التوضيح في حل غوامض التنقيح
التوضيح في حل غوامض التنقيح
Enquêteur
زكريا عميرات
Maison d'édition
دار الكتب العلمية
Année de publication
1416 AH
Lieu d'édition
بيروت
ومنه الممانعة فهي إما في نفس الحجة لاحتمال أن يكون متمسكا بما لا يصلح دليلا كالطرد والتعليل بالعدم ولاحتمال أن لا تكون العلة هذا بل غيره كما ذكرنا في قتل الحر بالعبد وأما في وجودها في الأصل أو في الفرع كما مروا في شروط التعليل وأوصاف العلة ككونها مؤثرة ومنه المعارضة واعلم أن المعترض إما أن يبطل دليل المعلل ويسمى مناقضة أو يسلمه لكن يقيم الدليل على نفي مدلوله ويسمى معارضة وتجري في الحكم وفي علته والأولى تسمى معارضة في الحكم والثانية في المقدمة فقوله واعلم أن المعترض هذا تقسيم الاعتراض على المناقضة والمعارضة لا تقسيم المعارضة فإذا علل المعلل فللمعترض أن يمنع مقدمات دليله ويسمى هذا ممانعة فإذا ذكر لمنعه سندا يسمى مناقضة كما يقول ما ذكرت لا يصلح دليلا لأنه طرد مجرد من غير تأثير إلى آخر ما عرفت في الممانعة وله أن يسلم دليله فيقول ما ذكرت من الدليل وإن دل على ما ذكرت من المدلول لكن عندي ما ينفي ذلك المدلول ويقيم دليلا على نفي مدلوله سواء كان المدلول هو الحكم أو مقدمة من مقدمات دليله الأول يسمى معارضة في الحكم والثاني يسمى معارضة في المقدمة كما إذا أقام المعلل دليلا على أن العلة للحكم هي الوصف الفلاني فللمعترض أن لا ينقض دليله بل يثبت بدليل آخر أن هذا الوصف ليس بعلة فهذا معارضة في المقدمة ثم شرع في تقسيم المعارضة في الحكم فقال أما الأولى فإما بدليل المعلل وإن كان بزيادة شيء عليه وهي معارضة فيها مناقضة فإن دل على نقيض الحكم بعينه فقلب كقوله صوم رمضان صوم فرض فلا يتأدى إلا بتعيين النية كالقضاء فنقول صوم فرض فيستغنى عن التعيين بعد تعيينه كالقضاء لكن هنا التعيين قبل الشروع وفي القضاء بالشروع أي تعيين الصوم في رمضان تعيين قبل الشروع بتعيين الله وفي القضاء إنما يتعين بالشروع بتعيين العبد وكقوله مسح الرأس ركن فيسن تثليثه كغسل الوجه فنقول ركن فلا يسن تثليثه بعد إكماله بزيادة على الفرض في محله وهو الاستيعاب كغسل الوجه وإن دل على حكم آخر يلزم منه ذلك النقيض يسمى عكسا كقوله في صلاة النفل عبادة لا تمضي في فاسدها فلا تلزم بالشروع كالوضوء فنقول لما كان كذلك وجب أن يستوي فيه النذر والشروع كالوضوء اعلم أن كل عبادة تجب بالشرع لا بد أن يجب المضي فيها إذا فسدت كما في الحج فيلزم أن كل عبادة إذا فسدت لا يجب المضي فيها لا تجب بالشروع فنقول لو كان عدم وجوب المضي في الفاسد علة لعدم الوجوب بالشروع لكان علة لعدم الوجوب بالشروع والنذر كما في الوضوء فإنه لا يمضى في فاسده فلا يجب بالشروع والنذر فيلزم استواء النذر والشروع في هذا الحكم والأول أقوى من هذا أي القلب أقوى من العكس لأنه جاء بحكم آخر وبحكم مجمل وهو الاستواء أي المعترض جاء في العكس بحكم آخر وفي القلب جاء بنقيض حكم يدعيه المعلل فالقلب أقوى لأنه في العكس اشتغل بما ليس هو بصدده وهو إثبات الحكم الآخر وفي القلب لم يشغل بذلك وأيضا جاء بحكم مجمل وهو الاستواء إذ الاستواء يكون بطريقين والمعترض لم يبين أن المراد أيهما وإثبات الحكم المبين أقوى من إثبات الحكم المجمل وأيضا الاستواء الذي في الفرع غير الاستواء الذي هو في الأصل وهذا هو قوله ولأنه مختلف في الصورتين ففي الوضوء بطريق شمول العدم وفي الفرع بطريق شمول الوجود وإما بدليل آخر عطف على قوله فأما بدليل المعلل وهو معارضة خالصة وهو إما أن يثبت نقيض حكم المعلل بعينه أو بتغيير أو حكما يلزم منه ذلك النقيض كقوله المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالغسل فنقول مسح فلا يسن تثليثه كمسح الخف وهذا أي الوجه الأول من الوجوه الثلاثة من المعارضة أقوى الوجوه فقوله المسح ركن نظير الوجه الأول من المعارضة وكقولنا في الصغيرة التي لا أب لها صغيرة فتنكح كالتي لها أب فيقال صغيرة فلا يولى عليها بولاية الأخوة كالمال فلم ينف مطلق الولاية بل ولاية