الكامل المنير في إثبات ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والرد على الخوارج

تأليف/

الإمام نجم آل الرسول/ القاسم بن إبراهيم عليهم السلام

تحقيق/

عبدالولي يحيى محمد الهادي

منشورات

مركز أهل البيت(ع) للدراسات الإسلامية

اليمن - صعدة، ت(511816)، ص ب (91064)

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

Page 1

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي فطر الأشياء على إرادته، وجعلها كيف شاء بعزته، وعم المخلوقين برحمته، ولم يوجد يئا لغير حكمة، ولم تعدم منه في الموجدات آثار قدرته، فكل شيء عليه سبحانه دليل، فتبارك الله الواحد الأحد الجليل، الذي لا تعزه كثرة المخلوقين، ولا ينقصه قله المربوبين، الذي لا تتم لغيره الصالحات، ولا تبلغ شكر آلائه القالات، ولا تحيط بذكر إفضاله الصفات، ولا تعروه السنات، العالم بخفيات الغيوب، المطلع على سرائر القلوب، الذي لم يحل بين عباده وبين طاعته، ولم يدخل أحدا من خلقه في معصيته، الهادي للسبيلين، والمبين للنجدين، والفاصل بين العلمين، المحتج بالرسل على العالمين، المتفضل على الخلق المرسلين، الذي لم يزده إيجاد الخلق به خبرة، ولم يترك لهم عليه سبحانه حجة، الذي لم يزل ولا يزال الواحد الأحد الصمد، ذو الجلال، أول الأولين، وآخر الآخرين، وفاطر السموات والأرضين، الذي {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}(الشورى/11)، {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}(الأنعام/103)، الذي {لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد}(الإخلاص/3-4)، {الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا}(الإسراء/111).

والصلاة والسلام على نبيه المجتبى، ورسوله المصطفى، خاتم الأنبياء، أرسله الله رحمة للعالمين إلى الإنس والجن أجمين محمد بن عبد الله الصادق الأمين، صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين.

Page 2

وأشهد أنه بلغ ما أرسل به، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين، وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا(1)، قرناء الكتاب في حديث الثقلين(2)، وعلى أزواجه وأصحابه الذين اقتفوا أثره، وساروا على نهجه وسننه، وعلى التابعين لهم وتابعي تابعيهم إلى يوم الدين.

(أما بعد) :

Page 3

فإنها قد وقعت مكاتبة - مراسلة - علمية بيني وبين الشيخ العلامة المحقق: محمد باقر الأنصاري الزنجاني الخوئي، أحد أبرز رجال علماء الإمامية الاثنا عشرية ب(إيران)، وهو أحد أعلام المؤلفين الإيرانيين المعاصرين، ومن أكابر محققيهم وأبرزهم شهرة في وقتنا الراهن؛ إذ كانت تلك المكاتبات - المراسلات - العملية طلبا منه البحث والتحقق من مسألة إمامة الاثني عشر عليهم السلام، كون الإمامة أصل من أصول الدين لدى المذهب الزيدي، حيث بعث إلي كتابا بخط يده تعقيبا علي قال فيه:((..إن مسئلة القول بالأئمة الاثني عشر المعصومين عليهم السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل بينه وبينهم، من أصول الدين عندنا ويترتب عليه كثير من النتائج في الاعتقاد والعمل وخاصة فيما نتعبد به من أخبار السماء وأوامر الباري تعالى والمنع من الاجتهاد في مقابل نصوصهم، وهذا أحد المواضيع التي يجب أن تكون بصدد التحقيق عنها.

وإنما قلت هذا لما عرفت من روحك الصافي الذي هو بصدد التثبت والتحقيق عن الواقع، وأنك لا تتعصب لشيء مما سبق في ذهنك وفكرك..))(1) اه.

وقد أجبته على التو برسالة وعدته فيها تنفيذ ما يصبو إليه، وإشعاره بالبدء في التحقيق بصدد هذا الموضوع؛ إلا أنني لم أرم جوابا فيما بعد، وقد أرسلت له عدة رسائل لم يصلني رد منه على الإطلاق.

Page 4

ووفاء مني لوعدي إياه ذلك، ونزولا عند طلبه كان اختياري مسألة تحقيق ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام هو بدء الانطلاق والبحث حول إمامة أهل البيت عليهم السلام؛ إذ أنه يعتبر المعيار - أو العلم - لمعرفة صحة إيمان العبد من بطلانه في موالاته له والبراءة من عدوه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:((اللهم اشهد أني قد جعلت عليا علما يعرف به حزبك عند الفرقة هاديا علي)).

