الرياض المستطابة في جملة من روي في الصحيحين من الصحابة

الرياض المستطابة في جملة من روي في الصحيحين من الصحابة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، الملك الجليل الذي أرسل محمدا ، ، بواضح الدليل ، وأذل لوطأته أهل الشرك والأباطيل ، بعثه من خير القرون في أعز قبيل ونوه بقذره وقدرهم في آي كثيرة من التنزيل ، وأظهر لنا أمثالهم في التوراة والإنجيل فقال تعالى ، مثنيا عليهم في صورة التمثيل :

« محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطيه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ، يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما (1)».

وصلى الله عليه وعليهم ما ناح هديل ، ورسا حراء (2) وطفيل

(1

وبعد ، فإنه لما اختص أصحاب النبي ، ، بشرف الصحبة

Page 8

وامتاز الآل منهم بفضيلة القربى ، وكانوا كالوالدين لنا حيث كانوا نقلة ديننا والمؤدين إلينا عن نبينا وقبح منا أن نجهلهم أو نقصر فيما يجب لهم ، ولزم من ذلك ذكر تواريخهم وفضائلهم والإبانة عن حسن شمائلهم ، وكان في الاشتغال بذلك خدمة للسنن النبوية ، وريما يكون داعيا للنفوس إلى التخلق ببعض أخلاقهم الزكية - دعاني ذلك إلى جمع مختصر ، إن شاء الله ، يتضمن التعريف لمن صح له في الصحيحين روية ورواية ، مرتبا له على الحروف ، ذاكرا في كل واحد منهم كم روى فيهما على الإطلاق؛ ثم ما اتفقا عليه من سنده ؛ ثم ما انفرد به البخاري عنه إن كان ، ثم مسلم كذلك ، ثم أذكر في آخر الحرف ما انفرد به كل واحد منهما من الرجال ، وكم روى عنه ؛ وأذكر في كل واحد منهم من شارك الصحيحين في التخريج عنه من الكتب الأربعة التي هي : سنن أبي داود ، والترمذي ، والنساني ، وابن ماجة ، مع بيان ما أمكن من الضبط في الاسم والنسب واللقب ، وبيان البلد والمولد والوفاة وطرف من مناقبه وعيون أخباره . وأقدم على جميع ذلك مقدمة تتضمن فصولا عظيمة الفوائد ، واضحة المراشد ، يغتبط بها العارف والمنصف ، وتمجها المنحرف المتعسف . واعتمادي في جميع ذلك على التتبع والنقل عن أئمتنا وسلفنا ، أهل السابقةآ

Page 9

والفضل . وكان أول باعث لي على ذلك رجاء الإتقان ، إذ من المعلوم أن من عني بشيء وترصيفه وأبلى نفسه فيه - حري أن يتقنه . ثم رجوت أن ينفعنى الله به وغيري ، وأن يكون من جملة الأعمال الزاكية والحسنات النامية بب. والأعمال بالنيات وبها نظام الأمور الدينيات . وأسأل الله الأعانة والهداية والصيانة ، وسلوك سبل الخيرات ، وتجنب جميع المخالفات ، والدوام على ذلك حتى الممات ، لي ولوالدي ومشائخى وسائر إخواننا وأحبائنا والمسلمين والمسلمات . وحسبنا الله ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير .

Page 10

صل

لى فوائد تتعلق بالصحابة رضي الله عنهم احداها : اختلف في حد (1) الصحابي فقال البخاري في صحيحه : من صحب الني، ل، أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه . وهذه طريقة المحدثين . قال أبو المظفر السمعاني (2)

.وهذا لشرف منزلة النبي، ، أعطوا كل من رآه شرف حكم الصحبة. وحكي عن الأصوليين أو بعضهم أن الصحابي : من طالت صحبته 251

وتكررت مجالسته ، على مقتضى العرف . وقد يطلق اسم الصحبة في اللغة على الشيئين إذا كان بينهما ملابمسة وإن قلت ، أو مناسبة أو مشابهة من بعض الوجوه وتكون حقيقية ومجازية . وقد نطق مجموع الكتاب والسنة بالأمرين . ثم يعرف كون الصحابي صحابيا بالتواتر والاستفاضة القاصرة عن التواتر ، وقوله أو قول صحابي بشرط العدالة .