بعينها لكن إذا انتفت هي ينتفي سائرها بالإجماع أي لعدم القائل بالفصل فإن كل من ينفي الإجبار بولاية الإخوة ينفي الإجبار بولاية العمومة ونحوها فهذا نظير الوجه الثاني من المعارضة وكالتي نظير الوجه الثالث نعي إليها زوجها فنكحت وولدت ثم جاء الأول فهو أحق بالولد عندنا لأنه صاحب فراش صحيح فيقال الثاني صاحب فراش فاسد فيستحق النسب كمن تزوج بغير شهود فولدت فالمعارض وإن أثبت حكما آخر وهو ثبوت النسب من الزوج الثاني لكن يلزم من ثبوته للثاني نفيه من الأول فإذا ثبت المعارضة فالسبيل الترجيح بأن الأول صاحب فراش صحيح وهو أولى بالاعتبار من كون الثاني حاضرا وأما الثانية فمنها ما فيه معنى المناقضة وهو أن تجعل العلة معلولا والمعلول علة وهي قلب أيضا وإنما يرد هذا إذا كانت العلة حكما لا وصفا لأنه إذا كان وصفا لا يمكن جعله معلولا والحكم علة نحو الكفار جنس يجلد بكرهم مائة فيرجم ثيبهم كالمسلمين لأن جلد المائة غاية حد البكر والرجم غاية حد الثيب فإذا وجب في البكر غايته وجب في الثيب غايته أيضا فإن النعمة كلها كانت أكمل فالجناية عليها تكون أفحش فجزاؤها يكون أغلظ فإذا وجب في البكر المائة يجب في الثيب أكثر من ذلك وليس هذا إلا الرجم فإن الشرع ما أوجب فوق جلد المائة إلا الرجم والقراءة تكررت فرضا في الأوليين فكانت فرضا في الأخريين كالركوع والسجود فنقول المسلمون إنما يجلد بكرهم مائة لأنه يرجم ثيبهم يعني لو جعل المعلل جلد البكر علة لرجم الثيب فنقول لا نسلم هذا بل رجم الثيب علة لجلد البكر وإنما تكرر الركوع والسجود فرضا في الأوليين لأنه يتكرر فرضا في الأخريين والمخلص عن هذا أي التعليل بوجه لا يرد عليه هذا القلب أن لا يذكر على سبيل التعليل بل يستدل بوجود أحدهما على وجود الآخر إذا ثبت المساواة بينهما نحو ما يلزم بالنذر يلزم بالشروع إذا صح كالحج فتجب الصلاة والصوم بالشروع تطوعا وفيه خلاف الشافعي رحمه الله تعالى فقالوا الحج إنما يلزم بالنذر لأنه يلزم بالشروع فنقول الغرض الاستدلال من لزوم المنذور على لزوم ما شرع لثبوت التساوي بينهما بل الشروع أولى لأنه لما وجب رعاية ما هو سبب القربة وهو النذر فلأن يجب رعاية ما هو القربة أولى ونحو الثيب الصغيرة يولى عليها في مالها فكذا في نفسها كالبكر الصغيرة فيثبت إجبار الثيب الصغيرة على النكاح وفيه خلاف الشافعي رحمه الله تعالى فقالوا إنما يولى على البكر في مالها لأنه يولى في نفسها فنقول الولاية شرعت للحاجة والنفس والمال والبكر والثيب فيها سواء أي لا نقول إن الولاية في المال علة للولاية في النفس بل نقول كلتاهما شرعتا للحاجة فتكونان متساويين فإذا ثبتت إحداهما ثبتت الأخرى لأن حكم المتساويين واحد وهذه المساواة غير ثابتة في المسألتين الأوليين على ما ذكروا وهما مسألتا رجم الكفار والقراءة في الشفع الأخير فأراد أن يبين أنه يمكن لنا في مسألة الشروع في النفل وفي الثيب الصغيرة المخلص عن القلب ولو يمكن للشافعي رحمه الله تعالى هذا في مسألة الرجم والقراءة أما في مسألة الرجم فلأن الرجم والجلد ليسا بسواء في أنفسهما لأن أحدهما قتل والآخر ضرب ولا في شروطهما حيث يشترط لأحدهما ما لا يشترط للآخر فلا يمكن الاستدلال بوجود أحدهما على وجود الآخر وأما في مسألة القراءة فلأن الشفع الأول والثاني ليسا بسواء في القراءة لأن قراءة السورة ساقطة في الشفع الثاني وأيضا الجهر ساقط فيه فقوله على ما ذكروا إشارة إلى هذا ومنها خالصة فإن أقام الدليل على نفي علية ما أثبته المعلل فمقبولة وإن أقام على علية شيء آخر فإن كانت قاصرة لا يقبل عندنا وكذا إن كانت متعدية إلى مجمع عليه كما يعارضنا مالك بأن العلة الطعم والادخار وهو متعد إلى الأرز وغيره فلا فائدة له إلا نفي الحكم في الجص لعدم العلة وهي لا تفيد ذلك لأن الحكم قد ثبت بعلل شتى وإن تعدى إلى مختلف فيه يقبل عند أهل النظر للإجماع على أن العلة أحدهما فقط فإذا ثبت أحدهما انتفى الآخر لا عند الفقهاء لأنه ليس لصحة أحدهما تأثير في فساد الآخر
فصل في دفع العلل الطردية
Page 199