292

التلويح في كشف حقائق التنقيح

التلويح في كشف حقائق التنقيح

Maison d'édition

مطبعة محمد علي صبيح وأولاده

Année de publication

1377 AH

Lieu d'édition

مصر

الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالتَّنْزِيهُ نَحْوُ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، وَالتَّحْقِيرُ نَحْوُ ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١]، وَبَيَانُ الْعَاقِبَةِ: نَحْوُ ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، وَالْإِرْشَادُ: نَحْوُ ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، وَالشَّفَقَةُ نَحْوُ النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الدَّوَابِّ كَرَاسِيَّ وَالْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ (وَلِأَنَّ النَّهْيَ أَمْرٌ بِالِانْتِهَاءِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي مَعَانٍ فَلَا يَبْقَى الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِك (افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ)؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُوجَبُهُمَا التَّوَقُّفَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ طَلَبِ الْفِعْلِ وَطَلَبِ التَّرْكِ ثَابِتٌ بَدِيهَةً.
(وَهَذَا الِاحْتِمَالُ يُبْطِلُ الْحَقَائِقَ) يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهَا حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ مِثْلَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ يَجُوزُ أَنْ
ــ
[التلويح]
الْحَقِيقِيُّ لِلَفْظِ الْأَمْرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا هُوَ الْمَدْلُولُ الْحَقِيقِيُّ لِمُسَمَّاهُ أَعْنِي لِصِيغَةِ افْعَلْ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ مُوجَبَ الْأَمْرِ، أَيْ الْأَثَرِ الثَّابِتِ بِهِ التَّوَقُّفُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعَانٍ كَثِيرَةٍ بَعْضُهَا حَقِيقَةً اتِّفَاقًا، وَبَعْضُهَا مَجَازٌ اتِّفَاقًا فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَكُونُ مُحْتَمِلًا لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ، وَالِاحْتِمَالُ يُوجِبُ التَّوْقِيفَ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ فَالتَّوَقُّفُ عِنْدَهُ فِي تَعْيِينِ الْمُرَادِ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ لَا فِي تَعْيِينِ الْمَوْضُوعِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مَوْضُوعُ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ لِلْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَالتَّهْدِيدِ، وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إلَى التَّوَقُّفِ، وَتَعْيِينِ الْمَوْضُوعِ لَهُ أَنَّهُ الْوُجُوبُ فَقَطْ أَوْ النَّدْبُ فَقَطْ أَوْ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا لَفْظًا.
(قَوْلُهُ التَّأْدِيبُ) هُوَ قَرِيبٌ مِنْ النَّدْبِ إلَّا أَنَّ النَّدْبَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَالتَّأْدِيبَ لِتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَإِصْلَاحِ الْعَادَاتِ، وَكَذَا الْإِرْشَادُ قَرِيبٌ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالتَّهْدِيدُ هُوَ التَّخْوِيفُ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ الْإِنْذَارُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا﴾ [الزمر: ٨] فَإِنَّهُ إبْلَاغٌ مَعَ تَخْوِيفٍ، وَقَوْلُهُ كُلُوا لِلِامْتِنَانِ عَلَى الْعِبَادِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢]، وَقَوْلُهُ اُدْخُلُوهَا، أَيْ الْجَنَّةَ لِلْإِكْرَامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، وَقَوْلُهُ: انْجَلِي، أَيْ انْكَشِفِي جَعَلَهُ لِلتَّمَنِّي؛ لِأَنَّهُ اسْتَطَالَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى كَانَ انْجِلَاؤُهَا بِالصُّبْحِ مِنْ قَبِيلِ الْمُحَالَاتِ الَّتِي لَا رَجَاءَ فِي حُصُولِهَا، وَقَوْلُهُ أَلْقُوا احْتِقَارٌ لِسِحْرِ السَّحَرَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعْجِزَةِ الْبَاهِرَةِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَالتَّكْوِينُ هُوَ الْإِيجَادُ.
(قَوْلُهُ قُلْنَا) إبْطَالُ دَلِيلِ التَّوَقُّفِ بِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِالنَّهْيِ فَإِنَّهُ أَيْضًا يُسْتَعْمَلُ لِمَعَانٍ مَعَ أَنَّ مُوجَبَهُ لَيْسَ التَّوَقُّفَ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُوجَبُ " افْعَلْ، وَلَا تَفْعَلْ " وَاحِدًا ثُمَّ عَارَضَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوجَبُ الْأَمْرِ هُوَ التَّوَقُّفَ لَكَانَ مُوجَبُ النَّهْيِ، أَيْضًا التَّوَقُّفَ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالِانْتِهَاءِ وَكَفِّ النَّفْسِ عَنْ الْفِعْلِ، ثُمَّ أَبْطَلَ الْمُقَدِّمَةَ الْقَائِلَةَ: إنَّ الِاحْتِمَالَ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ لِاحْتِمَالِ تَبَدُّلِهَا فِي السَّاعَاتِ أَوْ بُطْلَانَ حَقَائِقِ الْأَلْفَاظِ وَلَا يَتَحَقَّقُ حَمْلُهَا عَلَى مَعَانِيهَا لِاحْتِمَالِ نَسْخٍ أَوْ خُصُوصٍ أَوْ مَجَازٍ أَوْ اشْتِرَاكٍ. الثَّانِي إلَّا إنْ بَانَ أَنَّهُ إنَّمَا يُنَافِي الْقَطْعَ بِأَحَدِ الْمَعَانِي لَا الظُّهُورَ فِيهِ، وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّ الْأَمْرَ مُحْكَمٌ فِي أَحَدِ الْمَعَانِي

1 / 293