Al-Takhreej According to Jurists and Usul Scholars
التخريج عند الفقهاء والأصوليين
Maison d'édition
مكتبة الرشد
Lieu d'édition
الرياض
التخريج
عند الفقهاء والأصوليين
(دراسة نظرية تطبيقية تأصيلية)
الدكتور
يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين
الأستاذ المشارك بقسم أصول الفقه
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
مكتبة الرشد
الرياض
1 / 3
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله على كثير فضله وعظيم آلائه، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم رسله وأنبيائه.
وبعد:
فمنذ سنوات غير قليلة، بل منذ أن أقرت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تدريس موضوع (تخريج الفروع على الأصول) على طلبة الدراسات العليا، وأنا أقوم بتدريس هذه المادة، وحينما بدأت لم يكن هناك منهج محدد، ولا معالم معينة لهذا الموضوع، وقد قمت بالاتصال بجهات عدة، وبذلت جهودًا شخصية لدى عدد من أساتذة الجامعات الإسلامية، وطلبة الدراسات العليا فيها، ممن كان لهم سبق زمني في إقرار تدريس هذه المادة، فلم أظفر من ذلك بطائل، ولا وجدت ما يشفي الغليل، لكني وجدت أنّ منهج الدراسات العليا في جامعة أم القرى، اشتمل على أمرين:
الأمر الأول: كان يضم تمهيدًا في التعريف بعلم تخريج الفروع على الأصول، وأهميته، ونشأته وتطوره ومصادره والتعريف بها، وعلاقة هذا العلم بعلم الأصول، والفرق بينه وبين علمي الأشباه والنظائر والفروق.
كما ضم البحث عن أسباب الاختلاف في الفروع.
والأمر الثاني: كان قسمًا تطبيقيًا يتضمن دراسة عدد من الموضوعات، منها ما هو قواعد مختلف فيها، ومنها ما هي أدلة مختلف فيها.
ولم أردت أن أعرف طبيعة ما درس في موضوعات الأمر الأول، لم
1 / 5
أجد هناك مادة مدروسة تحدد العلم، وتبين نطاقه ومشتملاته، ولهذا فقد اتخذت من تصوراتي منطلقًا لبيان أبعاد هذا الموضوع. وكانت هذه التصورات في بداية الأمر، محدودة، تقتصر على تخريج الفروع على الأصول، متخذة من منهج الزنجاني، وتصوراته مثالًا يحتذى، غير أني لاحت عند ممارستي تدريس هذا العلم، والنظر في جوانبه المختلفة، أن نطاق التخريج أوسع من ذلك، وتكشفت لي خلال سنوات التدريس قضايا كثيرة، اضطررت معها إلى تغيير خطتي التدريسية، وإلى تنويع التخريج بحسب نتائجه وأصوله التي استند إليها، فتميزت لديّ ثلاثة أنواع من التخريج، هي:
الأول: تخريج الأصول من الفروع، وهو الأساس في تأسيس أصول فقه الأئمة الذين لم يدونوا أصولًا، ولم ينصوا على قواعدهم في الاستنباط، أو نصوا على قسم منها، ولم ينقل عنهم شيء بشأن قسمها الآخر.
الثاني: تخريج الفروع على الأصول، وهو النمط الظاهر في كتاب تخريج الفروع على الأصول للزنجاني، وما أشبهه من الكتب التي نحت هذا المنحى.
الثالث: تخريج الفروع على الفروع، وهو النوع الذي حظي بعناية الفقهاء والأصوليين أكثر من غيره، سواء كان في الكتب المفردة عن الافتاء، أو في الكتب الأصولية في مباحث الاجتهاد والتقليد، أو في مواضع منثورة من كتب الفقهاء.
ولم أجد دراسة نظرية تؤصل علم التخريج، وتبين لنا حدوده ومعالمه، ولكني أشيد بما نشره الزميل د/ عياض بن نامي السلمي في بحثه المنشور في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (١)، بعنوان: ٠تحرير المقال فيما تصح نسبته للمجتهد من أقوال) ولكنه لم يبحث إلا في النوع الثالث من
(١) العدد ٧ سنة ١٤١٣هـ/١٩٩٢م.
1 / 6
التخريج، مقتصرًا على بحث صحة نسبة الأقوال المخرجة إلى الأئمة، دون أن يوضح معالم هذا العلم، ولكنه كان لبنة قيمة في هذا المجال.
