La Lettre Arshiya
الرسالة العرشية
Maison d'édition
المطبعة السلفية
Édition
الأولى
Année de publication
1399 AH
Lieu d'édition
القاهرة
ـ[الرسالة العرشية]ـ
المؤلف: تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨هـ)
الناشر: المطبعة السلفية، القاهرة، مصر
الطبعة: الأولى، ١٣٩٩هـ
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الكتاب مرتبط بـ ٣ نسخ مصورة:
ط المنيرية - ط دار العلوم العربية - ط دار ابن خلدون
Page inconnue
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ وَالْعَابِدُ النُّورَانِيُّ ابْنُ تَيْمِيَّة الْحَرَّانِي أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
مَا تَقُولُ فِي الْعَرْشِ هل هو كرى أَمْ لَا؟ وإذا كان كريًا وَاَللَّهُ مِنْ وَرَائِهِ مُحِيطٌ بِهِ بَائِنٌ عَنْهُ، فَمَا فَائِدَةُ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَوَجَّهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى حِينَ دُعَائِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَيَقْصِدُ الْعُلُوَّ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ وَقْتَ الدُّعَاءِ بَيْنَ قَصْدِ جِهَةِ الْعُلُوِّ، وَغَيْرِهَا مِنْ الْجِهَاتِ الَّتِي تُحِيطُ بِالدَّاعِي؟ وَمَعَ هَذَا نَجِدُ فِي قُلُوبِنَا قَصْدًا يَطْلُبُ الْعُلُوَّ لَا يَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً، فَأَخْبِرْنَا عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُهَا فِي قُلُوبِنَا، وَقَدْ فُطِرْنَا عَلَيْهَا.
وَابْسُطْ لَنَا الْجَوَابَ فِي ذَلِكَ بَسْطًا شَافِيًا، يُزِيلُ الشُّبْهَةَ وَيُحَقِّقُ الْحَقَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِكُمْ وَبِعُلُومِكُمْ آمِينَ.
فَأَجَابَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِثَلَاثِ مَقَامَاتٍ:
1 / 3
أَحَدُهَا:
أَنَّهُ لِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: لَمْ يَثْبُتْ بِدَلِيلِ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَرْشَ فَلَكٌ مِنْ الأفلاك المستديرة الكرية الشَّكْلِ، لَا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ، وَلَا بِدَلِيلِ عَقْلِيٍّ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، الَّذِينَ نَظَرُوا فِي عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْفَلْسَفَةِ، فَرَأَوْا أَنَّ الْأَفْلَاكَ تِسْعَةٌ، وَأَنَّ التَّاسِعَ وَهُوَ الْأَطْلَسُ مُحِيطٌ بِهَا، مُسْتَدِيرٌ كَاسْتِدَارَتِهَا، وَهُوَ الَّذِي يُحَرِّكُهَا الْحَرَكَةَ الْمَشْرِقِيَّةَ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ فَلَكٍ حَرَكَةً تَخُصُّهُ غَيْرُ هَذِهِ الْحَرَكَةِ الْعَامَّةِ، ثُمَّ سَمِعُوا فِي أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ ذِكْرَ عَرْشِ اللَّهِ، وَذِكْرَ كُرْسِيِّهِ، وَذِكْرَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، فَقَالُوا بِطَرِيقِ الظَّنِّ: إنَّ الْعَرْشَ هُوَ: الْفَلَكُ التَّاسِعُ، لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ التَّاسِعِ شَيْءٌ، إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَهُ مَخْلُوقٌ.
ثُمَّ إنَّ مِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ التَّاسِعَ هُوَ الَّذِي يُحَرِّكُ الْأَفْلَاكَ كُلَّهَا، فَجَعَلُوهُ مَبْدَأَ الْحَوَادِثِ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ فِيهِ مَا يُقَدِّرُهُ فِي الْأَرْضِ، أَوْ يُحْدِثُهُ فِي النَّفْسِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، أَوْ فِي الْعَقْلِ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ هَذَا الْفَلَكُ، وَرُبَّمَا سَمَّاهُ بَعْضُهُمْ الرُّوحَ، وَرُبَّمَا جَعَلَ بَعْضُهُمْ النَّفْسَ هِيَ: الرُّوحَ، وَرُبَّمَا جَعَلَ بَعْضُهُمْ النَّفْسَ هِيَ: اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، كَمَا جَعَلَ الْعَقْلَ هُوَ: الْقَلَمَ.