Page 11

الثانية : أجمع من يعتد به على تعديل (1) الصحابة في الظاهر ومن لابس الفتن 20 منهم فكذلك ، إحسانا للظن بهم ، ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر . قال ابن الصلاح : «وكأن الله أباح الإجماع على ذلك(4) » . قال الحاكم المعتزلي : كانت أحوال المسلمين يومئذ (0) مستقيمة مستغنية عن اعتبارها . وكأن العدالة كانت في الصحابي منوطة بالإسلام لا غير ، ويدل عليه قوله ، «أوصيكم بأصحابي ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يفشو الكذب حى يحلف الرجل ولا يستحلف ، ويشهد الشاهد ولا يستشهد ) . رواه جماعة من المحدثين بسند جيد .

قلت(5) : ويخرج من هذا العموم من شذ منهم وتغير حاله وتفاحش أمره ولابس الفتن بغير تأويل ، كالوليد بن عقبة ، وبشر بن أرطاة .

ثم إنه لم يذهب أحد إلى أن الصحابة معصومون في الباطن

Page 12

والظاهر ، لكن أجمعوا على عصمتهم في الإجماع ، وإجماعهم حجةا قطعية . وهذا وإن كان لازما في غيرهم فإنما ذكرته لأنه تساهل قوم في دينهم فأقدموا على تحبيطهم حيث أجمعوا على التقدم على على (كرم الله وجهه) في الخلافة ، فركبوا عظيم الأخطار واجترأوا على هدم القواعد الكبار ، والله المستعان .

للثالثة : أكثرهم حديثا عن رسول الله ، عل ، أبو هريرة مع تاخرل إسلامه ، وذلك لخصوصية له من رسول الله ،. وأكثرهم

بعده ابن عمر وعائشة وابن عباس وجابر بن عبد الله(1) وأنس

(2)

5 وأكثرهم فتيا ابن عباس . وأوسعهم علما علي وعمر . وأفرضهم زيد بن ثابت (2) . وعن مسروق(4) قال : انتهى علم الصحابة إلى ستةا : عمر ، وعلى ، وأبي ، وزيد ، وأبي الدرداء ، وابن مسعود ؛ ثم انتهى علم الستة إلى على وابن مسعود . ومن الصحابة العبادلة » فإذا أجمعوا على مسألة قيل : هذا قول العبادلة ، وهم : ابن عمر ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وابن عمرو بن العاص . وليس ابن مسعود منهم ، ولا من تسمى عبدالله من الصحابة ، وهم نحو مائتلين وعشرين .

Page 13

الرابعة : جمع القرآن حفظا على عهد رسول الله ، ل ، عشرة : علي ، وعثمان ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وأبو الدرداء ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد الأنصاري ، وتميم الداري ، وعبادة بن الصامت(1) ، وأبو أيوب(2) رضي الله عنهم .

الخامسة : لا يعرف في الصحابة أب وابنه شهدا بدرا إلا مريد وأبوه . ولا أب وابنه وابن ابنه وابن ابن ابنه صحابيون ، كلهم إلا أبو قحافة والد أبي بكر ، (وقد ثبت ذلك في بنيه من وجهين) . وفي الصحابة سبعة إخوة مهاجرون قيل وشهدوا [غزوة ] الخندق(2) وهم : بنو مقرن المزنيون ، النعمان وإخوته : معقل ، وعقيل ، وسويد ، وسينان ، وعبد الرحمن ، وسابع لم يسم . قال ابن الصلاح ، وتبعه النووي : لم يشاركهم(4) فيما ذكره ابن عبد البر وجماعة في هذه المكرمة غيرهم .

