التبيان في تخريج وتبويب أحاديث بلوغ المرام
التبيان في تخريج وتبويب أحاديث بلوغ المرام
Maison d'édition
دار الرسالة العالمية
Édition
الأولى
Année de publication
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
التبيان في تخريج وتبويب أحاديث بلوغ المرام وبيان ما ورد في الباب
قام به الفقير إلى عفو ربه
خالد بن ضيف الله الشلاحي
[المجلد الأول]
كتاب الطهارة (١)
Page inconnue
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾
أما بعد:
فقد منَّ الله على الأمم بإرسال الأنبياء الذين بينوا الحق من الباطل وأرشدوا الناس إلى الطريق المستقيم.
وقد مَنَّ الله على هذه الأمة بسيد ولد آدم محمد ﷺ.
1 / 5
وأيضًا مَنَّ على هذه الأمة بعلماء يبينوا للناس شريعة نبيهم محمد ﷺ، وقد رحل منهم من رحل، وبقي طائفة منهم لا تزال على الحق إلى قيام الساعة.
وأما من رحل فقد رحل بجسده وبقيت آثار علمه، فمن هؤلاء الحافظ ابن حجر الذي أفنى عمره في خدمة السنة، فقد ترك لنا كنوزًا وميراثًا عظيمًا، فمن ذلك كتاب "بلوغ المرام من أدلة الأحكام"، فقد حرره تحريرًا بالغًا لينتفع به العالم والعامي.
قال الصنعاني في "سبل السلام" ١/ ٢١ "الحمد لله الذي منَّ علينا ببلوغ المرام من خَدَمة السنة النبوية" اهـ.
وأثنى عليه الشيخ سعد الدين ابن المؤيد هبة الله بن عبد الرحيم اليماني بقصيدة قال في مطلعها.
قد حصلنا على بلوغ مرام ... إذ وصلنا إلى بليغ المرام
واتصلنا ولم يكن ثم فصل ... للتداني ونعمة من مرام
وعشقنا على السماع قديمًا ... لحديث الحسام نجل الكرام
من غدا قاضيًا بكل صحيح ... مستجاد في النقض والإبرام
وقال حسن بن صديق حس خان في رسالة سماها "الروض البسام من ترجمة بلوغ المرام" ص ١٥: هو مجلدٌ صغير افتتحه بقوله "الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة قديمًا وحديثًا" وأتمه على حديث رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ وهو قوله ﷺ "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم".
1 / 6
وعليه ختم البخاري "صحيحه" أيضًا، فما أحسن الفاتحة والخاتمة، وهذا من لطائف أهل العلم في التأليف، كما ختم سيدي الوالد -دام مجده الطارف والتالد- بعض مؤلفاته على لفظ "انتهى" وبعضها على لفظ "آخره".
ثم إن هذا الكتاب العظيم القدر، الرفيع الذكر، جمع -مع وجازته في العبارة، وتجوزه في الإشارة من المباني والمعاني- ما لا يأتي عليه الحصر والإحصاء، ولا يتطرق إليه أفهام الأذكياء الأجلاء، وفضله أشهر من أن يذكر، وشهرته أزيد من أن تحصر، وقبوله أكبر من أن يحرر.
وأيسر ما يقال فيه إن مدحه قدح، وقدحه مدح، كيف وقد قال مؤلفه ﵁ في وصفه ما نصه "حررته تحريرًا بالغًا، ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغًا، ويستعين به الطالب المبتدي ولا يستغني عنه الراغب المنتهي" وهو كما قال، وبلوغ في التحرير لأمور:
منها عزوه الحديث إلى من خرَّجه بقوله "أخرجه فلانٌ عن فلان" وهذا القول من البيان، لا بد منه لطالب معرفة هذا الشأن، فإن الحديث الذي لا يذكر له مخرجه كجملٍ بلا زمام.
ومنها تكثيره لذكر المُخرِّجين له، زيادة على أصحاب الأمهات الست، وعدم تقصيره على ذكرهم أو بعضهم.
ومنها تسميةُ من صحّحه أو حسّنه أو ضعفه من الأئمة وحفاظ الأمة، وهذا هو روح علم الحديث، وعليه مدار الحكم الشرعي وتمييز السليم من السقيم.
1 / 7
ومنها تتبع طرق ذلك الحديث جلها أو كلها، مع بيان الصحة والعلة التي في طرقه، وهذا من تمام العلم في الشأن، وعليه تدور رحى الكلام والبيان.
ومنها ذكر الزيادة الثابتة على متون أحاديث الصحاح الستة وعدم القنوع على ألفاظها، والإشارة إليها بقوله."زاد فلان كذا - وفيه كذا" مع ذكر تعديل تلك الزيادة وجرحها.