وَتَارَةً يَجْعَلُونَ الرُّوحَ هُوَ الْعَقْلَ الْفَعَّالَ الْعَاشِرَ الَّذِي لِفَلَكِ الْقَمَرِ، النَّفْسَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ، وَرُبَّمَا جَعَلُوا
1 / 4
ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَقِّ سُبْحَانَهُ كَالدِّمَاغِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِنْسَانِ، يُقَدِّرُ فِيهِ مَا يَفْعَلُهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ الَّتِي قَدْ شَرَحْنَاهَا، وَبَيَّنَّا فَسَادَهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَشْفِ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَيَكُونُ كَاذِبًا فِيمَا يَدَّعِيهِ وَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ تَقْلِيدًا لَهُمْ، أَوْ مُوَافَقَةً لَهُمْ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ الْفَاسِدَةِ، كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا وَأَمْثَالُهُمْ.
وَقَدْ يَتَمَثَّلُ فِي نَفْسِهِ مَا تَقَلَّدَهُ عَنْ غَيْرِهِ فَيَظُنُّهُ كَشْفًا، كَمَا يَتَخَيَّلُ النَّصْرَانِيُّ التَّثْلِيثَ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ، وَقَدْ يَرَى ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ فَيَظُنُّهُ كَشْفًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَخَيُّلٌ لِمَا اعْتَقَدَهُ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ الِاعْتِقَادَاتِ الْفَاسِدَةِ إذَا ارْتَاضُوا صقلت الرياضة نفسوهم، فَتَتَمَثَّلُ لَهُمْ اعْتِقَادَاتُهُمْ، فَيَظُنُّونَهَا كَشْفًا، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْعَرْشَ هُوَ الْفَلَكُ التَّاسِعُ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ لَا عَقْلِيٌّ، وَلَا شَرْعِيٌّ.
أَمَّا الْعَقْلِيُّ: فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْفَلَاسِفَةِ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ عِنْدَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ الْفَلَكِ التَّاسِعِ شَيْءٌ آخَرُ، بَلْ وَلَا قَامَ عِنْدَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَفْلَاكَ هِيَ تِسْعَةٌ فَقَطْ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ دَلَّتْهُمْ الْحَرَكَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ، والكسوفات وَنَحْوُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِهِ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَا ثُبُوتَهُ وَلَا انْتِفَاءَهُ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ هَذَا الْكَوْكَبَ تَحْتَ هَذَا، بِأَنَّ السُّفْلِيَّ يَكْسِفُ الْعُلْوِيَّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي فَلَكٍ فَوْقَهُ، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالْحَرَكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، عَلَى أَنَّ الْأَفْلَاكَ مُخْتَلِفَةٌ، حَتَّى جَعَلُوا فِي الْفَلَكِ الْوَاحِدِ عِدَّةَ
1 / 5
أَفْلَاكٍ، كَفَلَكِ التَّدْوِيرِ وَغَيْرِهِ.
فَأَمَّا مَا كَانَ مَوْجُودًا فَوْقَ هَذَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ: فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ نَفْيَهُ وَلَا إثْبَاتَهُ بِطَرِيقِهِمْ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ حَرَكَةَ التَّاسِعِ مَبْدَأُ الْحَوَادِثِ خَطَأٌ، وَضَلَالٌ عَلَى أُصُولِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الثَّامِنَ لَهُ حَرَكَةٌ تَخُصُّهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الثَّوَابِتِ، وَلِتِلْكَ الْحَرَكَةِ قُطْبَانِ غَيْرُ قُطْبَيْ التَّاسِعِ، وَكَذَلِكَ السَّابِعُ، السَّادِسُ.
