المهذب
المهذب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد القديم العزيز العليم، الذي أنعم على عباده المكلفين، وميزهم به من سائر المخلوقين، إيثارا منه سبحانه وتعالى لنيلهم منازل الثواب، والظفر بمراتبه في كريم المئاب، وجعله وصلة لهم الى ذلك أصلا وفرعا وعقلا وشرعا، ونصب عليه الدلائل الواضحات، والحج البينات، إزاحة لعللهم وغاية في الأنعام عليهم، حمد المستبصرين الذاكرين، وله الشكر على نعمة ابدا الآبدين، وصلى الله على سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد والأئمة من آله الطاهرين وسلم تسليما.
اما بعد: فلو ساعدتنى الأقدار وأطاعني الإمكان والاختيار، لكنت مستسعدا بالزيارة (1) والإيلام (2)، والقبول والإلهام بالحضرة القضوية التقية الخالصية ادام الله أيامها ما دام الجديدان، وصرف عنها صرف الحدثان، إذ كانت عضدا للمؤمنين، وركنا من أركان الدين ومقرا للرئاسة والعدل ومحلا للنفاسة والفضل، ولما كنت غير قادر على ما قدمته ولا متمكن مما ذكرته، رأيت وضع كتاب ترتبته (3)
Page 17
مما يشتمل على أبواب الفقه: في الحلال والحرام والقضايا والأحكام ليكون مجددا لذكري عندها، وعوضا عن مثوبى بها، فوضعت هذا الكتاب لذلك وليكون عدة للإخوان، كثرهم الله في الرجوع اليه، للمعرفة بعباداتهم الشرعية وما عساه تلتبس عليهم في ذلك من المسائل الفقهية، ومن الله سبحانه أستمد المعونة والتأييد والتوفيق والتسديد وهو حسبي ونعم الوكيل.
فصل: اعلم ان الشرعيات على ضربين:
أحدهما: أعم في بلوى المكلف بها والأخر ليس كذلك.
فإما الأعم: فهو الصلاة وحقوق الأموال والصوم والحج والجهاد.
واما ما ليس كذلك فهو ما عدا هذه والجملة منها.
والضرب الأعم أيضا ينقسم الى ما هو أعم في البلوى من باقيه والى ما ليس كذلك وهو ما عداها من هذا الضرب وإذا كانت الشرعيات تنقسم الى ما ذكرناه، وكان الاولى تقديم ذكر الأعم على ما ليس كذلك وجب ان يقدم ذكر العبادات الخمس على جميع ما سواها من الشرعيات، وهذا بعينه يقتضي تقديم ذكر الصلاة على حقوق الأموال والصوم والحج والجهاد، وإذا وجب على ما ذكرناه تقديم ذكر الصلاة على الجميع، وكان إيقاعها لا يصح الا بالطهارة وجب تقديمها عليها، ونحن لذلك فاعلون بعون الله وحسن توفيقه.
كتاب الطهارة
قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء
Page 18
فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا (1).
وقال سبحانه إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (2).
وقال الله تعالى يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر (3).
وإذا شرعنا في ذكر الطهارة فينبغي ان نبتدئ بذكر أشياء، منها: ما الطهارة ومنها ما به يفعل، ومنها أقسامها، ومنها مقدماتها، ومنها كيفياتها، ومنها ما يوجب إعادتها، ومنها ما يتبعها ويلحق بها.
فصل: في بيان الطهارة الشرعية:
هي استعمال الماء والصعيد على وجه يستباح به الصلاة أو تكون عبادة يختص بغيرها.
ما به يفعل الطهارة:
الذي يفعل به الطهارة شيئان: أحدهما بالماء، والأخر بالصعيد، ولما كان الصعيد انما يستعمل في حال الضرورة وعند عدم الماء أو فقد التمكن من استعماله وكانت الطهارة به بدلا من الطهارة بالماء وجب تقديم ذكر المياه عليه ونحن نقدم ذلك بمشيئة الله وعونه.
باب المياه وأحكامها:
قال الله تبارك وتعالى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان (4) وقال سبحانه وأنزلنا من السماء ماء طهورا . (5)
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد سئل عن البحر، فقال: هو الطهور ماؤه، الحل
Page 19
ميتته [1] فكل ماء نزل من السماء، أو نبع من الأرض وكان مخزونا، أو ماء بحر أو على اى وجه كان فهو على أصل الطهارة ما لم تعلم فيه نجاسة.
