المجموعة العلية من كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

المجموعة العلية من كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

Enquêteur

هشام بن اسماعيل بن علي الصيني

Maison d'édition

دار ابن الجوزي

Édition

الأولى

Année de publication

1422 AH

Lieu d'édition

المملكة العربية السعودية

المَجْمُوعَةُ العَلِيَّةُ

مِنْ

كُتُبٍ وَرَسَائِل وَفَتَاوَى

شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ

(المَجْمُوعَةُ الأُولَى)

جَمْع وَتَحْقِيق

الدُّكْتُور: هِشَام بْن إِسْمَاعِيل بْن عَلِي الصِّينِيّ

جَامِعَةُ أُمِّ القُرَى - قِسْمُ العَقِيدَةِ

دَارُ ابْنِ الجَوْزِي

1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

2

المجموعة العلمية

مِنْ كتبٌ وَرَسَائل وَفتَاوَى

3

جميع الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى

محرم ١٤٢٢ هجري

حقوق الطبع محفوظة ©١٤٢١هـ لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر

دار ابن الجوزي

للنشر والتوزيع

المملكة العربية السعودية

الدمام - شارع ابن خلدون - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣ - ٨٤٦٧٥٨٩

ص.ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠

الإحساء - الهفوف - شارع الجامعة - ت: ٥٨٨٣١٢٢

جدة: ت: ٦٥١٦٥٤٩

الرياض: ت: ٤٢٦٦٣٣٩

4

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم على منهاجهم إلى يوم الدين، أما بعد.

فإن الله تَعَالَى جعل على رأس كل مائة سنة مجدداً لهذه الأمة، يجدد ما اندرس من أمر دينها، فيردّ على أهل البدع بدعهم، ويزيل الغشاوة عن بصائر الحائرين، ويقيم الحجة على الخلق بالبلاغ المبين، وينصر سنة النبي الأمين، ويردّ على كل أفاك أثيم، ما اختلقه من شبهٍ وضلالات، يسميها حججاً وبراهين.

ومما لا شكّ فيه عند أهل السنة والجماعة - السلف الصالح؛ الذين هم أهل الحديث حقاً وصدقاً - أن شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحرَّاني (ت٧٢٨هـ) هو المجدد على رأس المائة السابعة.

فقد جدد لهذه الأمة ما اندرس وتغيّر من أمر دينها، فردّ على المتكلمين والفلاسفة وأفراخهما ما ابتدعوه من بدع وضلالات، وكسر شوكتهم، وأبان عوار منهجهم، وسوء فهمهم وقلة علمهم بالسنة ومعانيها، وردّ تخرصاتهم على القرآن، وتحريفهم لمعانيه، فأثار ذلك حنقهم عليه، فأجلبوا خيلهم ورجلهم، وألّبوا عليهم العامة والخاصّة، وبذلوا ما استطاعوا لسجنه بل قتله، وأشاعوا في الناس أكاذيب

5

وافتراءات عليه، علَّهم ينفضون عنه، فما تحصّل لهم من كيدهم إلا أذىَّ أصيب به، مصدقاً لقوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]، ولأهل الأهواء نصيب من هذه الآية، لمشابهتهم الكفار في عدائهم لأهل الحق.

ونَصَرَهُ اللَّهُ على أمم من أعدائه من الفلاسفة والمتكلمين والصوفية والحلولية والمتعصبة وردّ كيدهم في نحرهم، وصدق وعده: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].

ومن نَصْرِ الله له انتشار مؤلفاته وفتاويه بين الناس، وإقبالهم على كتبه دراسة ونشراً وتدريساً واقتباساً لما رأوا فيها من علم محقق، وبيان واضح، ومنهج راسخ، مدللاً عليه بالكتاب والسنة، فطارت كتبه في الآفاق، وانتشرت بين العامة والخاصة على رغم أنف الكائدين، الذين حاولوا جمعها وحرقها، فبذلوا أموالهم في ذلك، وصدق الله: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال: ٣٦].

وقد يسرّ الله لي بعض مجاميع مخطوطات كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، تحوي رسائل وفتاوى نُشرت من قبل، وأخرى لم تنشر.

وهذه الرسائل أو الفتاوى غالبها مما سُئل عنه بمصر، ففي سنة (٧٠٥هـ) طلب سلطانُ مصر شيخَ الإسلام لمسائل شُنّعت عليه، فسافر تَخْلَتُ إلى مصر وعُقدت له مجالس كثيرة، فُصّل أمرها فيما كتب في سيرته، وقد سُئل أيام بقائه في مصر عن مسائل كثيرة، جمع بعضها بعض محبي الشيخ فبلغت قرابة ثلاثين مجلداً(١).