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:((لولا أنت يا علي لما عرف المؤمنون بعدي)).

إذا فالزيدية والجعفرية -الإمامية- إن لم يتفقا على الإقرار بولايته عليه السلام وما يترتب على ذلك من الولاء والبراء فإن أحد المذهبين مصيب والآخر مخطئ لا محالة.

ولم تكن تلك المكاتبات بيننا بصدد التحقق فحسب، بل لإيجاد التقارب وتوحيد الكلمة، فالاعتصام، امتثالا لقوله تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا..} الآية(آل عمران/103).

وبالرغم أن الوحدة دليل على كل الأصعدة مطلب عام؛ إلا أن البشر اختلفوا في وسائل تحقيقها، شأنها شأن أي مطلب عام إنساني. فكانوا طرائق قددا، وإن كان اختلافهم في وسائل تحقيق هذه الوحدة دليل قاطع على سعيهم المستمر لتحقيقها، وبرهان ساطع على عمق إدراكهم لأهمية هذه الوحدة وجزيل نعمها؛ إلا أن السبيل إلى تحقيقها بأيديهم يكون محالا قطعا؛ لأن الله سبحانه هو الآمر بالتوحد والاعتصام كما ذكر ذلك في محكم كتابه الكريم حيث قال:{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا..} الآية.

فإذا كان الآمر أعلم من المأمور فإن الحل أو السبيل يكون بيده حتما، فكيف بالله سبحانه وتعالى وهو الآمر بهذا الاعتصام الذي قد بينه، وأشار إليه في كتابه المنزل وعلى لسان نبيه المرسل صلى الله عليه وآله وسلم.

Page 5

وإن القبائل العربية - في السابق -لم تتوحد مع بعضها على أساس أنها كلها عرب، ولا توحدت تلك القبائل مع مواليها ومن ساكنها في الجزيرة على أساس الإنسانية، أو على أي أساس آخر، إنما توحدوا بنعمة الله، وعلى أساس الإسلام الداعي لإقامة الدولة العالمية التي تحكم العائلة البشرية كلها، وفق المنظومة الحقوقية الإلهية.

ومن نافلة القول أن نذكر بأن هذه المنظومة بينت كل شيء على الإطلاق في الماضي والحاضر والمستقبل، بالحال والمآل، وبينت القيادة السياسية والمرجعية من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على اعتبار أنها أهم الأشياء، وأعلن المسلمون تمسكهم، وإصرارهم وحرصهم عليه في هذا الوقت بالذات أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه خير فاختار ما عند الله، وأنه دعي للموت فأجاب لما فرض الله على عليه من إبلاغ رسالاته فقال:{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس}[المائدة/67].

فقال صلى الله عليه وآله وسلم ((أيها الناس! إنه نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعش نبي قط إلا نصف عمر النبي الذي يليه ممن قبله، وإني أوشك أن أدعى فأجيب، وإنكم مسؤولون هل أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، فماذا أنتم قائلون؟))(1).

قالوا: والله لقد بلغت ونصحت فجزاك الله عنا أفضل الجزاء ما يجزى نبي عن أمته.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:((أتشهدون أن لا إله إلا الله، وأني محمد رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث بعد الموت حق؟)).

Page 6

قالوا: نشهد بذلك.

فرفع يده صلى الله عليه وآله وسلم ثم وضعها على صدره، ثم قال:((وأنا أشهد بذلك، اللهم اشهد))، ثم قال:((ألا لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، لعن الله من تولى غير مواليه، ألا ليس لوارث وصية، ولا تحصل الصدقة لآل محمد، ومن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار.

أيها الناس؛ ألستم تشهدون أن الله مولاي، وأن الله مولى المؤمنين وأنا أولى بكم من أنفسكم؟)).

قالوا: بلى نشهد أنك أولى بنا من أنفسنا.

قال: فأخذ بيد علي بين أبي طالب فرفعها ثم قال:((من كنت أولى به من نفسه فهذا علي مولاه؛ اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وابغض من بغضه، وأعن من أعانه، وانصر من نصره، واقتل من قاتله، واخذل من خذله)). ثم أرسل يده.

فقال رجل من القوم: ما بال محمد يرفع بضبع(1) بن عمه؟!!.