وهو على ضربين: طاهر ليس بمطهر، وطاهر مطهر، فاما الطاهر الذي ليس بمطهر فهو جميع المياه المستخرجة والمعتصرة وكل ماء مضاف منها، مثل ماء الورد والآس والقرنفل [2] والريحان والخلاف [3] والزعفران وكل ما أشبه ذلك وجميع هذه المياه يجوز استعمالها في غير الطهارة فاما في الطهارة فلا يجوز ويلحق به في ذلك كلما خالطه جسم طاهر فسلبه إطلاق اسم الماء.
واما الطاهر المطهر، فهو كل ما استحق إطلاق اسم الماء ولم يكن نجسا، وهذا الماء، هو الذي يجب استعماله في الطهارة، ورفع الأحداث وازالة النجاسات عن الأبدان والثياب، ويجوز في غير ذلك من شرب وما سواه، فكل هذه المياه كما ذكرناه على أصل الطهارة، والحكم بذلك فيها مستمر حتى تعلم ملاقاة شيء من النجاسات لها.
وهي على ثلاثة أضرب: جار، وراكد ليس من مياه الآبار، ومياه الآبار.
فاما الجاري
فمحكوم بطهارته حتى يتغير أحد أوصافه التي: هي الريح واللون والطعم من نجاسة، فإذا صار كذلك حكم بنجاسته ولم يجز استعماله على وجه من الوجوه إلا في الشرب بمقدار ما يمسك الرمق عند الخوف من تلف النفس
واما الراكد الذي ليس من مياه الآبار
فهو على ضربين: أحدهما ان يكون مقداره كرا أو أكثر منه، والأخر ان يكون أقل من كر.
فاما ما كان مقداره كرا أو أكثر منه فليس ينجس بملاقاة شيء من ذلك له الا
Page 20
ان يتغير بذلك أحد أوصافه التي هي الريح واللون والطعم، فاذا حصل كذلك كان نجسا.
واما ما كان مقداره أقل من كر، فإنه ينجس بملاقاة ذلك له، تغير بذلك أحد أوصافه أو لم يتغير.
والكر هو ما كان مقدار الف رطل ومأتي رطل بالعراقي، أو ثلاثة أشبار ونصف طولا في مثل ذلك عرضا في مثل ذلك عمقا.
مياه الآبار
واما مياه الآبار فإنها تنجس بما يلاقيها من ذلك، قليلا كان ماؤها أو كثيرا، تغير بذلك أحد أوصافها أو لم يتغير، فاذا حصلت كذلك لم يجز استعمالها الا بعد تطهيرها، وتطهيرها ان يكون بالنزح منها، والنزح منها على ثلاثة أضرب:
أولها: نزح جميع الماء فان لم يتمكن من ذلك لكثرته وقوة مادته ونبعه تراوح عليه أربعة رجال يستقون منه من أول النهار الى آخره ثم يحكم بطهارته.
وثانيها: نزح كر.
وثالثها: نزح مقدار بالدلاء.
فاما ما ينزح جميع الماء على ما قدمناه، فهو وقوع شيء من الخمر فيها وكل شراب مسكر والفقاع، والمنى، ودم الحيض، والاستحاضة، والنفاس وعرق الإبل الجلالة وموت البعير فيها، وكل ما كان جسمه مقدار جسمه [1] أو أكثر. وذكر في ذلك عرق الجنب إذا كان جنبا من حرام وجميع ما كان نجسا ولم يرد في النزح منه مقدار معين.
واما ما ينزح منه كر فهو موت الخيل فيها، والبغال، والحمير، وكلما كان جسمه بمقدار أجسامهم.
Page 21
واما ما ينزح منه مقادير الدلاء فهو ثمانية اضرب:
أولها: سبعون، وثانيها: خمسون، وثالثها: أربعون، ورابعها: عشرة وخامسها: سبع، وسادسها: خمس، وسابعها: ثلاث، وثامنها: دلو واحد واما السبعون: فينزح من موت الإنسان فيها.
واما الخمسون: فينزح من وقوع الدم المخالف لدم الحيض والاستحاضة والنفاس إذا كان كثيرا فيها، والعذرة الرطبة والمتقطعة [1] واما الأربعون: فينزح إذا مات فيها شيء من الكلاب والخنازير والغنم والأرانب والثعالب والظباء والسنانير وكلما كان جسمه بمقدار أجسامها وبول الإنسان الكبير.
واما العشرة: فينزح من الدم المخالف للدماء الثلاثة المتقدم ذكرها إذا كان قليلا، أو العذرة اليابسة.
