Al-Lama'at Al-Nayyirah fi Sharh Takmilat Al-Tabsirah
اللمعات النيرة في شرح تكملة التبصرة
Enquêteur
صالح المدرسي
Maison d'édition
مرصاد
Édition
الأولى
Année de publication
1422 AH
Lieu d'édition
قم
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (1) حمدا لك اللهم على ما عرفتنا من دلائل الأحكام، وفقهتنا في الدين، وفهمتنا من معالم الحلال والحرام، وعلمتنا من مقاصد الشرع المبين.
والصلاة والسلام على من أرسلته على فترة رحمة للعالمين، وشرحت له صدره، وفضلته على المرسلين، فصدع بالرسالة ناهضا بأعباء التبليغ بكرة وأصيلا، وأوضح الدلالة بالخطاب البليغ هاديا ودليلا، ونشر لواء التوحيد بشيرا ونذيرا، وطوى بساط الشرك فلم يدع منه إفكا وزورا. وعلى آله مصابيح الدين القويم، ومناهج الهداية إلى الصراط المستقيم، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا (2)، وجعلتهم أئمة، وعصمتهم من الزلل أولا وأخيرا، ونصبتهم
Page 3
أعلاما للأمة، أنزلت فيهم الكتاب المبين تبصرة وذكرى، وأمرت بمودتهم بآية * (قل لا أسئلكم عليه أجرا) * (1) فأحيوا سنن الإرشاد بالبرهان الجلي، وأماتوا بدع الإلحاد، وصيروا الحق بمقام علي، وشيدوا قواعد الملة البيضاء بمعارف البيان، ورفعوا منارها، وأحكموا دعائم الشريعة (2) الغراء بإيضاح التبيان، وأظهروا آثارها.
وشكرا لك على ما أنعمت علينا باتباعهم، وجعلتنا من أتباعهم، مستمسكين من سلسلتهم بالعروة الوثقى، ومعتصمين من حبل ولائهم بما هو خير وأبقى.
وبعد، فيقول المفتقر إلى رحمة ربه العبد الجاني محمد كاظم الخراساني: إنه لما كان علم الفقه مناهج الشريعة الأحمدية، ومعرفته (3) مسالك السعادة الأبدية، جد فيه علماؤنا، واجتهدوا برد الفروع إلى الأصول، وهذبوا مداركه بتنقيح التحرير، فأدركوا غاية المأمول، وأنفقوا نفائس أعمارهم في إيضاح مشكلاته، وسددوا هواجس أفكارهم لكشف معضلاته، فحرروا مبانيه بإشارات واضحة المقاصد، وأبانوا معانيه بعبارات جامعة الفوائد. جعل الله سعيهم مشكورا، ولقاهم نضرة وسرورا.
غير أن كتاب تبصرة المتعلمين الذي صنفه آية الله في العالمين، مروج الدين بتحريره النافع، وكاشف اليقين بتنقيحه المهذب البارع، شيخنا العلامة الحسن بن المطهر - أعلى الله مقامه - قد حوى على صغر حجمه أسنى الفوائد، واشتمل ببديع
Page 4
نظمه على أبهى الفرائد، جامعا بين الإيجاز والإعجاز، ومتخذا في الحقيقة سبيل الرموز ضربا من المجاز، فسألني بعض من لا يسعني إجابته بالرد، أن الحق به تكملة توقف رسمه على الحد، وأضيفها إليه إضافة معنوية معراة عن الأفعال الناقصة، وأعرب موصول مصادره بتصريفات جلية، مبتنية (1) على الدلائل الخالصة، وأشرحه شرحا يشير إلى مفاتيح الأحكام بأجلى إشارة، ويوضح منه غاية المرام بأحلى عبارة، مفصلا عقود فرائده في سلك البيان بآيات معجزة، وكاشفا لثام إبهامه عن وجوه الإتقان بعبارات موجزة خالية من التعقيد المخل والحشو الممل.
فاستخرت الله تعالى متوكلا عليه، ومقدما رغبتي إليه، فجاء بحمد الله تعالى على ما يراد، وغاية المراد.
وسميته ب " اللمعات النيرة في شرح تكملة التبصرة " جعلته تذكرة لمن تبصر، وتبصرة لمن تذكر. وأسأله من فضله الجسيم ومنه القديم أن ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
Page 5
اللمعات النيرة في شرح تكملة التبصرة مقدمة المؤلف
Page 7
الباب الأول: في المياه (الجاري)...
