المدخل الكبير في علم أحكام
المدخل الكبير في علم أحكام
كتاب المدخل الكبير الي علم احكام النجوم لابي معشر البلخي
Page 41
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض بما فيها من عجائبها وجعل الكواكب زينة ومصابيح وجعلها دلائل وهداية يهتدي بها وجعل الأرض مهادا وقدر فيها أقواتها فلا إله إلا الله وحده لا شريك له وصلى الله على محمد النبي عبده ورسوله وآله وسلم كثيرا
القول الأول من كتاب المدخل إلى علم أحكام النجوم
هذا كتاب ألفه جعفربن محمد المعروف بأبي معشر الخراساني البلخي المنجم في صناعة المدخل إلى علم أحكام النجوم وهو ثماني مقالات وسنذكر عند كل مقالة عدد فصولها
Page 42
فأما الآن فنذكر فصول القول الأول وهو ستة الفصل الأول في صدر الكتاب والرؤوس السبعة الفصل الثاني في وجود علم أحكام النجوم الفصل الثالث في كيفية فعل الكواكب في هذا العالم الفصل الرابع في الصور والطبائع والتركيب والمطبوع الفصل الخامس في الاحتجاج على تثبيت الأحكام والرد على كل من زعم أن الكواكب لا قوة لحركاتها ولا دلالة لها على الأشياء الكائنة في هذا العالم الفصل السادس في منفعة علم الأحكام وأن تقدمة المعرفة بالأشياء الكائنة في هذا العالم من قوة حركات الكواكب نافعة جدا الفصل الأول في صدر الكتاب والرؤوس السبعة
قال جعفربن محمد المعروف بأبي معشر المنجم إن السبب الذي دعاني إلى تأليف كتاب المدخل إلى علم أحكام النجوم أني رأيت المحبين للعلم إنما قصدهم لمعرفة الأشياء واستنباط العلوم وتأليفها فإذا تهيأ لهم ذلك فقد تمت بغيتهم لأن تمام غرض العلماء بتمام المعرفة لما له يقصدون وإني وجدت كتبا كثيرة قد ألفها المتقدمون من أهل صناعة الأحكام ولم أر كتابا منها فيه تثبيت هذه الصناعة بالحجج المقنعة ولا فيه ابتداء ما يحتاج إليه الناظر في هذا العلم ورأيت قوما قد اختلفوا في ذات الأحكام فقال قوم إنه ليس لقوة حركات الكواكب فعل في هذا العالم البتة وقال قوم آخرون إن لها فعلا في الأجناس والأنواع والأركان الأربعة لا في شيء آخر وقال قوم إن لها فعلا في انتقال الزمان وتغييره فقط وقال قوم آخرون في دفعة أقاويل مختلفة إن لها فعلا في كل شيء في هذا العالم وهذا هو قول أصحاب صناعة النجوم ولم أر أحدا منهم احتج على قوله بحجة واضحة يقبلها الحكماء فرأيت أن أؤلف هذا الكتاب في المدخل إلى علم الأحكام على نحو ما كانت العلماء تؤلف كتبها في شرح ما يحتاجون إليه في كتبهم وتقديم ما ينبغي أن يقدم وتأخير ما ينبغي أن يؤخر وإني أبدأ فيه بذكر الرؤوس السبعة التي كانت الحكماء تبدأ بها في كتبهم تشبها بهم وسلوكا لمسلكهم وقصدا لسبيلهم
Page 44
فأما أول الرؤوس السبعة فغرض الكتاب والثاني منفعته والثالث اسم الواضع للكتاب والرابع اسم الكتاب والخامس في أي وقت يقرأ قبل أي كتاب أو بعد أي كتاب والسادس من أي الأجزاء هو من جزء العلم أو من جزء العمل والسابع في قسمة أجزاء الكتاب بالمقالات والفصول
فأما غرضنا في كتابنا هذا فأن نبين فيه علة كل شيء يحتاج إليه المبتدئ في تعليم أحكام النجوم وإنما فعلنا ذلك لأنا وجدنا كتبا كثيرة قد كان ألفها قوم من أهل هذه الصناعة في هذا المعنى فلم نر لأحد منهم كتابا واحدا فيه جميع ما يحتاج إليه في هذه الصناعة وكان يظن كثير من الناس أن أحكام النجوم إنما هي شيء وجده الناس حدسا وتخمينا من غير أن يكون لها أصل صحيح يعمل عليه أو يقاس به وإنه لا علة لها ولا برهان عليها ولا تثبت على الحتجاج وإن كل الناس من أهل هذه الصناعة تبع للأوائل الذين كانوا في قديم الدهور في كل شيء من هذا العلم وإنه إن لم يكن تقدم قول بعض الأوائل على معنى من المعاني فإنه لا يمكن علماء هذه الصناعة أن يستنبطوا علم ذلك الشيء فألفنا كتابنا هذا في تثبيت الأحكام بالحجج والبراهين المقنعة وبينا فيه علة حالات الكواكب والبروج وطبائعها ودلالاتها المفردة والمركبة على الاستقصاء الذي يحتاج إليه في هذا الكتاب فإن ما كان من علمها غير موجود فإن استنباطه ممكن للعلماء بأصول هذه الصناعة