ومنها إيثار أصح الأحاديث في كل باب من أبواب الكتاب، وترك الروايات التي تكلم عليها الأئمة، فإن انتهض طالبٌ راغبٌ عالي الهمَّة، كاملُ العبور، يطلب حديثًا صَحَّ سنده في هذه الأبواب العبادية والمعاملية، لا يجده أبدًا إلا حديثًا أورده الحافظ في كتابه هذا، وقد سبرتُ واختبرتُ هذا الأمر مرارًا فوجدته كذلك ولله الحمد.
ومنها اختصار الأحاديث الطويلة اختصارًا جميلًا لا يتطرق إليه تغير العبارة، ولا تقديم متأخر الإشارة، وهذا من تمام يده الطولى في هذا الشأن
ومنها: تكرار بعض الأحاديث في بعض الأبواب استنباطًا للحكم الآخر ودقة في الفقه، ولكن هذا النوع والصيغ قليل جدًّا لا يجاوز حركات العوامل وتعداد الأنامل.
ومنها إيراده لأدلة المذاهب الأربعة وغيرها من غير عصبية لأحد من أصحابها في تصحيح الحديث وتحسينه، وهذا شأن العلماء العارفين بالله، والمتبعين لسنة رسول الله ﷺ، المؤثرين الآجلة على العاجلة.
1 / 8
ومنها إيجازه في بيان ألفاظ الجرح والتعديل وإتيانه بالمعنى البليغ في اللفظ اليسير، وذلك كله أدلُّ دليل على كمال فضل مؤلفه الجامع لأصناف الفضائل، وتمام سعة علمه، وبسطة باعه في العلوم الحديثية.
ومنها أنه ذيَّل كتابه هذا بكتاب الجامع للآداب، ليحظى الطالب بالأخلاق الفاضلة في الظاهر والباطن، ويميز بين المتحرك والساكن، إلى غير ذلك من الخصائص التي اختص بها هذا الكتاب، ولا يوجد مثله في بابٍ من صُحف الأبواب.
والذي ذكرته ها هنا تبعًا لسيدي الوالد في "مسك الختام" قطرة من مزايا هذا السفر المسفر عن الحق والصواب، ومن أمعن النظر في تهذيبه وتبويبه وقف على أكثر من ذلك، ووجد فوق ما ذكر هنالك، ومن زاد زاد الله في حسناته.
وقد أجاب السيدُ الإمام العلامة البدر المنير محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير سائلًا سأله عن كتاب في علم الحديث يعمل به هو وغيره من دون تعريج على حديث فيه؟ فقال الذي يكون هذا هو كتاب "بلوغ المرام" أولًا وكتاب "منتقى الأخبار" ثانيًا.
وإنما قال هذا لأن "بلوغ المرام" مختصر، و"المنتقى" مطوَّل، وهما لا نظير لهما في الإسلام، وقد اتفقت عليهما كلمة الفحول الأعلام في الحديث والقديم، ومن ثم اعتنى الأئمة الكرام بشرحهما انتهى ما قاله ونقله صديق حسن خان.
1 / 9
وفي عام ١٤١٠ هـ لما رأيت الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ يوصي بالعناية بكتاب "بلوغ المرام"، قمت مستعينًا بالله بتخريج أحاديث "بلوغ المرام" وفي شهر رمضان من عام ١٤٢٠ هـ يسر الله إتمام القسم الأول من هذا البحث المتواضع وهو ما يمثل قسم العبادات ومنهجي فيه ما يلي:
أولًا: تبويب أحاديث "بلوغ المرام"، لأن الحافظ وضع أبوابًا مجملة وقد وضعتهما في صفحة مستقلة تمييزًا لغيرها، ومما يدل على أن الحافظ اهتم لترتيب أحاديث كل باب على المسائل، هو دقة الترتيب بين الأحاديث وأيضًا يكرر أحيانًا بعض الأحاديث لما تقتضيه مصلحة التبويب كحديث عمران بن حصين وجابر في صلاة المريض، وقد أشار إلى هذا حسن بن صديق حسن خان في رسالته السابقة، وكثير ما يشير الصنعاني إلى مقصد الحافظ بإيراد الحديث.
ومنهجي في تبويب الأحاديث هو أنه قد تبين لي أن الأحاديث في تبويبها على ثلاثة أقسام:
١ - أحاديث ظاهر مراد الحافظ منها، فهذا لا إشكال في تبويبه.
٢ - أحاديث تحتمل بابين، فهنا إن كان سبق ذكر أحد البابين، فإنني أذكر الباب الآخر، ثم أشير إلى الباب الأول أنه سبق ذكر أحاديثه، وإن لم يكن ذكر أحد البابين فإنني أنظر إلى تبويب الكتب الستة وأسير عليه.