(كتاب الطهارة) (وفيه أبواب):
(الباب الأول: في المياه) (الماء على ضربين: مطلق ومضاف).
والمراد منه هاهنا: ما يعم غيره مجازا، وإلا فهو بمفهومه الحقيقي لا يصلح لكونه مقسما للضربين.
أما (المطلق) (1): فهو (ما يستحق إطلاق اسم الماء عليه) عرفا، (ولا يمكن سلبه عنه) إلا بنحو من العناية.
(و) أما (المضاف): فهو (بخلافه) لا يستحق إطلاقه عليه إلا بذلك.
Page 9
و (المطلق) (1) حكمه بحسب أصل خلقته أنه (طاهر) و (مطهر) للحدث والخبث حسب ما يأتي تفصيله... (وباعتبار ملاقاته للنجاسة) يختلف. ولا يطهر إلا بعد أن (يقسم (2) أقساما) ثلاثة (3):
(الأول: الجاري) وهو عرفا وإن كان السائل عن مادة، إلا أن المراد هاهنا هو النابع عنها وإن لم يكن سائلا، لاتحاد غير السائل معه حكما.
(و) حكمه أنه (لا ينجس) ولو كان قليلا (بملاقاة النجاسة، ما لم يتغير لونه أو طعمه أو رائحته بها)، لعموم " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ، إلا ما غير... " (4) والتعليل في صحيحة ابن بزيع: " ماء البئر واسع لا يفسده شئ، إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح، ويطيب الطعم، لأن له مادة " (5).
- والاستدلال به بناء على رجوعه إلى الفقرة الأولى واضح.
وأما بناء على رجوعه إلى الفقرة الثانية، فلأن الاتصال بالمادة إذا كان موجبا لارتفاع النجاسة، كان موجبا لاندفاعها بطريق أولى، كما لا يخفى - وخصوص المرسل: " الماء الجاري لا ينجسه شئ " (6). وعن دعائم الاسلام، عن أمير المؤمنين ((عليه السلام)): قال في الماء الجاري يمر بالجيف والعذرة والدم: " يتوضأ
Page 10
ويشرب وليس ينجسه شئ، ما لم تتغير أوصافه: طعمه، ولونه، وريحه " (1).
ولا يعارضها مثل " إذا بلغ الماء قدر كذا... " (2). وإن كانت النسبة بينهما عموما من وجه، لوضوح أنها أظهر في كون الجريان عن المادة أو الاتصال بها علة تامة لعدم الانفعال بالملاقاة من عمومه لما له مادة نابعة. مع أنه يدور الأمر بين إلقاء (3) ظهورها في علية الجريان من المادة والاتصال بها رأسا، وإلقاء (4) الإطلاق وتقييده بغير الجاري، وهذا أولى. مع إمكان دعوى الانسباق إليه، ولا أقل من دعوى عدم الظهور في الإطلاق، لكونه القدر المتيقن منه، كما لا يخفى.
هذا مضافا إلى دعوى الاجماع من غير واحد (5) على عدم الفرق بين قليله وكثيره.
وإن أبيت إلا عن مقاومة أدلة الكر لها، وعدم اعتبار دعوى الاجماع، فالأصل عدم الانفعال، بناء على كون الأصل مرجعا في تعارض المتكافئين بالعموم من وجه، لا الترجيح أو التخيير، مع أن الترجيح مع أدلة عدم إنفعال القليل من الجاري، لندرة القول به فتأمل.
وكيف كان (فإن تغير) أحد أوصافه تغيرا حسيا بملاقاتها (نجس المتغير خاصة) لأنه الظاهر من الأخبار الدالة على الانفعال إذا تغير (6)، ضرورة أن التغير
Page 11
التقديري ليس بتغير، سواء كان عدمه لعدم المقتضي كالملاقاة للبول الصافي، أو لأجل المانع عن ظهور أثرها عليه، كما إذا اتصف بصفتها، لوضوح أنه يمنع عن اتصافه بمثلها، كيف؟ وإلا لزم إجتماع المثلين، وهو في الاستحالة كاجتماع الضدين.
كما أن الظاهر منها اختصاص النجاسة بالمتغير (دون ما قبله) وهو واضح (و) دون (ما بعده) إذا كان متصلا بالمادة بغير المتغير، أو كان كرا، وإلا ففيه إشكال، لانقطاعه عن المادة بالماء النجس.