قلت ذكر ابن الجوزي في «عجائب النساء» أن عفراء بنت عبيد بن ثعلبة رضي الله عنها شهد لها سبعة بنين مسلمين بدرا ، تزوجت الحارث بن رفاعة فولدت له معاذا ومعوذا ؛ وتزوجت

Page 14

بعده بكير بن عبد يا ليل الثقفى فولدت له إياسا وخالدا وعاقلا وعامرا ؛ ثم رجعت إلى الحارث فولدت له عوفا ، فشهدوا كلهم بدرا واستشهد بها منهم : معاذ ، ومعوذ ، وعاقل ، واستشهد خالد يوم الرجيع(1) ، وعامر (يوم ] بئر معونة ، وإياس باليمامة رضى الله عنهم . وذكر أيضا في عجائبهن «هندا بنت عتبة » شهد لها بدرا أربعة إخوة وعمان : أخوان وعم مع المشركين، وأخوان وعم مع المسلمين . فالأخوان المسلمان : أبو حذيفة بن عتبة ومصعب بن عمير ، والعم المسلم معمر بن الحارث . والأخوان المشركان الوليد بن عتبة وأبو عزير. والعم المشرك شيبة بن ربيعة .

السادسة : سئل أبو زرعة (2) الحافظ عن جملة حديث رسول الله ، فقال : ومن يحصيه (3) ! قبض رسول الله ، علة، عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه ، وسمع منه . فقيل له : هؤلاء أين كانوا، وأين سمعوا ؟

Page 15

قال : آهل مكة والمدينة وما بينهما ، والاعراب ، ومن شهد معه حجة الوداع ، كل رآه وسمع منه.

ثم ذكر المحدثون أنهم ينقسمون إلى اثنتى عشرة طبقة ، الأولى : قدماء السابقين الذين أسلمو ممكة كالخلفاء الأربعة ، ثم أصحاب دار الندوة ، ثم مهاجرة الحبشة ، ثم أصحاب العقبة الأولى ، ثم الثانية ، ثم المهاجرون الأولون الذين أدركو الني ،، ب«قباء» قبل أن يدخل المدينة ، ثم أهل بدر ، ثم المهاجرون بين بدر والحديبية ، ثم أهل بيعة الرضوان ، ثم من هاجر بين الحديبية وفتح مكة ، ثم مسلمة الفتح ، ثم الصبيان والأطفال الذين رأوا رسول الله ،، في الفتح (1) وحجة الوداع . وأهل المزايا منهم الذين نطق القرآن بفضلهم : قرابة رسول الله، ، وأهل بيته والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، وهم الذين صلوا إلى القبلتين . وقيل أهل بيعة الرضوا ن . وقيل أهل بدر . ثم إن ذكرهم على الإجمال والتفصيل وبيان أهل المزايا منهم باب واسع يظهر لك تمراجعة كتب هذا الفن . وأوعبها وأكثرها فائدة كتاب « أسد الغابة في معرفة الصحابة» لأبي السعادات ابن الأثير الجزري ثم بعده كتاب «الاستيعاب» للحافظ أبي عمرو بن عبد البر . وقد عاب

Page 16

عليه ابن الصلا ح حكايته فيه لما شجر بين الصحابة وروايته عن لإخباريين لا المحدثين .

السابعة : قال الإمام أبو منصور البغدادي : أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ، ثم تمام العشرة ، ثم أهل بدر ، ثم أحد ، ثم بيعة الرضوان .

قلت : وقد تجتمع وجوه التفضيل كلها في شخص واحد ، وقد يتفق لبعضهم بعضها ويفوته الباقي . ثم اختلف السلف في أولهم إسلاما فقيل خديجة ، وقيل علي ، وقيل أبو بكر ، وقيل زيد بن حارثة ؛ والصواب أن ترتيبهم في ذلك كما ذكرنا . والأورغ أن يقال : من الرجال الأحرار أبو بكر ، ومن الصبيان علي ، ومن النساء خديجة ، ومن الموالي زيد ، ومن العبيد بلال ، والله أعلم .

الثامنة : الصحيح في سن رسول الله ،اة، ثلاث وستون سنة ، وكذلك أصحابه أبو بكر وعمر وعلى . وطلحة وعائشة ، والزبير أربع وستون سنة ، ل وأن ] اثنين من الصحابة عاشا ستين في الجاهلية وستين في الإسلام وماتا بالمدينة سنة أربع وخمسين وهما : حكيم بن حزام ، وحسان بن ثابت بن المنذر بن ڑ)) فيل ثبت ذلك لحسان وآبائه الثلاثة .

Page 17