1 / 10
٣ - إن كان الحديث يحتمل أكثر من باب، فإنني أرجع إلى شروح البلوغ لبيان مراد الحافظ، وعليه أقوم بالتبويب، وهذا القسم قليل جدًّا.
ثم أيضًا بعد هذا التبويب أذكر أشهر أحاديث الباب وأحاول أن لا أزيد على سبعة أحاديث حتى لا يحصل طول في البحث وملل.
ثانيًا: منهجي في التخريج:
أ- عزو الحديث إلى مظانه من غير إطالة مملة ولا قصور مخل.
ب- ذكر الطرق وبيان الاختلاف فيها، وذلك بالوقوف على الطرق في مظانها ونقل أقوال الأئمة؛ في ذكر الاختلاف، بين الطرق.
جـ - نقل أقوال الأئمة النقاد في حكمهم على الأحاديث وبيان عللها.
وذلك بالرجوع إلى كتب التخريج مثل "نصب الراية" و"تلخيص الحبير" و"الدراية" وأيضًا كتب السؤالات والعلل، ونذكر منها:
١ - العلل لابن أبي حاتم
٢ - العلل للإمام أحمد برواية عبد الله
٣ - العلل للإمام أحمد برواية المروذي وغيره
٤ - المنتخب من العلل للخلال، ومسائل ابن هانيء
٥ - سؤالات أبي داود للإمام أحمد
٦ - التاريخ لابن معين برواية الدوري
٧ - سؤالات ابن الجنيد لابن معين
1 / 11
٨ - تاريخ الدارمي لابن معين
٩ - سؤالات ابن الهيثم الدقاق لابن معين
١٠ - تاريخ أبي سعيد الطبراني "ابن مرثد" لابن معين
١١ - سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني
١٢ - العلل لعلي بن المديني
١٣ - سؤالات الآجري لأبي داود
١٤ - سؤالات السلمي للدارقطني
١٥ - سؤالات الحاكم للدارقطني
١٦ - علل الدارقطني
١٧ - مسائل البغوي للإمام أحمد
١٨ - سؤالات البرقاني للدارقطني
١٩ - مسائل الإمام أحمد برواية عبد الله وصالح وأبي داود
أيضًا الكتب التي فيها مظان أحكام الأئمة مثل "المغني" لابن قدامة، و"الفروع" لابن مفلح و"الأحكام الوسطى" لعبد الحق الإشبيلي و"بيان الوهم والإيهام" لابن القطان، و"التمهيد" لابن عبد البر و"الاستذكار" و"مسند البزار"، وكتب الرجال مثل "الجرح والتعديل" و"تاريخ البخاري" و"الإصابة". وكتب الشيخ محمد ناصر الدير الألباني ﵏ جميعًا.
تنبيه هام:
من نعمة الله تعالى أن قيض لهذه الأمة جهابذة نقادًا عاصروا عصر الرواية، فعرفوا علل الأحاديث التي تكاد تخفى عن إدراك
1 / 12
المتأخرير، فلهذا إن من تقوى الله عدم معارضة أقوالهم إلا لمن عرف كمعرفتهم وحفظ كحفظهم، واختلط علم الحديث بلحمه ودمه، فإن أجمعوا على شيء أو لم يرد لأحدهم مخالف فالقول قولهم، وإن اختلفوا فلا ينبغي الترجيح إلا ببرهان واضح، وليس هذا دعوة إلى التقليد بل لقلة علم المتأخرين ولعزة من يعرف علم العلل فقد قال ابن رجب في رسالة "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة"- ص ٢٥ - في أثناء كلامه على "الصحيحين" فقلَّ حديث تركاه إلا وله علة خفيَّة؛ لكن لعزة من يعرف "العلل كمعرفتهما وينقده، وكونه لا يتهيأ الواحد منهم إلا في الأعصار المتباعدة، صار الأمر في ذلك إلى الاعتماد على كتابيهما، والوثوق بهما والرجوع إليهما" اهـ.
فإذا أنكر الإمام حديثًا أو أبطله ولم يخالفه أحد فالقول قوله، ولا ينفع جمع الطرق وإن كثرت، لأنهم لا يخفى عليهم هذه الطرق، وهم حفاظ، لهذا نقل أبو داود في "مسائله للإمام أحمد" ص ٢٨٢ أن الإمام أحمد سئل عن حديث المؤمن يأكل في مِعًى "قال يطلبون حديثًا من ثلاثين وجهًا، أحاديث، وجعل ينكر طلب الطرق نحو هذا، قال شيء لا ينتفعون به أو نحو هذا الكلام" اهـ.
ولما نقل ابن رجب في "اللطائف" ص ١٥٩ تصحيح الحاكم والترمذي وابن حبان والطحاوي وابن عبد البر لحديث "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" قال تكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء
1 / 13