وقد أدى هذا التصور للتخريج أن أجري طائفة من التغييرات على ما كنت أعده من محاضرات بهذا الشأن، وعدلت فيما كنت أطرحه من آراء، فأصبحت أنظر إلى التخريج على أنه أنواع من العلوم، يشملها جنس واحد هو التخريج.
ومن الملاحظ أن الأنواع الثلاثة من التخريج التي ذكرتها آنفًا تمثل نوعين متعاكسين من التخريج، أحدهما يتجه إلى تخريج القواعد والضوابط الكلية من الفروع والجزئيات، وثانيهما يتجه، على العكس من ذلك، إلى تخريج الفروع والجزئيات، إما ببنائها على القواعد الكلية، أو ببنائها على جزئيات مثلها.
ولما استقر ذلك عندي، بدا لي أن أضيف إليه أمرًا ذا صلة بالتخريج، هو صفات المجتهد وشروط العلماء الذين يقومون به، ومنزلتهم بين طبقات الفقهاء، ومراتب الأقوال التي يخرجونها، وتسميتها وصفاتها.
وتحت إلحاح الكثيرين من أخواني الأساتذة والعلماء، ومن أبنائي طلبة الدراسات العليا، رأيت إخراج ما تجمع لدي من معلومات عن هذا العلم، مع ثقتي بأنه في حاجة إلى زيادة تنقيح، وربما إلى إضافة ما يمكن أن يدخل في نطاقه. على أنه مهما يكن من أمر، فقد بذلت جهدًا غير قليل في تأصيل هذا العلم، وإقامته على سوقه، وربما كانت هذه أول دراسة تأصيلية نظرية تطبيقية له. ولهذا فإن الباحث في حاجة إلى معرفة وجهات نظر العلماء وملحوظاتهم، من أجل تقويم هذا البحث وتلافي ما فيه من هنات.
وقد رتبت هذا البحث على تمهيد وبابين وخاتمة.
التمهيد: في تعريف التخريج لغة واصطلاحًا وبيان أنواعه.
الباب الأول: في أنواع التخريج، ويشتمل على ثلاثة فصول:-
1 / 7
الفصل الأول: في تخريج الأصول من الفروع.
الفصل الثاني: في تخريج الفروع على الأصول.
الفصل الثالث: في تخريج الفروع على الفروع.
الباب الثاني: ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في مراتب المخرجين بين طبقات الفقهاء.
الفصل الثاني: في شروط وصفات علماء التخريج.
الفصل الثالث: في أنواع الأحكام المخرجة وصفاتها.
والخاتمة: في ذكر أحكام بعض الوقائع المعاصرة المخرجة على أصول وفروع الأئمة.
هذا والله أسأل أن يسدد على طريق الحق خطاي، وأن يلهمني، في ما أذهب إليه، الصواب .. وأن يريني الحق حقًا ويرزقني اتباعه، وأن يريني الباطل باطلًا ويرزقني اجتنابه.
وصلى الله على نبينا محمد ...
1 / 8
تمهيد
في تعريف التخريج وبيان أنواعه
معناه في اللغة: قال ابن فارس: الخاء والراء والجيم أصلان.
قال: وقد يمكن الجمع فيهما:
فالأول: النفاذ عن الشيء.
والثاني: اختلاف لونين (١).
ويبدو من خلال تتبع معاني المادة في المعاجم أن المعنى الأول هو الأكثر استعمالًا، فالخروج عن الشيء هو النفاذ عنه وتجاوزه، ومنه خراج الأرض وهو غلتها.
ويبدو أن هذا المعنى هو الأقرب لما نحن فيه، فالتخريج مصدر للفعل خرج المضعف، وهوي فيد التعدية بأن لا يكون الخروج ذاتيًا، بل من خارج عنه، ومثله أخرج الشيء واستخرجه فإنهما بمعنى استنبطه، وطلب إليه أن يخرج (٢).
ويقال أيضًا خرج فلانًا في العلم أو الصناعة دربه وعلمه، والمصدر تخريج (٣).
معناه في الاصطلاح:
وقد استعمل لفظ (التخريج) في طائفة من العلوم، فأصبحت
(١) معجم مقاييس اللغة.
(٢) راجع: لسان العرب، والقاموس المحيط في مادة (خرج) باب الجيم فصل الخاء.
(٣) المعجم الوسيط (مادة خرج) ص ٢٢٤.
