لكن الاجتناب أحوط، إلا في المحصور فيعين.

ولو ندر الحلال في بلدة وعم الحرام تحتم الاجتناب مع المكنة، ومع عدمها يتناول ما تدعو الضرورة إليه لا أزيد.

وقد يصير الشك نفسه سببا في الحكم، كالشك بين التذكية والموت، وبين الأخت والأجنبية، فإنه يكون سببا في التحريم فيهما. وقد لا يكون سببا، كمن شك هل طلق امرأته أم لا. أما لو شك هل زكى ماله أم لا، وهل صلى أم لا، وجب الإتيان به.

وأما الشرط فلا يشتمل على مناسبة ويلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود. وقد يكون لغويا كتعليق الظهار على الدخول، وعرفيا كالسلم لصعود السطح، وشرعيا كالطهارة للصلاة، وعقليا كالحياة للعلم.

وكل معلق على شرط فإنه لا بد فيه من تقديم المعلق عليه، كالظهار على الدخول، فيتوقف وقوعه على وقوع الدخول. وإذا تعددت الشروط وعلق بعضها على بعض يلزم أن يكون اللاحق شرطا في السابق فيقدم عليه. واللغوية أسباب، فيلزم من وجودها الوجود، دون العقلية والشرعية والعرفية، لكنها ملازمة في العدم، ويلزم الاولى التقدم، وهل البواقي كذلك؟ الظاهر المساواة، إذا شأن الشرط ذلك.

ومن التكليف ما لا يقبل التعليق كالإيمان، ومنه ما يقبله كالعتق. وقد يقبل الشرط دون التعليق كالبيع، والصلح، والإجارة، والرهن، وسائر العقود. وقد ينعكس كالصوم والصلاة وسائر العبادات، الا الاعتكاف فإنه يقبلهما.

وأما المانع فهو مانع السبب: وهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط يستلزم حكمة يقتضي نقيض حكم السبب مع بقائها، أو مانع الحكم. وهو كل وصف

Page 42