فأما منفعة هذا الكتاب فظاهرة بينة لأن كل من يريد أن يبتدئ في تعليم الأحكام فإنه يستغني بقرائته وفهمه بهذا الكتاب عن قرائة كل كتاب في المدخل إلى معرفة الأحكام ويستدل بقرائته هذا الكتاب وحده على الأشياء التي لا يستدل عليها من قرائة كتاب أحد من المتقدمين لأني قد جمعت فيه أصول هذه الصناعة وأظهرت من أسرار علمها ما كان خفيا على كثير من متقدمي علماء هذه الصناعة وكشفت من باطنها ما لا يخفى على أحد ممن يقرأ شيئا منها مما يحتاج إليه من أصول علم الأحكام
Page 46
فأما لمن هذا الكتاب فقد ذكرنا في أول كتابنا أنه لجعفربن محمد المعروف بأبي معشر المنجم وإنما احتاجت الحكماء ئنما إنما معرفة اسم الواضع للكتاب لأنه إذا علم القارئ له أن واضع الكتاب عالم بمذهب الكتاب صادق القول فيه قبل قوله ووثق بصواب ما يقرأ وأيضا فلأن لا يجد الجهال كتابا لا يعرف صاحبه فينسبونه إلى أنفسهم ليتخذوا به ذكرا ومكسبا
فأما اسم هذا الكتاب فهو كتاب المدخل إلى علم أحكام النجوم وإنما احتيج إلى اسم الكتاب لأنه ربما دل اسم الكتاب على غرضه
فأما في أي وقت يقرأ قبل أي كتاب أو بعد أي كتاب فإنه يقرأ قبل كل كتاب من كتب الأحكام لأنه المدخل إلى معرفة علم الأحكام وإنما احتيج إلى معرفة هذا لأنه ربما قرأ الإنسان بعض الكتب فلا يفهمه إلا بأن يقرأ قبله كتابا آخر
فأما من أي جزء هو من أجزاء هذه الصناعة فهو من جزء العلم وإنما فيه من الجزء العلمي الشيء الذي يحتاج إليه صاحب المدخل إلى علم الأحكام
فأما لكم مقالة ينقسم فإنه ينقسم لثماني مقالات
أما المقالة الأولى ففيها ستة فصول في وجود الأحكام وتثبيتها بقوة حركات الكواكب وكيفية فعلها في هذا العالم والرد على من قال بإ بطالها بالحجج والبراهين المقنعة والمنفعة بتقدمة معرفة الأشياء من علم النجوم
وأما المقالة الثانية فإن فيها تسعة فصول في عدد صور الفلك وأسمائها وحالات البروج وطبائعها المفردة
وأما المقالة الثالثة فإن فيها تسعة فصول في العلة في استعمال المنجمين الكواكب السبعة دون غيرها في الأشياء السريعة التغييرات ودلالاتها على حالات الأركان الأربعة وتحديد أحكام النجوم والمنجم في أي شيء ينبغي أن ينظر صاحب علم الأحكام وخاصية دلالات الشمس والقمر ومشاركة الكواكب لهما على ما يحدث في هذا العالم
Page 48
وأما المقالة الرابعة ففيها تسعة فصول في ذكر طبائع الكواكب وسعودها ونحوسها على ما ذكره عامة الأولين وما كان من ردنا عليهم قولهم وما ذكرنا نحن من سعود الكواكب ونحوسها واختلاف حالاتها وطبائعها
وأما المقالة الخامسة فإن فيها اثنين وعشرين فصلا في حظوظ الكواكب في البروج كالبيوت والأشراف والحدود وسائر حظوظها
وأما المقالة السادسة فإن فيها ثلاثة وثلاثين فصلا في حالات البروج وخاصية دلالاتها على الأشياء
وأما المقالة السابعة فإن فيها تسعة فصول في حالات الكواكب وخاصية دلالاتها على الكائنات
وأما المقالة الثامنة فإن فيها تسعة فصول في استخراج السهام وعللها
Page 50