1 / 9
استعمالاته عندهم تعني مصطلحًا خاصًا، كما هو الشأن عند علماء الحديث، وعلماء الفقه والأصول، وسنذكر فيما يأتي معناه عندهم:
١ - معناه عند المحدثين:
أطلق المحدثون التخريج على ذكر المؤلف الحديث بإسناده في كتابه (١). ومنه قولهم: هذا الحديث خرجه أو أخرجه فلان بمعنى واحد هو ما ذكرناه.
وذكر بعضهم أنه عند المحدثين (إيراد الحديث من طريق أو طرق أخر تشهد بصحته، ولابد من موافقتها له لفظًا ومعنى) (٢).
وحده بعضهم بأنه "عزو الحديث إلى مصدره أو مصادره من كتب السنة المشرفة، وتتبع طرقه وأسانيده وحال رجاله وبيان درجته قوة وضعفًا" (٣).
وعلى هذا فالتخريج لا يقتصر على ذكر الأسانيد، بل لابد من بيان أمر رجال الحديث وقوة أسانيده، والحكم عليه قوة وضعفًا، وبيان صحته أو عدمها.
ولتخريج الأحاديث طرق متعددة، وفوائد كثيرة، لعل من أهمها جمع الطرق التي جاء الحديث منها، وجمع ألفاظ متن الحديث (٤).
(١) قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث ص ٢١٩ لمحمد جمال الدين القاسمي.
(٢) القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا ص ١١٤ لسعدي بن أبي حبيب.
(٣) تخريج أحاديث اللمع في أصول الفقه ص ١٠ لعبد الله بن محمد الصديقي الغماري، نقله عنه صبحي السامرائي في مقدمته لكتاب تخريج أحاديث مختصر المنهاج للحاف العراقي. كما ورد بمقدمة تحقيق كتاب الغماري المذكور.
وبهذا المعنى للتخريج عرفه د/ محمود الطحان، فقال في كتابه "أصول التخريج ودراسة الأسانيد" (هو الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصيلة التي أخرجته بسنده، ثم بيان مرتبته عند الحاجة).
(٤) طرق تخريج حديث رسول الله ﷺ ص ١٤، للدكتور/ أبو محمد عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي.
هذا وللمحدثين طرق متنوعة لتخريج الحديث اشتهر منها خمسة. ولمعرفة ذلك ... =
1 / 10
كما أطلق المحدثون التخريج على الإشارة إلى كتابة الساقط من المتن في الحواشي وهو المسمى اللحق، أو التنبيه على شرح أو غلط أو اختلاف رواية أو نسخة أو غير ذلك (١). ولهم في بيان كيفية تخريج السقط ضوابط خاصة.
٢ - معناه عند الفقهاء والأصوليين:
وإذا تأملنا استعمالات الفقهاء والأصوليين، وجدنا أن مصطلح التخريج يدور في أكثر من نطاق، وأنهم لم يستعملوه بمعنى واحد، وإن كان بين هذه المعاني تقارب وتلاحم، فمن تلك الاستعمالات:
(١) = ومعرفة الأمثلة والمراجع في هذا المجال، راجع:
أصول التخريج ودراسة الأسانيد للدكتور/ محمود الطحان ص ٣٥ - ١٣٣، ومفاتيح علوم الحديث وطرق تخريجه لمحمد عثمان الخشت ص ١٣١ - ١٥١.
() من المختار عند المحدثين في ذلك (أن يخط من موضع سقوطه من السطر خطا صاعدًا إلى فوق ثم يعطفه بين السطرين عطفة يسيرة إلى جهة الحاشية التي يكتب فيها اللحق، ويبدأ في الحاشية بكتابة اللحق مقابلًا للخط المنعطف وليكن ذلك في حاشيته ذات اليمين، وإن كانت تلي وسط الورقة، إن اتسعت له فليكتبه صاعدًا إلى أعلى الورقة لا نازلًا به إلى أسفل).
لاحظ في ذلك:
-التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح ص ٢١١ - ٢١٣ لعبد الرحيم بن الحسين العراقي [ت٨٠٦هـ] بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان.
وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي أيضًا ٣/ ٢٩ - ٣٢.
تفاصيل كيفية التخريج يمينًا وشمالًا وإلى الجهات الأخرى تلاحظ في فتح المغيث هذا.
وهناك ضوابط متعددة تتعلق بالكيفيات المتعددة بتعدد موضع اسقط، ومن رأي القاضي عياض أن لا يخرج لغير السقط خط، لئلا يدخل اللبس ويحسب من الأصل. فلذا توضع له علامة أخرى كالتضبيب، ولم يرتض الحافظ العراقي ذلك، ورأى أن تخريج السقط يوضع بين الكلمتين فلا يلتبس بغيره. (راجع: التقييد والإيضاح ص ٢١٣).