Page 7

فسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتغير لذلك وجهه، فلما رأى ذلك الرجل(1) أن رسول الله قد علم به واشتد عليه وأقبل على علي فقال له: هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة(2).

ثم أخذ رسول الله بيد علي الثانية فقال:((يا أيها الناس؛ اسمعوا ما أقول لكم: إني فرطكم على الحوض وإنكم واردون علي الحوض، حوضا أعرض مما بين صنعاء إلى إيلة فيه كعدد نجوم السماء أقداح، إني مصادفكم على الحوض يوم القيامة ألا فإني مستنقذ رجالا ويخلج دوني آخرون فأقول: يا رب! أصحابي أصحابي!! فيقال: إنهم أحدثوا وغيروا بعدك.

وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفونني فيهما)).

قالوا: وما الثقلان يا رسول الله؟

Page 8

قال:((الأكبر منهما كتاب الله سبب ما بين السماء والأرض، طرف بيد الله وطرف بأيدكم؛ فتمسكوا به، لا تضلوا ولا تبدلوا، والأصغر منهما عترتي أهل بيتي فقد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فلا تعلموا أهل بيتي فإنهم أعلم منكم، لا تسبقوهم فتمرقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تتولوا غيرهم فتضلوا.

يا أيها الناس؛ أطيعوا قولي، واحفظوا وصيتي، وأطيعوا عليا فإنه أخي ووزيري وخليفتي على أمتي؛ فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن خالفه فقد خالفني. ألا لعن الله من خالف عليا)).

ثم أرسل يده فقال:((يا علي؛ أكتب بما أوصيتهم به عليهم كتابا)).

فلما أن كتب وأشهد الله عليهم رسول الله بإبلاغهم ذلك اليوم أخذ الكتاب فقال لهم بصوت له عال:((أيها الناس؛ هل أبلغتكم ما في هذا الكتاب؟)).

قالوا: اللهم نعم.

قال:((اللهم اشهد وكفى بك شهيدا)).

ثم رفع صوته فقال:((هل أقيلكم؟!)).

فقالوا: نعوذ بالله ثم بك يا رسول الله من أنت تقيلنا أو نستقيلك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:((اللهم اشهد أني قد جعلت عليا علما يعرف به حزبك عند الفرقة هاديا علي)).

وبتمام النعمة كان تمام الإسلام كما قال تعالى :{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(المائدة/3).

وهكذا نرى أن الله عز وجل قد بين للأمة الإسلامية طريق الاعتصام بحبله بدءا بإقرار وحدانيته وبرسالة نبيئه وبوصيه أمير المؤمنين عليه السلام كما قال تعالى :{إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(المائدة/55).

Page 9

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:((أيها الناس! لو صمتم حتى تكونوا كالأوتار، وصليتم حتى تكونوا كالحنايا ولقيتم الله بغير ولاية علي بن أبي طالب لكبكم الله في النار على وجوهكم)). وقال صلى الله عليه وآله وسلم:((لولا أنت يا علي لما عرف المؤمنون بعدي)).

ثم بين الله تعالى - أيضا - للأمة الإسلامية أيضا طريق الاعتصام بحبله من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه عليه السلام، حيث قال:{قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم :((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبر نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)).

هذا ونقتصر بهذا القدر من إيراد الآيات القرآنية، والنصوصو النبوية الدالة على إثبات الولاية في الوصي وأهل البيت عليهم السلام.

وقد كنت أعددت بحثا جمعت فيه آراء وأقوال أئمة الزيدية في ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام بالوصية بالنص الجلي الصريح في إمامته، وإمامة أهل البيت عليهم السلام، كالإمام الأعظم زيد بن علي، والإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، والإمام عبد الله بن حمزة، والإمام يحيى بن حمزة.. صلوات الله عليه أجمعين، فاقتصرت على بحث واحد من مجموع كتب أئمة الزيدية عليهم السلام فكان وقوفي على هذا الكتاب (الكامل المنير) واختياري له موفقا لتحقيقه؛ إذ أن مؤلفه نجم آل الرسول وترجمان الدين الإمام القاسم بن إبراهيم -صلوات الله عليه- والذي يعد من أكابر أعلام المذهب الزيدي، معلوم فضله وزهده وعلمه وجهاده، لا يجهله إلا جاحد معاند، كما أن مصادره العملية تعد أيضا من أهم مراجع الزيدية وأوثقها.

Page 10