واما السبع: فينزح من موت الحمام فيها، والدجاج، وكلما كان جسمه بمقدار اجسامهما والكلب إذا وقع حيا وخرج حيا على ما وردت به الرواية (1)، والفأرة إذا تفسخت، والجنب إذا ارتمس فيها، وبول كل صبي أكل الطعام.
واما الخمسة: فينزح من ذرق الدجاج الجلالة خاصة.
واما الثلاثة: فينزح من موت الحية فيها، والوزغ، والعقرب، والفأرة التي لم تنفسخ.
واما الدلو الواحد: فينزح من موت العصافير فيها، والقنابر، والزرازير [2] وكلما كان جسمه بمقدار أجسامهم وبول كل صبي لم يأكل الطعام.
وماء البئر إذا تغير أحد أوصافه من النجاسة ينزح منه حتى يطيب، كثيرا كان
Page 22
النزح أو قليلا، ولا يعتبر فيه هاهنا بمقدار من النهار ولا بمن يستقى منه من الرجال.
والماء الذي في الدلو الأخير من دلاء النزح محكوم بنجاسته والباقي بعده من ماء البئر طاهر، والذي يقطر من الدلو نجس الا انه ما يتنجس به الباقي في البئر من الماء لأنه معفو عنه. والمعتبر في هذا الدلو، المعتاد، لا بما ذهب اليه قوم انه من دلاء هجر [1] أو بما يسع أربعين رطلا، لان الخبر في ذلك لم يرد مقيدا.
واعلم ان مياه الحياض والغدران والقلبان [2] وما جرى مجراها إذا تغير أحد أوصافها الثلاثة بنجاسة حكمنا بنجاستها على ما قدمناه، فاذا زال هذا التغير بغير الماء الطاهر المطهر من الأجسام الطاهرة التي تختلط به، أو بتصفيق الرياح له أو ما جرى مجرى ذلك، لم يحكم بطهارته وكان نجسا.
وإذا كان مقدار الماء أقل من كر وهو نجس فتمم بطاهر حتى صار كرا، أو كان طاهرا فتمم بنجس ولم يتغير أحد أوصافه التي هي الريح أو اللون أو الطعم، كان طاهرا، فان تغير بذلك أحد أوصافه كان نجسا، وكذلك الحكم فيه إذا كان هذا المقدار نجسا وتمم بنجس فصار كرا بالجميع، فإنه يحكم بطهارته ما لم يكن أحد أوصافه متغيرا بالنجاسة، لقولهم (صلوات الله عليهم): إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا [3] وقد كان الشيخ أبو جعفر الطوسي «ره» يذهب إلى نجاسة هذا الماء، ويقوى القول بما ذكرناه في كثير من الأوقات، وقد أشرنا إلى الوجه القوى لذلك في كتابنا الموسوم ب«جواهر الفقه» فمن أراد الوقوف عليه نظره في ذلك الموضع
Page 23
«الماء المضاف»
والماء الطاهر المضاف إذا اختلط بالطاهر المطهر وسلبه إطلاق اسم الماء لم يجز استعماله في رفع الأحداث ولا ازالة النجاسات، ويجوز استعماله في غير ذلك والماء النجس لا يجوز استعماله على كل حال إلا في الشرب خاصة عند الخوف من تلف النفس فإنه يجوز والحال هذه ان يشرب ما يمسك الرمق كما قدمناه وإذا اعجن به الدقيق وخبز، لم يجزأ كل شيء منه.
وإذا اختلط الطاهر المضاف بالطاهر المطهر ولم يسلبه إطلاق اسم الماء جاز استعماله في الطهارة وغيرها وإذا اختلط هذا الماء المضاف بالمطهر- وكان المطهر هو الأغلب والأكثر- جاز استعماله في رفع الأحداث وازالة النجاسات، وجاز استعماله فيما عدا ذلك.
فان لم يغلب أحدهما على الأخر، ولا زاد عليه، وكانا متساويين، فالأقوى عندي انه لا يجوز استعماله في رفع الحدث، ولا إزالة النجاسة، ويجوز في غير ذلك وقد كان الشيخ أبو جعفر الطوسي (ره) قال لي يوما في الدرس: هذا الماء يجوز استعماله في الطهارة وازالة النجاسة، فقلت له: ولم أجزت ذلك مع تساويهما فقال: إنما أجزت ذلك لان الأصل الإباحة.