وهذا المجموع الذي بين يدي القاريء يشمل عدداً من المسائل التي سُئل عنها بمصر، إذ كتب جامعها في بداية كل مسألة (مسألة مصرية) ليُبيّن أنها مما سُئل عنه الشيخ وهو بمصر، والترتيب الزمني

(١) انظر ص٩.

6

لمؤلفات أي إمام له أهميته التي لا تخفى على ذوي النهى.

ولا شك أن الاهتمام بنشر ما لم يُنشر من كتب ابن تيمية له فوائد عظيمة، إذ سيجد القاريء من العلم المحقق ما لا يجده فيما نُشر من قبل.

ولذلك بدأت بجمع ما استطعت من كتب ابن تيمية المخطوطة التي لم تنشر من قبل، لتحقيقها وإخراجها للناس.

وهذه المجموعة الأولى من كتب ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية - التي لم تُطبع من قبل وسميتها بـ (المجموعة العليّة من كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيميَّة) أسأل الله ربمات الإخلاص في القول والعمل، وأن يبارك فيها، وينفع بها مؤلفها وجامعها وقارئها وناشرها.

مصنفات ابن تيمية :

لم يدَّع أحد من أهل العلم أنه استطاع أن يحصر مصنفات ابن تيمية لَّهُ بلَ أشار تلاميذه إلى كثرتها وصعوبة حصرها.

وقد ذكر بعضهم أن مصنفاته قد تبلغ خمسمائة مجلدة(١) وقيل بلغت ثلاثمائة مجلدة(٢) وقيل مائتي مجلدة(٣).

(١) ذكر ذلك صلاح الدين المنجد فيما جمعه في سيرة ابن تيمية (ص ٦٣) تحت الترجمة التي أوردها ابن شاكر عن ابن تيمية في كتابه فوات الوفيات! وفي نهاية هذه الترجمة ذكر المترجم أنها مما نُقل من ترجمة ابن تيمية من كتاب «تذكرة الحفاظ)) لابن عبد الهادي؟ وابن عبد الهادي نقل هذا العدد عن الذهبي، وذكره أيضاً بنفس النص طاش كبري زاده في أبجد العلوم (١٣١/٣) ولم يعزو النص إلى الذهبي! ونقل نفس النص ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (٣٩١/٢) وعزاه للذهبي في تاريخه الكبير لكن لم يذكر النص كاملاً، والله أعلم.

(٢) ذكر ذلك الذهبي في تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٩٧).

(٣) ذكر ذلك الذهبي في ذيل العبر (ص١٥٨).

7

وذكر الذهبي (١) أن ابن تيمية كان يصنف في اليوم والليلة أربع كراريس أو أزيد!

وأشار الصفدي (٢) إلى تعذر حصر مصنفاته بقوله: «ومن ذا الذي يأتي على مجموعها، ولله [درّ] القائل:

إن في الموج للغريق لعذراً وأضحى أن يفوته تعداده

ثم ذكر الصفدي له: (١٦٨) مصنفاً، ونقلها عنه الكتبي في فوات الوفيات (١/ ٧٥).

وأشار ابن رجب (٣) أيضاً إلى كثرة مصنفاته بقوله: «قد جاوزت حدّ الكثرة، فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعدّ المعروف منها ولا ذكرها، ولنذكر نبذة من أسماء أعيان المصنفات الكبار ... ». ثم ذكر ثلاثاً وثلاثين (٣٣) مصنفاً.

وذكر أبو عبد الله ابن رُشيق عدداً من مصنفات ابن تيمية بلغت (٣٤٠) مصنفاً (٤).

وذكر ابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص٢٦ - ٦٧) من مصنفات ابن تيمية قرابة (٣٦٢) مصنفاً، وذكر أثناء ذلك أنه له رسائل وفتاوى كثيرة مختلفة لا تُحصر، وله مسودات كثيرة لم تبيّض، وله

(١) نقله عنه ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (٣٩١/٢).

(٢) الوافي بالوفيات (٢٣/٧).

(٣) ذيل طبقات الحنابلة (٤٠٣/٢).

(٤) طبعت في رسالة مفردة باسم (أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية) بتحقيق د. صلاح الدين المنجد، ونسبها لابن القيم، مع ملاحظة أن عدد ما ذكر من المصنفات هو (٣٤١) لكن تكرر اسم مصنف منها برقمي (١٠٨ و١٠٩) وطبعت طبعة أخرى ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية (ص٢٢٠) مع اختلاف في عدد وأسماء المؤلفات.