1 / 11
ما توصلوا إليه من أحكام، في المسائل الفقهية المنقولة عنهم، وذلك من خلال تتبع تلك الفروع الفقهية واستقرائها استقراء شاملًا يجعل المخرج يطمئن إلى ما توصل إليه، فيحكم بنسبة الأصل إلى ذلك الإمام.
ب) إطلاق التخريج على رد الخلافات الفقهية إلى القواعد الأصولية، على نمط ما في كتاب (تخريج الفروع على الأصول) للزنجاني، أو التمهيد في تخريج الفروع على الأصول) للأسنوي، أو (القواعد، والفوائد الأصولية والفقهية) لابن اللحام.
وهو بهذا المعنى يتصل اتصالًا واضحًا بالجدل وبأسباب اختلاف الفقهاء، إذ هو في حقيقته يتناول واحدًا من تلك الأسباب، وهو الاختلاف في القواعد الأصولية، وما ينبني على ذلك الاختلاف من اختلاف في الفروع الفقهية، سواء كانت في إطار مذهب معين، أو في إطار المذاهب المختلفة، وقد يتسع هذا المجال فيشمل من أسباب الاختلاف ما هو خلاف في الضوابط أو بعض القواعد الفقهية، كما هو الشأن في كتاب (تأسيس النظر) المنسوب إلى أبي زيد الدبوسي. وهذا هو ما اصطلح عليه بـ: (تخريج الفروع على الأصول).
ج) وقد يكون التخريج - وهذا هو غالب استعمال الفقهاء - بمعنى الاستنباط المقيد، أي بيان رأي الإمام في المسائل الجزئية التي لم يرد عنه فيها نص، عن طريق إلحاقها بما يشبهها من المسائل المروية عنه، أو بإدخالها تحت قاعدة من قواعده، والتخريج بهذا المعنى هو ما تكلم عنه الفقهاء والأصوليون في مباحث الاجتهاد والتقليد، وفي الكتب المتعلقة بأحكام الفتوى.
د) وقد يطلقون التخريج بمعنى التعليل، أو توجيه الآراء المنقولة عن الأئمة وبيان مآخذهم فيها، عن طريق استخراج واستنباط العلة وإضافة الحكم إليها (١). بحسب اجتهاد المخرج، وهو في حقيقته راجع إلى المعاني
(١) شرح مختصر الروضة للطوفي ٣/ ٢٤٢ ولاحظ قول الآمدي في الرد على دليل =
1 / 12
السابقة، لأن تلك المعاني لا يتحقق أي منها دون التعليل والتوجيه، ومن هذا القبيل ما يسمى (تخريج المناط).
لكن الذي نهتم به من إطلاقات التخريج، هو ما يصلح أن يكون عنوانًا لعلم مستقل، نسعى لتأصيله، وبيان مقوماته، ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن التخريج يتنوع إلى الآتي:
١ - تخريج الأصول من الفروع.
٢ - تخريج الفروع على الأصول.
٣ - تخريج الفروع من الفروع.
ونظرًا إلى مثل هذا الاختلاف في معنى التخريج عند الفقهاء والأصوليين (١)، فإنه من الصعب أن نعطي عن نشأة التخريج بكل هذه المعاني تاريخًا واحدًا، أو أن نتحدث عنها بكلام واحد، ولهذا فإننا سنتحدث عن كل منها على انفراد، مبينين ما يتعلق بها نشأة وتاريخًا وأحكامًا.
(١) = الخصم: (وما ذكروه فقد سبق تخريجه في مسألة تكليف ما لا يطاق) الأحكام ٤/ ١٨١، وهو يقصد بذلك تأويله وتوجيهه أو تعليله بما يجعله دليلًا معارضًا لرأيه. ومثل ذلك عنده، كثير.
() من الملاحظ أن هناك إطلاقات خاصة لبعض العلماء على التخريج، لم نذكرها في المتن لعدم عمومها بين العلماء. فقد كان ابن الحاجب ﵀ مثلًا يطلق التخريج على ما قابل الاتفاق، وعلى ما قابل المعروف، وعلى ما قابل المنصوص، وفي أحيان كان يسمى التخريج (الاستقراء).
(انظر: ص١٠٩ و١١٠ من كتاب كشف النقاب الحاجب من مصطلح ابن الحاجب لابن فرحون).
1 / 13