إلا أن يقال بعدم انفعال القليل بملاقاة المتنجس، وإن قيل بالإنفعال بملاقاة النجس، كما هو المختار حسب ما يأتي استظهاره من الأخبار. (1) هذا مع احتمال كفاية اتصاله بالمادة وعدم إنقطاعه عنها في الحكم بعدم إنفعاله بالملاقاة ولو قيل بإنفعال القليل بملاقاة المتنجس كالنجس. وذلك لأن تنجس المتغير لا يمنع عن كونه سببا لاتصال غيره بها، وليس دليل انفعال القليل أظهر شمولا له من دليل الجاري، وبينهما عموم من وجه، فالأصل يقتضي عدم إنفعاله، بناء على أنه المرجع في تعارض العامين كذلك، كما أشرنا إليه آنفا.
(وحكم ماء الغيث حال نزوله، وماء الحمام إذا كانت له مادة و (2) كان المجموع منه ومنها بمقدار (3) الكر، على الأحوط حكمه) فلا ينجسان مطلقا بالملاقاة ما لم يتغيرا (4)، لقوله (عليه السلام) في ماء الغيث: " سبيله سبيل الجاري " (5).
Page 12
والصحيح في ماء الحمام " هو بمنزلة الجاري " (1) والخبر أنه " كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (2). ورواية قرب الإسناد " ماء الحمام لا ينجسه شئ " (3).
وأما تقييد ذلك بما إذا كانت له مادة، فلرواية بكر بن حبيب: " ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة " (4).
الباب الأول: في المياه (ماء الحمام)...
وضعفها - لو كان - ينجبر بالعمل.
ثم إن مقتضى إطلاق أخباره عدم اعتبار الكرية أصلا ولو في المجموع من المادة والحوض.
ولا وجه لمنع إطلاقها لغلبة الكرية في المادة حتى في أواخر أوقات نزح الناس من الحياض الصغار، لكثرة عروض القلة على المجموع، فضلا عن أحدهما - كما لا يخفى - ولو كانت الكرية أغلب منها. مع أنه لو كانت غالبة ليست مما يلتفت إليها كي يوجب إنصراف الإطلاق إليها أو كانت قدرا متيقنا في مقام التخاطب، وبدون ذلك كان الاطلاق محكما. كيف؟ وهو ظاهر الخبر الدال على التقييد (5)، إذ لا معنى مع اعتبار الكرية ولو في المجموع للتقييد بالمادة أصلا - بناء على ما هو التحقيق من عدم اعتبار تساوي السطوح في اعتصامه وكفاية تواصل أبعاضه لوحدته معه حقيقة وعرفا. والتعدد المتراءى إنما هو بحسب محاله، كما لا يخفى على من تأمل - بل لا بد من التقييد بالكرية، كسائر المياه الواقفة بلا خصوصية له، مع أن ظاهر أخباره أن له ذلك، كما لا يخفى.
نعم كان اعتبارها في المادة أو المجموع أحوط.
Page 13
(الثاني: الواقف، كمياه الحياض والأواني ان كان مقداره كرا).
(وحد الكر: ألف ومائتا رطل) على ما هو المشهور (1)، بل بلا خلاف كما عن صريح بعض (2)، بل عليه الاجماع، كما عن الغنية (3)، لمرسلة ابن أبي عمير (4) المنجبر إرسالها بالإجماع المدعى على قبول عموم مراسيله (5). وعن المعتبر في خصوص هذه المرسلة: وعلى هذه عمل الأصحاب لا أعرف رادا لها (6).
وقضية الجمع بينها وبين صحيحة ابن مسلم: " إن الكر ستمائة رطل " (7) أن يكون ذلك (بالعراقي) بحمل (8) الرطل فيها على العراقي، وفي الصحيحة على المكي، وهو ضعف العراقي مع أن الظاهر الاتفاق على أن المراد منه فيها ليس العراقي ولا المدني، فيتعين كونه مكيا، فيكون وحده دليلا على ذلك.
(أو كان كل واحد من طوله وعرضه وعمقه ثلاثة أشبار ونصف شبر مستوي الخلقة) (9) على المشهور (10)، كما قيل، وعن الغنية الاجماع عليه (11).
Page 14