359

الكلمات الحسان في بيان علو الرحمن

الكلمات الحسان في بيان علو الرحمن

٢٥ - إذا كانتِ الملائكةُ وهم مخلوقونَ من النُّورِ، وهمْ لا يأكلونَ ولا يشربونَ؛ بل همْ صمدٌ ليسوا جوفًا - كالإنسانِ ـ، وهم يتكلَّمونَ ويسمعونَ ويبصرونَ ويصعدونَ وينزلونَ كما ثبتَ ذلكَ بالنُّصوصِ الصحيحةِ، وهم مع ذلكَ لا تماثلُ صفاتُهم وأفعالُهم صفاتِ الإنسانِ وفعلَهُ؛ فالخالقُ تعالى: أعظمُ مباينة لمخلوقاتهِ منْ مباينةِ الملائكةِ للآدميينَ؛ فإنَّ كليهما مخلوقٌ، والمخلوقُ أقربُ إلى مشابهةِ المخلوقِ من المخلوقِ إلى الخالقِ ﷾.
وكذلكَ روحُ ابنِ آدم: تسمعُ وتبصرُ وتتكلَّمُ وتنزلُ وتصعدُ، كما ثبتَ ذلكَ بالنُّصوصِ الصحيحةِ، والمعقولاتِ الصريحةِ، ومعَ ذلكَ: فليستْ صفاتها وأفعالها كصفاتِ البدنِ وأفعالهِ.
فَإِذَا لَمْ يجزْ أنْ يقالَ: إنَّ صفاتِ الرُّوحِ وأفعالها: مثلُ صفاتِ الجسمِ الَّذي هُوَ الجسدُ، وَهِيَ مقرونةٌ بِهِ وهما جميعًا الإنسانُ، فَإِذا لَمْ يكنْ روحُ الإنسانِ مماثلًا للجسمِ الَّذي هُوَ بدنهُ؛ فكيفَ يجوزُ أنْ يُجْعَلَ الرَّبُّ ﵎ وصفاتهُ وأفعالهُ مثلَ الجسمِ وصفاتهِ وأفعالهِ؟!! (١).
٢٦ - منْ فهمَ منْ قولهِ تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩]، ما يختصُّ بالمخلوقِ، كما يفهمُ منْ قوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]، فقدْ أُتيَ مِنْ سوءِ فهمهِ، ونقصِ عقلهِ، لا منْ قصورٍ في بيانِ الله ورسولهِ؛ فإنَّ ظاهرَ اللفظِ يدلُّ على استواءٍ يضافُ إلى الله ﷿ كما يدلُّ في تلكَ الآيةِ على استواءٍ يضافُ إلى العبدِ.
وإذا كانَ المستوي ليسَ مماثلًا للمستوي، لم يكنِ الاستواءُ مماثلًا للاستواءِ.

(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٥٤).

1 / 358