السبيل إلى منهج أهل السنة والجماعة

السبيل إلى منهج أهل السنة والجماعة

Maison d'édition

دار الراية قسم البحث العلمي

Édition

الأولى

Année de publication

١٤١٠ هـ

السَبِيلُ
إلى
منهج أهل السنة والجماعة
بقلم
عَدنَان مَحَمَّد عَرْعُور
دار الراية/ قسم البحث العلمي

1 / 1

بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فعلى ضيق من الوقت، وكثرة الأشغال، ألح علي مُحب أن أكتب كتيبًا مختصرًا في منهاج الطائفة المنصورة، وذلك بمناسبة عقد المؤتمر الثالث لجمعية القرآن والسنة بأمريكا، وكي يكون هذا الكتاب سبيل رشد، ونبراس نور يضيء للمبتدئ طريق الهدى وطريق خلاص ومنهج حق في خضم هذه الخلافات الهائجة والجماعة المختلفة، وفي زمن فشى فيه الجهل، وقل العلم، وكثر القيل والقال، وصدق فينا قول المصطفى ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" [رواه البخاري ومسلم وغيرهما]
وإن مما تجدر الإشارة إليه أن المسلمين قد فقدوا الشيء

1 / 3

الكثير من معالم دينهم، وسبيل نجاتهم، وإن من أهم ما فقدوه - إلا من رحم الله - قواعد معرفة الحق.
فقد أحلوا مكان البينة التزيين، وقدموا الرجال على الدليل، واتبعوا الهوى بدل الهدى، واستبدلوا العقل بالعاطفة، وأحلوا الكفر محل الاتباع، واشتروا بكتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ فكر زيد وتجديد عمرو ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ حتى صار العالم عندهم، من ابتدع وفكر، وعن سنة رسوله ﷺ أدبر، وبالمشركين اقتدى وتمسك ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤]
فالمجتهد عندهم من خالف النصوص، وأحدث في دين الله من البدع الفكرية ما لم ينزل الله به من سلطان بدعوى الفكر والتجديد، وهي في حقيقتها تمييع وتبديد.
والمتبع عندهم لسنة رسول الله ﷺ وصحابته الكرام جامد العقل، بدوي الفقه، سطحي التفكير، وإذا كان علامة أهل البدع في عهد سلفنا، قولهم عن أهل السنة والجماعة المجسمة والحشوية، فإن علامة أهل الزيغ في زماننا، قولهم عن أهل الحق، أصحاب الفقه البدوي.
فإلى الله المشتكى من غربة هذا الزمان
ورغم قناعتي بعدم الكتابة في هذا الموضوع الهام، وذلك لضيق الوقت، ولأن مثل هذه الموضوع الهام يحتاج إلى وقت

1 / 4

كبير ومطالعات جمة وتأصيل وتقعيد.
روغم هذا كله أراني أكتب على هذه العجالة، كلمات غير مرتبات ولا مرتبطات، حاولت فيهن الإجابة عن أسئلة المبتدئ.
* ما هو السبيل؟
* ما هي النجاة؟
* ما هو الضمان؟
وأدعو الله تعالى .. أن يبارك لي في وقتي كي أعطي هذه الموضوع الهام حقه، لما له من أهمية بالغة في بيان الحق وإيضاح الخلاص.
هذا وقد كتبت معظم ما كتبت إن لم يكن كله من الذاكرة، فمن رأى فيه شيئًا فليسارع إلى النصح، وليسبق إلى الخير، فما تم كتاب بعد كتاب الله ﷿.
فعسى الله تعالى أن يهدي به أناسًا، ويكتب لآخرين الأجر والمثوبة، أنه رحيم كريم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الرياض/ غرة ربيع الآخر ١٤١٠ هـ
دار الراية / قسم البحث العلمي
عدنان محمد عرعور

