285

La Biographie du Prophète

السيرة النبوية

Enquêteur

طه عبد الرؤوف سعد

Maison d'édition

شركة الطباعة الفنية المتحدة

فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتهمْ إلَيْهِمَا، وَرَدَدْتُهُمْ إلَى قومِهم، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ منعتهم منهما، وأحسنت جوارَهم ما جاوروني.
الحوار الذي دار بين المهاجرين والنجاشي: قَالَتْ: ثُمَّ أَرْسَلَ إلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رسوله اجتمعوا، قَالَ بعضُهم لِبَعْضِ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إذَا جِئْتُمُوهُ؛ قَالُوا: نَقُولُ وَاَللَّهِ مَا عَلِمْنَا، وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَمَّا جَاءُوا، وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ، فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ سَأَلَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي قَدْ فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ، وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي، وَلَا فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ المِلل؟ قَالَتْ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بن أبي طالب، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، ونأكلُ الميتةَ، وَنَأْتِي الفواحشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ. وَنُسِيءُ الْجِوَارَ وَيَأْكُلُ القويُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نسبَه وصدقَه وَأَمَانَتَهُ وعفافَه، فَدَعَانَا إلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ ما كنا نعبد نحن وآباؤنا مِنْ الحجارةِ والأوثانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وصلةِ الرَّحمِ وحسنِ الْجِوَارِ، والكفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ –قَالَتْ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الِإسلام– فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ، وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّهِ، فَعَبَدْنَا اللهَ وحدَه، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وحرَّمنا مَا حرَّم عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قومُنا، فَعَذَّبُونَا، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا، لِيَرُدُّونَا إلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وأن نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إلَى بِلَادِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ؛ وَرَغِبْنَا فِي جوارِك، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظلَم عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ؛ فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْهُ عليَّ؛ قَالَتْ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ: "كهيعص" قَالَتْ: فَبَكَى وَاَللَّهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُّوا مصاحفَهم، حِينَ سَمِعُوا مَا تَلَا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشكاةٍ وَاحِدَةٍ، انطلِقَا، فَلَا وَاَللَّهِ لا أسلمهم إليكما، ولا يُكَادون.
رأي المهاجرين في عيسى أمام النجاشيٍ: قَالَتْ: فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاَللَّهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا عَنْهُمْ بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضرَاءَهم. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَكَانَ أَتْقَى الرجلين فينا: لا تفعل فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا؛ قَالَ: وَاَللَّهِ لأخبرنَّه

1 / 290