205

Les Principes Lumineux de Jurisprudence

القواعد النورانية الفقهية

Enquêteur

د أحمد بن محمد الخليل

Maison d'édition

دار ابن الجوزي

Édition

الأولى

Année de publication

1422 AH

فَذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ حَرَامٌ بَاطِلٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الْإِجَارَةِ ; لِأَنَّهَا عَمَلٌ بِعِوَضٍ، وَالْإِجَارَةُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَجْرُ فِيهَا مَعْلُومًا ; لِأَنَّهَا كَالثَّمَنِ. وَلِمَا رَوَى أحمد عَنْ أبي سعيد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «نَهَى عَنِ اسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ أَجْرُهُ، وَعَنِ النَّجْشِ وَاللَّمْسِ، وَإِلْقَاءِ الْحَجَرِ»، وَأَنَّ الْعِوَضَ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ مَجْهُولٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ قَلِيلًا، وَقَدْ يَخْرُجُ كَثِيرًا، وَقَدْ يَخْرُجُ عَلَى صِفَاتٍ نَاقِصَةٍ، وَقَدْ لَا يَخْرُجُ، فَإِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ كَانَ اسْتِيفَاءُ عَمَلِ الْعَامِلِ بَاطِلًا، وَهَذَا قَوْلُ أبي حنيفة، وَهُوَ أَشَدُّ النَّاسِ قَوْلًا بِتَحْرِيمِ هَذَا.
وَأَمَّا مالك وَالشَّافِعِيُّ، فَالْقِيَاسُ عِنْدَهُمَا مَا قَالَهُ أبو حنيفة، إِدْخَالًا لِذَلِكَ فِي الْغَرَرِ، لَكِنْ جَوَّزَا مِنْهُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ.
فَجَوَّزَ مالك وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: الْمُسَاقَاةَ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ كِرَاءَ الشَّجَرَ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَالْمَالِكُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ سَقْيُ شَجَرِهِ وَخِدْمَتِهِ، فَيَضْطَرُّ إِلَى الْمُسَاقَاةِ. بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْأَجْرِ الْمُسَمَّى، فَيُغْنِيهِ ذَلِكَ عَنِ الْمُزَارَعَةِ عَلَيْهِ تَبَعًا، لَكِنْ جَوَّزَا مِنَ الْمُزَارَعَةِ مَا يَدْخُلُ فِي الْمُسَاقَاةِ تَبَعًا. فَإِذَا كَانَ بَيْنَ الشَّجَرِ بَيَاضٌ قَلِيلٌ جَازَتِ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ.
وَمَذْهَبُ مالك: أَنَّ زَرْعَ ذَلِكَ الْبَيَاضِ لِلْعَامِلِ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، فَإِنْ شَرَطَاهُ بَيْنَهُمَا جَازَ. وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَجَاوَزِ الثُّلُثَ.
وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجْعَلُهُ لِلْعَامِلِ، لَكِنْ يَقُولُ: إِذَا لَمْ يُمْكِنْ سَقْيُ الشَّجَرِ إِلَّا بِسَقْيِهِ جَازَتِ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ. وَلِأَصْحَابِهِ فِي الْبَيَاضِ إِذَا كَانَ كَثِيرًا أَكْثَرَ مِنَ الشَّجَرِ وَجْهَانِ.

1 / 225