1 / 5

من أين وإلى أين؟
لا يخفى على العاقل ما يعانيه عالمنا الإسلامي من فوضى فكرية .. واضطراب منهجي .. وتخلف في كافة مجالات الحياة .. حتى غدا بمن يمثله مهزلة على رؤوس الأشهاد، ودمية يحركها الأوغاد، وكرة يتقاذفها المتلاعبون كيف شاؤوا وأنَّى شاؤوا، كل ذلك على حين غفلة من المسلمين، وعجز من المصلحين.
وصدق فينا تشبيه المصطفى ﷺ:
"يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأُكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ، قيل وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ" [أخرجه أبو داود وأحمد في مسنده]
ومما زاد الطينة بلة، والأمر تعقيدًا، ما يعانيه المسلمون المتمسكون أنفسهم من تفرق بين جماعاتهم، واضطراب في مناهجهم، بل وتمزق وتناحر في صفوفهم حتى غدوا يتقاذفون التهم، ويتبادلون التخطئة، الأمر الذي أشغلهم عن كيد أعدائهم .. وما يحاك لهذه الأمة من مكر وخديعة لكي تكون شر الأمم في الدنيا وأذلها.
أقول: لم يعد هذا خافيًا على أحد استقر في رأسه عقل، أو سكن في صدره قلب، أو بقي في نفسه ضمير.

1 / 6

ولكن الذي ما زال خافيًا هو: سبيل الخلاص، وطريق النجاة .. فهؤلاء العلمانيون من شيوعيين واشتراكيين وما شابههم، بدأوا ينكسون رؤوسهم خزيًا مما فعلوه بشعوبهم من ذل مهين، وفقر مدقع، بما أحدثوه في أفكار خبيثة، ومبادئ هدَّامة، جرَّت الويل على مجتمعاتهم، والدمار على شعوبهم، فالشجاع منهم من أعلن هذا على الملأ، والخبيث من غطى وجهه من الذل مما أصابهم، كالنعامة تغطي وجهها تظن إن لم تر أحدًا فإن أحدًا لن يراها.
ولا أعتقد أن مراقبًا للأحداث العالمية يعتقد أن يمر عقد إلى والشيوعية وأترابها قد فروا من الواقع، ولم يعد لهم وجود يذكر بإذن الله تعالى (١).
وأما المجتمعات الغربية، فليس لديها مبدأ يناقش اللهم إلا الدرهم والفرج .. وحسك هذين المبدأين دينًا لهم، وأساس لمجتمعهم، وسيأتهيم ما أتى إخوانهم من الشيويعيين من قبلهم، ذاقوا وبال أمرهم وكان عاقبتهم خسرانًا وذلًا.
ونحن إذ نقول هذا، لا ننكر أنهم حققوا تقدمًا علميًّا ملموسًا، ونالوا قسطًا من الرفاهية المادية لا تنكر، وتخلقوا بكثير من أخلاق المسلمين التي فقدها أهلها .. ومن هم أولى بها.
ولكنهم في الوقت نفسه، فقدوا الكثير والكثير من متع الحياة الحقيقية، فقد فقدوا المتعة الروحية، والحياة الأسرية،

(١) لم يمضى على كتابة ما تقدم سوى شهور، وإذا بعروش الشيوعية تنهار واحدًا تلو الآخر، وإذا بكبرائهم يقتل الواحد منهم تلو الآخر، فسبحان الله.

1 / 7

والتراحم بينهم، وانتشرت الجريمة في صفوفهم حتى أصبحت بلادهم غابات لوحوش كاسرة، القوي فيها هو صاحب الحق، والضعيف هو الظالم .. يقصفون مدنًا كاملة بأهلها .. ويمدون دولًا ظالمة لتعتدي على دول مستضعفة مظلومة .. ثم إذا ما أصاب أحد افراد شعوبهم مكروه، أقاموا الدنيا وأقعدوها باسم الإنسانية .. وبعدوى حقوق الإنسان.
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر ... وقتل شعب آمن قضية فيها نظر
وغدت مجتمعاتهم بؤرًا للفساد، ومرتعًا لانتشار الأمراض الوبائية الفتاكة، وملعبًا للعصابات المنظمة .. يخطفون الأطفال الأبرياء، فيفعلون بهم الفاحشة، ثم يقتلونهم، أو يبيعونهم، وأمست تجارة الأطفال من أربح التجارات .. بعد تجارة المخدرات.
وأصبح الرجل يجامع أخته، والأب يزني ببنته .. بل والولد يضاجع أمه، والذكر يتزوج الذكر .. فأي فساد بعد هذا، وأي حضيض بعد هذا الحضيض.
لقد ظنا أول أمرهم أن المتعة الحقيقية في الدرهم والطعام والخمر والزنى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]
حتى عضتهم أمراض الزنى واللواط، فلا يكاد ينجو