فقلت: له الأصل وان كان هو الإباحة، فأنت تعلم ان المكلف مأخوذ بان لا يرفع الحدث ولا يزيل النجاسة عن بدنه أو ثوبه الا بالماء المطلق، فتقول أنت:
بأن هذا الماء مطلق؟ فقال: ا فتقول أنت بأنه غير مطلق؟
فقلت له: أنت تعلم ان الواجب ان تجيبني عما سألتك عنه قبل ان تسألني ب«لا» أو «نعم» ثم تسألني عما أردت، ثم اننى أقول: بأنه غير مطلق.
فقال: الست تقول فيها إذا اختلطا وكان الأغلب والأكثر المطلق، فهما مع التساوي كذلك؟
فقلت له: انما أقول بأنه مطلق إذا كان المطلق هو الأكثر والأغلب لأن ما
Page 24
ليس بمطلق لم يؤثر في إطلاق اسم الماء عليه، ومع التساوي قد أثر في إطلاق هذا الاسم عليه فلا أقول فيه بأنه مطلق، ولهذا لم تقل أنت بأنه مطلق، وقلت فيه بذلك إذا كان المطلق هو الأكثر والأغلب، ثم ان دليل الاحتياط تناول ما ذكرته، فعاد الى الدرس ولم يذكر في ذلك شيئا.
«أسئار الحيوان»
وأسئار الحيوان هي فضلة ما شربوا منه واستعملوه وماسوه بأجسامهم وهي على ثلاثة أضرب:
أولها: يجوز استعماله على كل حال. وثانيها: مكروه. وثالثها: لا يجوز استعماله على حال.
فإما الأول: فهو سؤر كل ما أكل لحمه من حيوان البر والبحر لا ما كان جلالا وكل ما ليس بنجس من حيوان البر كان مما لا يؤكل لحمه واما المكروه: فهو سؤر الجنب والحائض والبهائم والسباع الا الكلاب والخنازير، وسؤر الطيور الا ما كان جلالا أو مما يأكل الجيف، أو يكون على منقاره اثر الدم، والسنور، والفأرة، والخيل، والبغال والحمير.
واما الذي لا يجوز استعماله على حال: فهو سؤر كل ما لا يؤكل لحمه من غير الناس والطيور الا ما ذكرناه فيما تقدم وسؤر كل ما كان نجسا من الناس والكلاب والخنازير.
واعلم ان حكم المائعات المخالفة للماء المطلق إذا شرب منها شيء مما تقدم ذكره أو استعمله أو ماسة بجسمه كالحكم السالف ذكره في الأقسام الثلاثة.
وكلما ذكرناه انه لا يجوز استعمال سؤره إذا ماس جسمه مائعا ثم جمد كالماء الذي
Page 25
يمسه ثم يصير ثلجا، أو جليدا [1] فإنه لا يجوز استعماله على حال وان غسل.
فإن ماسة وهو ثلج أو جليد لم يجز استعماله الا بعد غسله وكذلك الحكم فيما خالف الماء من المائعات.
وليس ينجس الماء مما يقع فيه من الحيوان الا ان تكون له نفس سائلة، واما ما يقع فيه مما ليس له نفس سائلة- غير العقرب والوزغ- فإنه لا ينجسه، فذلك كالخنافس وبنات وردان [2] والجراد وما أشبه ذلك ويجوز استعماله على كل حال الا ان يسلبه إطلاق اسم الماء، فان سلبه ذلك لم يجز استعماله في الطهارة وجاز استعماله في ما عدا ذلك، والبول والروث مما يؤكل لحمه إذا وقع في الماء لم ينجسه قليلا كان أو كثيرا ويجوز استعماله على كل حال الا ان يسلبه إطلاق اسم الماء عليه، فاذا سلبه ذلك لم يجز استعماله في الطهارات وجاز استعماله فيما عداها، وما يكره أكل لحمه فمكروه استعمال ما وقع فيه بوله أو روثه من الماء، والكراهة في ذلك تزيد وتنقص بحسب زيادتها ونقصها في أكل لحم ذلك.
مثال ما ذكرناه: ان كراهة أكل لحم الحمار أغلظ من كراهة أكل لحم البغال وكراهة أكل لحم البغال أغلظ من كراهة أكل لحم الفرس، والكراهة فيما ذكرناه في أكل هذه اللحوم.
«ماء المطر»
وماء المطر إذا كان نازلا من السماء فحكمه حكم ماء الجاري، يجوز استعماله على كل حال فان انقطع واستقر منه شيء في موضع من الأرض ولاقته نجاسة اعتبر فيه بالقلة والكثرة والتغيير وكان الحكم فيه بحسب ذلك. وطين المطر محكوم إلى ثلاثة أيام بالطهارة الا ان يعلم ملاقاة شيء من النجاسة له فإنه يحكم بنجاسته
Page 26