Intercession - Part of 'Al-Mu’allimi’s Works'

الشفاعة

Enquêteur

عدنان بن صفا خان البخاري

Maison d'édition

دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٣٤ هـ

الرسالة الثامنة
رسالة في الشفاعة

6 / 295

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شفع الوعد بالوعيد، والترغيب بالترهيب، والتبشير بالإنذار، وخلق الجنة بخلق النار، ونهى عن الأمن من مكره، كما نهى عن اليأس من رحمته؛ ليكفَّ عباده عن العلو والتقصير، ويقيمهم على الصراط المستقيم، قال عزَّ من قائل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧].
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، شهدت بذلك غرائز الفِطَر، وشفعها صحيح النَّظَر، وعزَّزها الوحي المُسْتَطَر، ولم يَرْتب فيها إلَّا من عاند وأصرَّ.
وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وخصَّه بالشفاعة الكبرى في المقام المحمود، والوسيلة العليا في اليوم المشهود. صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى إخوانه النبيين والمرسلين، وآله الغُرِّ الميامين، وأصحابه الهداة المهديين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فإنَّ صراط الهدى كصراط الجزاء، ذاك صراط على متن النار، لها عذابٌ ووبال، وهذا على متن الباطل، بين غضبٍ وضلال، ولا يمين لهذا ولا ذاك، بل كلتا الجهتين شمال.
فقلَّ قضيَّة من قضايا الحق إلَّا وقد شرَّق عنها قومٌ وغرَّب آخرون، ومن ذلك الشفاعة عند الله ﷿، غَلَت فيها أُممٌ، فعبدوا من طمعوا أن يشفع

6 / 297

لهم، قال الله عزَّو جلَّ: [﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (^١)].
وقصَّر المعتزلة من المسلمين، نُقِل عنهم أنَّهم لا يثبتون شفاعةً في الأخرى، إلَّا شفاعة النَّبي ﵌ لفصل القضاء.
وتوسّع المتأخّرون من أهل السنَّة، فأثبتوا أنواعًا من الشفاعة، و[أجملوا فيها]، ووصل الأمر إلى القُصَّاص والمتصوّفة والمدّاحين المغرمين (^٢) بمدح النَّبي ﵌، وإطراء المشهورين بالولاية من أمَّته، فبلغوا في ذلك كلَّ مبلغ.
قال بعضهم: قد قال الله ﷿ لرسوله ﵌: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]، ولن يرضى ﵌ أن يعذَّب أحدٌ من أمَّته (^٣).

(^١) بيَّض المؤلِّف للآية، فكتبتها.
(^٢) في الأصل: "والمداحون المغرمون".
(^٣) نُسِب إلى الشِّبلي كما في "تلبيس إبليس" لابن الجوزي (ص ٤٢٢) قوله: "والله لا رضي محمدٌ ﷺ وفي النار من أمَّته أحدٌ! ثم قال: إنَّ محمدًا يشفع في أمَّته وأشفع بعده في النار حتى لا يبقى فيها أحد"!
وقد رُوِيَ مسندًا موقوفًا على ابن عباس ﵄ كما في "الدُّر المنثور للسيوطي" تفسير سورة الضحى، أنَّه قال في تفسير الآية: "لا يرضى محمدٌ وأحدٌ من أُمَّته في النار". وعدم البقاء في النار أخص من نفي التعذيب ألبتة، كما هو نقل المؤلِّف عنهم.

6 / 298

وعسى أن يقول آخر: قد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فلن يرضى ﵌ أن يعذّب أحدٌ من العالمين.
وجماعةٌ من شيوخ المتصوّفة يقول أحدهم: ليس على مريدي حسابٌ ولا عقابٌ، فأتاح لهم الكبائر وترك الفرائض، وبعضهم يصرِّح بذلك، فيقول لمريديه: لا تعذِّبوا أنفسكم، اعملوا ما تهواه أنفسكم، وأنا لكم واجب القصاص (^١).
والمشايخ إلى العامة أشدهم ترخيصا لهم، والمنتسبون إلى العلم منهم مَن حظُّه من العلم مطالعة كتب الفضائل والمناقب والتصوّف، وهؤلاء هم القُصَّاص والمشايخ الذين شكونا منهم.
ومنهم من قرأ وطالع كتب المتأخرين في الفقه، ثم إمَّا يدمج نفسه في القسم المتقدّم، لما يشاهده من رواجهم على الناس، وإمَّا أن يقتصر على تعليم مختصرات الفقه والفتوى، ويقف عند ذلك، فإن خالف أهل القسم الأول ففيما أفرط فيه غلاتهم جدًّا فقط.
ومنهم من يحاذر ذلك، فيقرأ بعض التفاسير وبعض كتب الحديث، ويشتغل بإقرائها ويقتصر على ذلك، وإذا عرَض له ما ينافي ما شاع بين الناس في الشفاعة خاف على نفسه من الكفر والضلال، فقطع التفكّر وصرف نفسه

(^١) نقل ذلك عنهم أبو الحسن الأشعري في "مقالات الإسلاميين" (ص ٢٨٩)، وتنظر نقول أخرى في "التصوف، المنشأ والمصدر" لإحسان إلهي ظهير (ص ٢٦٢) وما بعدها.