وَإِذَا كَانَ لِكُلِّ فَلَكٍ حَرَكَةٌ تَخُصُّهُ وَالْحَرَكَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ هِيَ سَبَبُ الْأَشْكَالِ الْحَادِثَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْفَلَكِيَّةِ، وَتِلْكَ الْأَشْكَالُ سَبَبُ الْحَوَادِثِ السُّفْلِيَّةِ كَانَتْ حَرَكَةُ التَّاسِعِ جُزْءَ السَّبَبِ، كَحَرَكَةِ غَيْرِهِ. فَالْأَشْكَالُ الْحَادِثَةُ فِي الْفَلَكِ لِمُقَارَنَةِ الْكَوْكَبِ الْكَوْكَبَ، فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمُقَابَلَتُهُ لَهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفُ الْفَلَكِ، وَهُوَ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ دَرَجَةً. وَتَثْلِيثُهُ لَهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا ثُلُثُ الْفَلَكِ وَهُوَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَتَرْبِيعُهُ لَهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا رُبُعُهُ تِسْعُونَ دَرَجَةً، وَتَسْدِيسُهُ لَهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُدُسُ الْفَلَكِ سِتُّونَ دَرَجَةً، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْكَالِ إنَّمَا حَدَثَتْ بِحَرَكَاتِ مُخْتَلِفَةٍ، وَكُلُّ حَرَكَةٍ لَيْسَتْ عَيْنَ الْأُخْرَى، إذْ حَرَكَةُ الثَّامِنِ الَّتِي تَخُصُّهُ لَيْسَتْ عَيْنَ حَرَكَةِ التَّاسِعِ، وَإِنْ كَانَ تَابِعًا لَهُ فِي الْحَرَكَةِ الْكُلِّيَّةِ، كَالْإِنْسَانِ الْمُتَحَرِّكِ فِي السَّفِينَةِ إلَى خِلَافِ حَرَكَتِهَا.
وَكَذَلِكَ حَرَكَةُ السَّابِعِ الَّتِي تَخُصُّهُ، لَيْسَتْ عَنْ التَّاسِعِ وَلَا عَنْ الثَّامِنِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَفْلَاكِ. فَإِنَّ حَرَكَةَ كُلِّ وَاحِدٍ الَّتِي تَخُصُّهُ لَيْسَتْ عَمَّا فَوْقَهُ مِنْ الْأَفْلَاكِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مَبْدَأُ الْحَوَادِثِ كُلِّهَا مُجَرَّدَ حَرَكَةِ التَّاسِعِ!! كَمَا زَعَمَهُ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْعَرْشَ كَثِيفٌ وَالْفَلَكُ التَّاسِعُ عِنْدَهُمْ بَسِيطٌ مُتَشَابِهُ الْأَجْزَاءِ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَصْلًا، فَكَيْفَ يَكُونُ سَبَبًا لِأُمُورِ مُخْتَلِفَةٍ، لَا بِاعْتِبَارِ الْقَوَابِلِ وأسباب أخر؟ ولكن
1 / 6
هم قَوْمٌ ضَالُّونَ، يَجْعَلُونَهُ مَعَ هَذَا ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ دَرَجَةً، وَيَجْعَلُونَ لِكُلِّ دَرَجَةٍ مِنْ الْأَثَرِ مَا يُخَالِفُ الْأُخْرَى، لَا بِاخْتِلَافِ الْقَوَابِلِ، كَمَنْ يَجِيءُ إلَى مَاءٍ وَاحِدٍ فيجعل لبعض جزئيه مِنْ الْأَثَرِ مَا يُخَالِفُ الْآخَرَ، لَا بِحَسَبِ الْقَوَابِلِ؛ بَلْ يَجْعَلُ أَحَدَ أَجْزَائِهِ مُسَخَّنًا، وَالْآخَرَ مُبَرَّدًا، وَالْآخَرَ مُسْعَدًا، وَالْآخَرَ مشقيا، وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُونَ هُمْ وَكُلُّ عَاقِلٍ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ.
وَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يَنْفِي وُجُودَ شَيْءٍ آخَرَ فَوْقَ الْأَفْلَاكِ التِّسْعَةِ، كَانَ الْجَزْمُ بِأَنَّ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ هُوَ أَنَّ الْعَرْشَ هُوَ الْفَلَكُ التَّاسِعُ رَجْمًا بِالْغَيْبِ، وَقَوْلًا بِلَا عِلْمٍ.
هَذَا كُلُّهُ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْأَفْلَاكِ التِّسْعَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْهَيْئَةِ، إذْ فِي ذَلِكَ مِنْ النِّزَاعِ وَالِاضْطِرَابِ، وَفِي أَدِلَّةِ ذَلِكَ مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، وَإِنَّمَا نَتَكَلَّمُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَأَيْضًا: فَالْأَفْلَاكُ فِي أَشْكَالِهَا، وَإِحَاطَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ فَنِسْبَةُ السَّابِعِ إلَى السَّادِسِ، كَنِسْبَةِ السَّادِسِ إلَى الْخَامِسِ، وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ فَلَكٌ تَاسِعٌ فَنِسْبَتُهُ إلَى الثَّامِنِ كَنِسْبَةِ الثَّامِنِ إلَى السَّابِعِ.
وَأَمَّا الْعَرْشُ فَالْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى مُبَايَنَتِهِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ نِسْبَتُهُ إلَى بَعْضِهَا كَنِسْبَةِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية [غافر: ٧]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، فَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْعَرْشِ حَمَلَةً الْيَوْمَ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ حَمَلَتَهُ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ قِيَامَ فَلَكٍ مِنْ الْأَفْلَاكِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَقِيَامِ سَائِرِ الْأَفْلَاكِ، لَا فَرْقَ
1 / 7
فِي ذَلِكَ بَيْنَ كُرَةٍ وَكُرَةٍ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ لِبَعْضِهَا مَلَائِكَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ تَحْمِلُهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ نَظِيرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ الآية [الزمر: ٧٥].
فَذَكَرَ هُنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحُفُّ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ لَهُ حَمْلَةً، وَجَمَعَ فِي مَوْضِعٍ ثَالِثٍ بَيْنَ حَمَلَتِهِ وَمَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾
أَيْضًا، فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ عَرْشَهُ كَانَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود: ٧].
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: " كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ "، وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِهِ صَحِيحَةٍ: " كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ " وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " وَهَذَا التَّقْدِيرُ بَعْدَ وُجُودِ الْعَرْشِ وَقَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ.
وَهُوَ ﷾ مُتَمَدِّحٌ بِأَنَّهُ ذُو الْعَرْشِ، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٢٤]، وقَوْله تَعَالَى:
1 / 8
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٥، ١٦]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ ١٦]، وَقَدْ قُرِئَ ﴿الْمَجِيدُ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلَّهِ، وَقُرِئَ بالخفض صفة للعرش. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ّ﴾ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧]، فَوَصَفَ الْعَرْشَ بِأَنَّهُ مَجِيدٌ وَأَنَّهُ عَظِيمٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون ١١٦]، فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ كَرِيمٌ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ "، فَوَصَفَهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ عَظِيمٌ، وَكَرِيمٌ أَيْضًا.