8

الفتاوي المصرية في (٣٠) مجلدة (١) ، وهذا كله يدل على أنها قد تصل إلى خمسمائة مجلدة أو أكثر. ومما قاله تَخْدِمَتُهُ: (( ... وله من الأجوبة والقواعد شيء كثير غير ما تقدم ذكره، يشق ضبطه وإحصاؤه، ويعسر حصره واستقصاؤه)).

ثم ذكر كَثْرَتُهُ نيته في ضبط أسماء كتبه، فقال: ((وسأجتهد إن شاء الله تعالى في ضبط ما يمكنني من ضبط مؤلفاته، في موضع آخر غير هذا وأبين ما صنفه منها بمصر، وما ألفه منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن، وأرتبه ترتيباً حسناً غير هذا الترتيب بعون الله تعالى وقوته ومشيئته))(٢).

ولا أدري هل فعل ذلك أم لا؟

ولتعذر حصر مؤلفات ابن تيمية أسباب أشار إليها ابن عبد الهادي فيما نقله عن بعض تلاميذ ابن تيمية بقوله: ((قال الشيخ أبو عبد الله (٣) لو أراد الشيخ تقي الدين كَتْبُهُ أو غيره حصرها - يعني مؤلفات الشيخ - لما قدروا :

١ - لأنه ما زال يكتب وقد منَّ الله عليه بسرعة الكتابة، ويكتب من حفظه من غير نقل، وأخبرني غير واحد أنه كتب مجلداً لطيفاً في يوم، وكتب غير مرّة أربعين ورقة في جلسة وأكثر، وأحصيت ما كتبه وبيضه في يوم فكان ثمان كراريس في مسألة من أشكل المسائل، وكان يكتب على السؤال الواحد مجلداً، وأما جواب يكتب فيه خمسين ورقة وستين وأربعين وعشرين فكثير.

(١) ذكر ابن عبد الهادي في (ص٣٨) أن اسمها (الدرر المضيئة من فتاوى ابن تيمية) وذكر الصفدي في الوافي بالوفيات (٢٩/٧) نفس عدد المجلدات، لكن ابن رجب ذكر في ذيل طبقات الحنابلة (٤٠٣/٢) أنها سبع مجلدات!

(٢) العقود الدرية (ص٦٤).

(٣) يقصد ابن رشيق، لأنه المشهور بالعناية بمصنفات ابن تيمية، ذكر ذلك عنه في العقود الدرية (ص٢٧).

9

٢- وكان يكتب الجواب، فإن حضر من يبيّضه وإلا أخذ السائل خطّه وذهب.

٣-ويكتب قواعد كثيرة في فنون من العلم، في الأصول والفروع والتفسير وغير ذلك، فإن وُجد من نقله من خطه وإلا لم يشتهر ولم يعرف.

٤- وربما أخذه بعض أصحابه فلا يقدر على نقله، ولا يرده إليه فيذهب، وكان كثيراً ما يقول: قد كتبت في كذا وفي كذا.

ويُسئل عن الشيء فيقول: قد كتبت في هذا. فلا يدري أين هو، فيلتفت إلى أصحابه ويقول: رُدّوا خطي وأظهروه لينقل! فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه، فلهذه الأسباب وغيرها تعذر إحصاء ما كتبه وما صنفه.

٥- وما كفى هذا، إلا أنه لما حُبس تفرّق أتباعه، وتفرقت کتبه.

٦- وخوفوا أصحابه من أن يظهروا كتبه، فذهب كل أحد بما عنده وأخفاه، ولم يظهروا كتبه، فبقي هذا يهرب بما عنده وهذا يبيعه أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتى إن منهم من تسرق كتبه أو تجحد فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تخليصها، فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف، ولولا أن الله تعالى لطف وأعان ومنَّ وأنعم، وجرت العادة في حفظ أعيان كتبه وتصانيفه، لما أمكن لأحد أن يجمعها، ولقد رأيت من خرق العادة في حفظ كتبه وجمعها، وإصلاح ما فسد منها، وردّ ما ذهب منها، ما لو ذكرته لكان عجباً، يعلم به كل منصف أن لله عناية به وبكلامه؛ لأنه يذب عن سنة نبيه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين))(١).

(١) العقود الدرية (ص٦٤ - ٦٦).

10