6 / 299

عن التدبّر.
ومنهم من طال باعه واتّسع اطّلاعه، ولكنّه أخلد إلى ما شاع بين الناس؛ لأنَّه قد رسخ في نفسه قبل اتّساعه، ولأنَّه يرى أنَّ خلافه إن لم يكن خرقًا للإجماع فهو خلاف للمشهور الذي عليه الجمهور، ويخشى أن يكون خلافه لذلك هلاكًا في دينه ودنياه.
أمَّا في دينه فلخشية أن يكون الخلاف انتقاصًا للنَّبيِّ ﵌ وأولياء أمَّته.
وأمَّا في دنياه فلِعِلمه أنَّه إن أظهر خلاف ما شاع ضلَّلوه وكفَّروه وآذوه، وربَّما قتلوه، وأيسر ما يناله أن يصير مبغوضًا ممقوتًا، يعانده الناس في دنياه، فتضيق عليه المسالك.
فأخذ يتأوَّل ويتمحّل ويتكلَّف الطعن في أدلَّة الحِسِّ الصحيحة وتلفيق الشبهات لموافقة ما يخالفها.
ومنهم مَن بان له الحق واتَّضح له السبيل، ولكن لم تطعه نفسه لمعارضة الناس أحوج ما يكون إليهم، والتعرّض لمقتهم وبغضهم وعداوتهم وأذاهم، فطوى على علمه كشحا وضرب عن المصارحة صفحًا، إلَّا إشارات يُسِرُّ بها إلى من يأنس به من تلامذته وأصحابه، ويلوّح بها في بعض كتبه.
وبالجملة فإنَّ الغلو المفرط، كالقول بأنَّه لا يعذر من هذه الأمَّة أحدٌ، وقول بعض المشايخ برفع التكليف عن مريديه = تجد بحمد الله كثيرًا من أهل العلم قد صرَّحوا بإبطاله والتشنيع عليه وعلى قائله، وأشاروا ــ وربَّما

6 / 300

صرَّح بعضهم ــ بردِّ ما دونه، إلَّا أني لا أعلم من صمد لتحقيق مسألة الشفاعة كلها، واجتثاث شجرة الخطأ فيها من أصلها.
وقد جمعتُ رسالةً مطوَّلةً في تحقيق العبادة المطلقة، أي: أعم من أن تكون لله ﷿ أو لغيره، فوجدت عبادة غيره تشابك مسألة الشفاعة، بحيث لا يمكن تحديد العبادة ما لم تتحدّد الشفاعة وما يتعلَّق بها. ولهذا لا تكاد تجد موضعًا في القرآن تقام فيه الحُجَّة على المشركين إلَّا وفيه التعرُّض للشفاعة، فرأيت أن أفرد مسألة الشفاعة برسالة، تحيط بفروعها، متضرِّعًا إلى مقلّب القلوب أن يثبِّت قلبي على دينه، ويهديني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه.

6 / 301

مقدِّمة
الشفاعة في اللُّغة مأخوذة من الشَّفع، وهو مقابل الوتر، ويقال (شفَعَه) أي: انضمَّ إليه، فصار معه شفعًا.
قال الراغب: "والشفاعة الانضمام إلى آخر، ناصًرا له وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمةً ومرتبةً إلى من هو أدنى" (^١).
أقول: وكأنَّ (شَفَع) ضُمِّن معنى سأل ورغب، فقولهم: (شفعتُ لزيدٍ إلى فلان) كأنَّ تقديره: شفعتُ زيدًا سائلًا له قضاء حاجةٍ راغبًا إلى فلان، وقولهم: (شفعت إلى زيدٍ في فلان) كأنَّ أصله: شفعتُ فلانًا راغبًا إلى زيدٍ في شأنه.
إنَّ النَّبيَّ ﵌ كلَّم بريرة بعد أن أعتقتها زوجته عائشة أن تقيم مع زوجها، فقالت: أتأمرني؟ قال: "لا، إنَّما أنا شافعٌ". قالت: لا حاجة لي فيه (^٢)! فلم يلمها النَّبي ﵌ في ردِّها شفاعته.
ويعلم من هذا أنَّ الشافع ينزل نفسه منزلة من يرغب في حاجةٍ لنفسه، إن شاء المشفوع إليه قبل، مكرمًا له، وإن شاء أبى. وأنَّه ليس من شأن الشافع أن يغضب على المشفوع إليه إذا أبى، ولا يتكدَّر منه، وإلَّا لم يكن شافعًا بل آمرًا.
وعُلِم منه أيضًا أنَّه ليس من شرط الشفاعة أن تكون من أدنى لأعلى،

(^١) "مفردات القرآن" (٤٥٧).
(^٢) أخرجه البخاري (٥٢٨٣) وغيرها، من حديث ابن عباس ﵄.