فَقَوْلُ الْقَائِلِ الْمُنَازِعِ: إنَّ نِسْبَةَ الْفَلَكِ الْأَعْلَى إلَى مَا دُونَهُ كَنِسْبَةِ الْآخَرِ إلَى مَا دُونَهُ، لَوْ كَانَ الْعَرْشُ مِنْ جِنْسِ الْأَفْلَاكِ، لَكَانَتْ نِسْبَتُهُ إلَى مَا دُونَهُ كَنِسْبَةِ الْآخَرِ إلَى مَا دُونَهُ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ خُرُوجَهُ عَنْ الْجِنْسِ وَتَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ، كَمَا لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَخْصِيصَ سَمَاءٍ دُونَ سَمَاءٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْعُلْيَا بِالنِّسْبَةِ إلَى السُّفْلَى كَالْفَلَكِ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ، وَإِنَّمَا امْتَازَ عَمَّا دُونَهُ بِكَوْنِهِ أَكْبَرَ، كَمَا تَمْتَازُ السَّمَاءُ الْعُلْيَا عَنْ الدُّنْيَا، بَلْ نِسْبَةُ السَّمَاءِ إلَى الْهَوَاءِ، وَنِسْبَةُ الْهَوَاءِ إلَى الْمَاءِ وَالْأَرْضِ. كَنِسْبَةِ فَلَكٍ إلَى فَلَكٍ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَخُصَّ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ عَمَّا يَلِيهِ
1 / 9
بِالذِّكْرِ، وَلَا بِوَصْفِهِ بِالْكَرَمِ وَالْمَجْدِ وَالْعَظَمَةِ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا لِذَوَاتِهَا وَلَا لِحَرَكَاتِهَا، بَلْ لَهَا حَرَكَاتٌ تَخُصُّهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: حَرَكَتُهُ هِيَ سَبَبُ الْحَوَادِثِ، بَلْ إنْ كَانَتْ حَرَكَةُ الْأَفْلَاكِ سَبَبًا لِلْحَوَادِثِ، فَحَرَكَاتُ غَيْرِهِ الَّتِي تَخُصُّهُ أَكْثَرَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُحِيطًا بِهَا أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ مَجْمُوعِهَا، إلَّا إذَا كَانَ لَهُ مِنْ الْغِلَظِ مَا يُقَاوِمُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أن الغليظ إذا كَانَ مُتَقَارِبًا، فَمَجْمُوعُ الدَّاخِلِ أَعْظَمُ مِنْ الْمُحِيطِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ بِقَدْرِهِ أَضْعَافًا، بَلْ الْحَرَكَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ الَّتِي لَيْسَتْ عَنْ حَرَكَتِهِ أَكْثَرُ، لَكِنَّ حَرَكَتَهُ تَشْمَلُهَا كُلَّهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ تُسَبِّحُ بِالْحَصَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى وَقْتِ الضُّحَى، فَقَالَ: " لَقَدْ قُلْت بَعْدَك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قلتيه لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَى نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ "، فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ زِنَةَ الْعَرْشِ أَثْقَلُ الْأَوْزَانِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْفَلَكَ التَّاسِعَ لَا خَفِيفَ وَلَا ثَقِيلَ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَحْدَهُ أَثْقَلُ مَا يُمَثَّلُ بِهِ، كَمَا أَنَّ عَدَدَ الْمَخْلُوقَاتِ أَكْثَرُ مَا يُمَثَّلُ بِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِك لَطَمَ وَجْهِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " اُدْعُوهُ " فَدَعَوْهُ، فَقَالَ: " لِمَ لَطَمْت وَجْهَهُ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي مَرَرْت بِالسُّوقِ وَهُوَ يَقُولُ: وَاَلَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ! فَقُلْت: يَا خَبِيثُ! وَعَلَى مُحَمَّدٍ؟ فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْته، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لَا تُخَيِّرُوا
1 / 10
بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذًا بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَتِهِ " فَهَذَا فِيهِ بَيَانُ أَنَّ لِلْعَرْشِ قَوَائِمَ، وَجَاءَ ذِكْرُ الْقَائِمَةِ بِلَفْظِ السَّاقِ، وَالْأَقْوَالُ مُتَشَابِهَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَقَدْ أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ " قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرِ: إنَّ الْبَرَاءَ يَقُولُ: اهْتَزَّ السَّرِيرُ، قَالَ: إنَّهُ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ضَغَائِنُ، سَمِعْت نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَجِنَازَةُ سَعْدٍ مَوْضُوعَةٌ: " اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ ".
وَعِنْدَهُمْ أَنَّ حَرَكَةَ الْفَلَكِ التَّاسِعِ دَائِمَةٌ مُتَشَابِهَةٌ، وَمَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اسْتِبْشَارُ حَمَلَةِ العرش وفرحهم، فلابد لَهُ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى مَا قَالَ، كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الطبري وَغَيْرُهُ، مَعَ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ وَلَفْظَهُ يَنْفِي هَذَا الِاحْتِمَالَ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: " إنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ ".
1 / 11