وإنما يقسم الكتاب بالمقالات والفصول لأن الكتاب إذا كان فهمه عسرا ثم فصل وجزأ كان أقرب إلى فهم القارئ وأسهل عليه الفصل الثاني في وجود علم أحكام النجوم
Page 52
إن في النجوم وحركاتها نوعين من العلم عجيبين في الفكرة عظيمين في القدر فالنوع الأول يقال له علم الكل وهو علم كيفية وكمية الأفلاك العليا وأفلاك الكواكب كل فلك على حدته وبعد كل فلك من صاحبه وميل بعضها عن بعض وعظمها وقدر كل فلك في نفسه وبعده من الأرض وإن الأرض مستديرة وإن الأفلاك مستديرة محيطة بها وإن الفلك الأعلى يدوربذاته ويدير هذه الأفلاك وما فيها من الكواكب على الأرض في اليوم والليلة من المشرق إلى المغرب دورة واحدة وإن الشمس تطلع على قوم دون قوم وإنه يكون في وقت واحد على قوم نهار وعلى قوم آخرين ليل وإن الأجرام العلوية كلها تتحرك حركتين فأما كثير من الأفلاك فإنها تسير سيرا موافقا لسير الفلك الأعلى من المشرق إلى المغرب فأما الكواكب فإنها تسير من المغرب إلى المشرق مخالفة لسير الفلك الأعلى وإن كثيرا من الأفلاك يكون سيره موافقا لسير الكواكب وقد ذكرنا جميع ذلك في زيجنا الكبير وفيه ذكر أنواع حركات الأفلاك والكواكب كل فلك وكل كوكب على حدته وما خاصة كل واحد منها وأيها أسرع حركة وأيها أبطأ وأيها أعلى من صاحبه وإن قدر الأرض في الصغر عند الفلك الأعلى كقدر النقطة عند الدائرة ومعرفة كسوف الكواكب بعضها لبعض وكسوف النيرين فمعرفة هذا وكل شيء يحتاج إليه من هذا الجنس من كيفيات الأفلاك وكمياتها وكمية حركات الكواكب وحالاتها فهو يقال له علم الكل فأما كثير من كيفية ظاهر علم الكل وكميته فهو موجود بالعيان وما لا يوجد من ذلك عيانا فالقياس عليه هو المضطر إلى قبوله لأن الدلالات والبراهين عليه من أسباب بينة واضحة متفق عليها من علم الحساب والهندسة والمساحة التي لا يخالطها شك ولا تمتنع العقول من قبولها ولا يدفع هذا العلم إلا معاند للحق وقد ألف بطلميوس الحكيم كتابا يقال له كتاب المجسطي فيه جميع ما يحتاج إليه من علم حالات الأفلاك والكواكب على الاستقصاء
والنوع الثاني علم الأحكام وهو معرفة طبيعة كل كوكب وكل فلك وخاصية دلالاتها وما يتولد ويحدث من قوى حركاتها المختلفة وطبعها في هذا العالم الذي هو دون فلك القمر من اختلاف الأزمنة وتغيير الطبائع التي هي النار والهواء والماء والأرض وفي الأشياء التي تحدث من هذه الطبائع من أشخاص الحيوان والنبات والمعادن وبالنوع الأول من علم النجوم الذي هو علم الكل يستدل على هذا النوع الثاني الذي هو علم أحكام النجوم
فأما كثير من علم الأحكام فهو ظاهربين موجود وما كان منه غير ظاهر فإنه يستدل عليه بالقياسات الواضحة من علم طبائع الأشياء وما يظهر من قوى حركات الكواكب على هذا العالم في وقت مسامتتها بعض المواضع وبعدها عن الأرض وقربها منها ولا يدفع هذا النوع الثاني من علم النجوم إلا القوم الذين بعدوا عن المعرفة والتمييز والفكرة في حالات الأجرام العلوية
Page 54
فمن القياسات التي توجد ما ذكرنا من تصحيح الأحكام على النجوم أشياء كثيرة بعضها ظاهرة عند العامة وبعضها غير ظاهرة عندهم فمن الأشياء الظاهرة التي تعرفها العامة بظاهر تجاربهم أنهم يجدون الأزمنة كالربيع والصيف والخريف والشتاء ئنما إنما يكون بانتقال الشمس في أرباع الفلك ويجدون الطبائع إنما تتغير وتنتقل من بعضها إلى بعض ويقوى بعضها ويضعف بعض بالأزمنة وبموافقتها لها وبمخالفتها إ ياها فإذا كانت الطبائع إنما تتغير بالأزمنة والأزمنة إنما تتغير بانتقال الشمس في أرباع الفلك فانتقال الطبائع بعضها إلى