6 / 302

ولكن من شرطها أن لا يكون الشافع مالكًا للحاجة، فلا يتصوَّر في حقِّ الله ﵎ أن يشفع إلى أحدٍ؛ لأنَّه مالك الملك كله، وقد جاء في الحديث: ["فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبَّار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضةً من النار، فيخرج أقوامًا قد امتُحِشوا، فيُلقَون فى نهرٍ بأفواه الجنة، يُقال له: ماء الحياة، فينبتون فى حافتيه كما تنبت الحِبَّة فى حميل السيل .. " (^١)] (^٢).
فصلٌ
والشفاعة عند الله ﷿ أقسام:
الأول: شفاعة إنسان في هذه الحياة الدنيويَّة لحيٍّ أو ميتٍ، والغالب في هذه تسميتها (دعاء)، وفيها مباحث:
الأول: في حكم طلب الدعاء: اتفقت الأمة على جواز طلب الدعاء ممَّن هو حيٌّ هذه الحياة الدنيا طلبًا عاديًا، كأن يخاطب السائل المسئول وهو حاضرٌ عنده، أو يكتب إليه كتابًا، أو يرسل إليه رسولًا، أو نحو ذلك.
فأمَّا أن يهتف به وهو غائبٌ، بحيث يعلم أنَّه لا يسمع كلامه بحسب العادة فلا، وقد أوضحت حكم ذلك في "رسالة العبادة".
وذكر بعض أهل العلم (^٣) أنَّ طلب الدعاء لا يخلو من كراهية، واستدلَّ

(^١) أخرجه البخاري (٧٤٣٩) وغيره، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(^٢) بيَّض المؤلّف للحديث فأتممته.
(^٣) لعلّه ابن تيمية، ينظر قوله في "مجموع الفتاوى" (١/ ١٨٢)، وغيرها.

6 / 303

على ذلك بحديث "الصَّحيحين" (^١)، في الذين يدخلون الجنَّة بغير حساب: "هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون".
وبأنَّ كبار الصحابة لم يكونوا يسألون النبيَّ ﵌ الدعاء لأنفسهم، بل كانوا يجتهدون في أعمال الخير التي [رضاها] الله تعالى ورسوله ﵌.
وأنَّ الناس بعد النَّبي ﵌ لم يكونوا يسألون كبار الصحابة الدعاء إلَّا ما ندر.
وأنَّ رجلًا كتب إلى عمر [......................................... (^٢)]
والذي تلخَّص لي أنَّ الأصل الجواز، وإنَّما يكره أو يكون خلاف الأولى لعارضٍ.
فمن ذلك: أن تكون الحاجة دنيويَّة غير ضرورية، وهي للطالب نفسه، فالمؤمن يرجو من الله ﷿ أن يختار له ما يعلمه خيرًا له، ودعاؤه لنفسه لا ينافي هذا؛ لأنَّ الدعاء نفسه عبادة، مع أنَّ الله ﷿ قد وعد بالإجابة بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وفسَّر النَّبيَّ ﵌ الإجابة بقوله: ["ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن تعجل له دعوته وإما أن يدخرها له فى الآخرة وإما أن يصرف عنه من

(^١) البخاري (٥٧٠٥) ومسلم (٢١٨)، من حديث عمران بن حصين ﵄.
(^٢) بيَّض له المؤلِّف، ولم يتبيَّن لي مراده!

6 / 304

السوء مثلها". قالوا: إذًا نكثر؟ قال: "الله أكثر" (^١)] (^٢).
فالمؤمن في دعائه لنفسه مأجورٌ على الدعاء، موعودٌ بما يختاره الله ﷿ له من إعطائه عين ما طلبَه، أوإعطائه ما هو خيرٌ له من مطلوبه.
فطلب الدعاء يشير بأنَّ الطالب حريصٌ على قضاء حاجته، وإن كان الله ﷿ يعلم أنَّه شرٌّ له، وقد كان النَّبي ﵌ يرشد مَن يطلب منه الدعاء، إلى أنَّ الصبر خيرٌ له.
فمن ذلك: [حديث المرأة السوداء التي أتت النبي ﵌ فقالت: إنِّي أصرع، وإنِّي أتكشَّف فادع الله لي، فقال: "إن شئتِ صَبَرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيك"، فقالت: أصبر، فقالت: إنِّي أتكشَّف، فادع الله أن لا أتكشَّف، فدعا لها (^٣).
ومنه: حديث خباب بن الأَرَتِّ ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله

(^١) بيَّض له المؤلِّف، فذكرته.
(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ١٨)، والترمذي (٣٥٧٣)، والحاكم (١/ ٦٧٠)، وغيرهم، من أحاديث عدّةٍ، جابر وأبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت وغيرهم ﵃.
قال الترمذي: "حسن صحيح"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (٦/ ٤٤١): "بأسانيد جيّدة"، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الضعيفة" تحت الحديث (٤٤٨٣)، وفي "صحيح الأدب المفرد" (٢٦٤).
(^٣) أخرجه البخاري (٥٦٥٢) ومسلم (٢٥٧٦) وغيرهما، من حديث ابن عباس ﵄.

6 / 305