1 / 8

منها أحد، وتفشت فيهم الأمراض النفسية، وحل بهم القلق، فتوغل في أعماق نفوسهم، فلجأوا إلى الكهان، يستمدون منهم العون، ويطلبون منهم النجاة، فشاع فيهم الانتحار، وقتل الذرية والزوجات، وما تخفي لهم الأيام أدهى وأمر.
وصدق فيهم قول الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]
وقوله ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]
ولا أنسى ذلك السؤال من فتاة أمريكية - عقب محاضرة عن الإسلام في إحدى الجامعات الأمريكية - إذ سألت: إذا كان هذا هو الإسلام فلماذا لم تبلغوه لنا؟
هكذا سألت .. وهكذا أحرجت، وايم الله .. ما أحرجت في حياتي بسؤال مثل هذا.
وإنه - والله - لسؤال محرج لكل مسلم مهما كان .. وحيثما كان، وإنها الأمانة .. التي نأت عن حملها السماوات، وأعرضت عن قبولها الأرض والجبال ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]

1 / 9

ظلومًا في أدائها .. جهولًا بالخير الذي فيها.
قصر في تبليغها فظلم نفسه وغيره، وجهل فيها فخالف أحكامها ولم يخضع لسننها.
وكان الجواب وقتئذٍ: نبلغكم الإسلام حين يصبح المسلمون مسلمين! !
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، ويلح على إيجاد جواب عملي وواقعي: متى يصبح المسلمون مسلمين؟ بل، كيف يصبح المسلمون مسلمين؟ متى يدرك المسلمون إسلامهم؟ ويعملوا به، بخاصة بعدما تزلزلت عروش الشيوعيين والاشتراكيين، وأمثالهم .. وأعلنوا هم أنفسهم على الملأ فشلهم.
ومتى يصبح المسلمون صادقين مع دينهم؟ بخاصة بعدما أعلن العالم الغربي إفلاسه من الأخلاق والروح.
إنه لم يعد سوى الإسلام لإنقاذ البشرية من حمأتها، وإنقاذ الناس من كفرهم.
وفي الوقت الذي نعتقد أن الإسلام هو الطريق الوحيد للخلاص والنجاة، فلا لأنه يؤمن لنا العيش الرغيد، والحياة المطمئنة الهانئة فحسب .. لا: بل لأنه دين رب العالمين .. أمر به عباده، ودعا إليه خلفه، فلا مفر من الإيمان به، والتمسك بأحكامه.
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]،

1 / 10

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]
فلا خيار لنا في غيره، مهما ظننا أننا نفلح بغيره، ولا خيار لنا في أحكامه، مهما ظننا أن في غيره رشدًا ومصلحة ﴿مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ﴾ [الأحزاب: ٣٦]
فإذا قال قائل: سلّمنا أن لا مناص من الإسلام، وأنه الدين الذي فرضه الله على العباد، وآمنا وأيقنا بأحكامه، صغيرها وكبيرها، عامها وخاصها، وصدقنا أن به الفلاح في الدنيا والنجاة في الآخرة، كل هذا سلّمنا به عن قناعة وإيمان، ولكن! كيف يصبح المسلمون مسلمين؟
ومتى يصبح المسلمون مسلمين؟
والمسلمون أنفسهم مختلفون في المنهج والسلوك، وهم أنفسهم متنازعون في الأصول والفروع، ولا يكادون يستقرون على حال.
يتجاذبون الناس كل إلى جماعته، وكل حزب بما لديهم فرحون.
وكل يدَّعي وصلًا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
فما هو السبيل؟ وكيف تكون النجاة؟ وهل يمكن الاعتصام؟ وكيف يكون؟ وما هو الضابط لهذه الخلافات؟

1 / 11