بعض إذا إنما يكون بانتقال الشمس في أرباع الفلك فقد نجد للشمس أيضا في كل يوم وفي كل وقت فعلا في تغيير الطبائع خلاف فعلها في الوقت الآخر وذلك لأنها كلما صارت إلى مشرق موضع من المواضع أو ارتفعت عليهم أو انخفضت عنهم تغيرت طبائعها ومزاجاتها وحدث في هواء ذلك الموضع من الحار أو البارد أو الرطب أو اليابس في حيوانها ونباتها ومعادنها في كل وقت من اليوم والليلة من التغيير والكون والفساد شيء من الأشياء خلاف ما كان عليه في الوقت الآخر وذلك كما نرى في ابتداء حركة الناس وسائر الحيوان عند بلوغ الشمس إلى مشرقهم فما دامت الشمس صاعدة إلى وسط سمائهم فإن حركتهم في زيادة وقوة فإذا مالت الشمس عن وسط السماء فإن حركتهم تضعف وتقل إلى غيبوبة الشمس فإذا غابت الشمس عنهم كان الليل وهدن فيه الأبدان وسكنت وضعفت واسترخت للنوم والهدوء وأوت عامة الحيوان إلى بيوتها وأجحرتها فإذا طلعت الشمس عليهم ثانية في اليوم الآخر رجعوا إلى الحال الأولى من الحركة
فأما النبات فإن فعل الشمس ظاهر فيه لأن كثيرا منه يظهر ويقوى وينمو ويزيد فيها عند طلوع الشمس مثل الريحان الذي يقال له النيلوفر والآذريون والخباز وورق الخروع وأشياء أ خر كثيرة من النبات التي تتحرك وتنموا مع حركتها فإذا غابت الشمس مالت هي وضعفت واسترخت وأظهر من هذا من فعل الشمس أن الزروع والنبات لا تنمو ولا تنشؤ إلا في المواضع التي تطلع عليها الشمس أو يصيبها فيها قوة حرها
Page 56
فأما المعادن فإنما يتولد فيها الجواهر على قدر قربها من مدار الشمس أو بعدها عنه لأن الشمس إذا سامتت موضعا من المواضع كان هناك حر وإذا تنحت عنه كان هناك برد فهذا وكثير من هذا الجنس من ظاهر فعل الشمس قد تعرفه العامة وقد يوجد للقمر أيضا فعل ظاهر في كثير من الأشياء لأنه كلما تغير القمر من حال إلى حال يحدث تغييرات كثيرة في الحيوان والنبات والمعادن وفي ماء البحر وفي مسقط النطف وتولد الحيوان وابتداء النتاج واللقاح ويكون ذلك على قدر زيادته في ضوئه ونقصانه منه وسائر اختلاف حالاته
وقد يعرف أيضا كثير من الأمم المختلفة ما يحدث في أيام السنة من الحر والبرد والرياح والأمطار وأصناف تغيير الهواء من حلول القمر في كل منزلة من المنازل الثمانية والعشرين وكثير منهم إذا رأوا كل واحد من هذه المنازل في المغرب بالغدوات فإنهم يقولون إن الهواء يتغير في هذا اليوم بالريح أو بالغيم أو بالحر أو بالبرد على قدر ما تقدمت تجربتهم له وقد يوجد للكواكب كلها أفاعيل مختلفة في هذا العالم إلا أن أفاعيلها عند العامة أخفى من أفاعيل الشمس والقمر ومما تستدل به العامة من فعل الكواكب في هذا العالم ما تجد من اختلاف حالات الأزمنة بالكيفية الزائدة أو الناقصة لأن اختلافها في الزيادة والنقصان إنما يكون بمشاركة الكواكب للشمس والقمر عند حلولهما في بعض مواضع الفلك ولولا مشاركة الكواكب لهما فيه لكان لا يكون صيف أحر من صيف ولا شتاء أ برد من شتاء
وقد تجد وتعرف ما ذكرنا من تغيير الطبائع وانتقالها من حال إلى حال العامة من جميع الأمم والأقاليم ممن لهم تجربة قليلة ويصح عندهم من هذه الجهة الظاهرة أن النشوء والفساد إنما يكونان على قدر تغيير الأزمنة والطبائع وإنما يكون تغيير هذه الأشياء بالشمس وبسائر الكواكب فأما القوم الذين تقدمت تجربتهم وطالت أيامهم وسنوهم فيها وتعلموا بعض ذلك من أسلافهم فإنهم حين قاسوا على هذه الأشياء الظاهرة التي وجدوها من فعل الكواكب في الأزمنة وفي هذه الطبائع من التغيير عرفوا منها أشياء غامضة لطيفة
Page 58