Al-'Ishaara fi Ma'rifat al-Usool wal-Wajaaza fi Ma'ana al-Daleel
الإشارة في معرفة الأصول والوجازة في معنى الدليل
Maison d'édition
المطبعة التونسية
Édition
الثالثة
Année de publication
١٣٥١ هـ
Lieu d'édition
نهج سوق البلاط- تونس
Régions
•Espagne
Empires & Eras
Abbassides
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الإشارات لأبي الوليد الباجي
باب أقسام أدلة الشرع
أدلة الشرع على ثلاثة أضرب: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال.
فأما الأصل فهو الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وأما معقول الأصل: فهو لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى الخطاب والحصر.
1 / 5
وأما استصحاب الحال، فهو استصحاب حال الأصل.
(فصل)
إذا ثبت ذلك فالكتاب على ضربين: مجاز وحقيقة.
فأما المجاز فهو لفظ تجوُّز به عن موضوعه، فعلى أربعة أضرب:
زيادة، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾.
ونقصان، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾.
وتقديم وتأخير، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾.
واستعارة، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾، وقوله ﷿: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.
وقال محمد بن خويز منداد من أصحابنا وداود الأصبهاني: إنه لا يصح وجود المجاز في القرآن، وقد بينا ذلك.
(فصل)
وأما الحقيقة فهو كل لفظ بقي على موضوعه، وهو على ضربين:
1 / 6
مفصل ومجمل:
فأما المفصل: فهو ما فهم المراد به من لفظه، ولم يفتقر في بيانه إلى غيره، وهو على ضربين: غير محتمل ومحتمل.
فأما غير المحتمل فهو النص، وحده: ما رفع في بيانه إلى أبعد غاياته، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فهذا نص في الثلاثة، لا يحتمل غير ذلك، فإذا ورد وجب المصير إليه والعمل به إلا أن يرد ناسخ أو معارض.
(فصل)
وأما المحتمل فهو ما احتمل معنيين فزائدًا، وهو على ضربين:
أحدهما أن لا يكون في أحد محتملاته أظهر منه في سائرها، نحو
1 / 7
قولك: لون، للذي يقع على البياض والسواد وغيرهما من الألوان وقوعًا واحدًا، ليس هو في واحدٍ منهما أظهر منه في سائرها.
فإذا قال لك من يلزمك أمره: اصبغ هذا الثوب لونًا، فإن كان ذلك على معنى التخيير فأي لون صبغت الثوب كنت ممتثلًا لأمره، وإن أراد بذلك لونًا بعينه لم يمكنك امتثال أمره إلا بعد أن يبين اللون الذي أراد.
ولا يجوز أن يتأخر البيان عن وقت الحاجة إلى امتثال الفعل.
والثاني: أن يكون اللفظ في أحد محتملاته أظهر منه في سائرها، كألفاظ الظاهر والعموم وغير ذلك.
(فصل)
فأما الظاهر فهو المعنى الذي يسبق فهم السامع من المعاني التي يحتملها اللفظ، كألفاظ الأوامر نحو قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، (فاقتلوا المشركين) فهذا
1 / 8
اللفظ إذا ورد وجب حمله على الأمر، وإن كان يجوز أن يراد به الإباحة نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، والتعجيز نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾، والتهديد نحو قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، والتعجب نحو قولك: أحسن بزيد، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية، في الأمر أظهر منه في سائر محتملاته، فيجب أن يحمل على أنه أمر إلا أن ترد قرينة تدل على أن المراد به غير الأمر، فيعدل عن ظاهره إلى ما يدل الدليل عليه.
(فصل)
إذا ثبت ذلك فالأمر اقتضاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء والقهر.
وهو على ضربين: وجوب
1 / 9
وندب فالواجب ما كان في تركه عقاب من حيث هو ترك له على وجهٍ ما، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
والندب ما كان في فعله ثواب، ولم يكن في تركه عقاب من حيث هو ترك له على وجه ما، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
1 / 10
وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
إِلَّا أن لفظ الأمر في الوجوب أظهر منه في الندب، فإذا ورد لفظ الأمر عاريًا من القرائن وجب حمله على الوجوب، إِلَّا أن يدل دليل على أن الندب مراد به، فيحمل عليه.
وقال القاضي أبو بكر: يتوقف فيه ولا يحمل على وجوب ولا ندب حتى يدل الدليل على المراد به.
وقال أبو الحسن بن المنتاب يحمل على الندب ولا يعدل الوجوب إِلَّا بدليل.
1 / 11
والدليل على ما نقوله: قوله ﷿ لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، فوبخه وعاقبه لما لم يمتثل أمره بالسجود لآدم، ولو لم يكن مقتضاه الوجوب لما عاقبه ولا وبخه على ترك ما لا يجب عليه فعله.
فصل
إذا وردت لفظة أفعل بعد الحظر
1 / 12
اقتضت الوجوب أيضًا، على أصلها.
وقال جماعة من أصحابنا: إنها تقتضي الإباحة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
والدليل على ما نقوله: أنا إذا أجمعنا على أن لفظ الأمر بمجرده يقتضي الوجوب، وهذا لفظ الأمر مجردًا، فوجب أن يقتضي الوجوب، وتقدم الحظر على الأمر لا يخرجه عن مقتضاه، كما أن تقدم الأمر على الحظر لا يخرجه عن مقتضاه.
فصل
الأمر المطلق لا يقتضي الفور، وإليه ذهب القاضي أبو بكر، وذكر محمد بن خويز منداد أنه مذهب المغاربة من المالكيين، وقال المالكيون من البغداديين: إنه يقتضي الفور.
والدليل على ما نقوله: أن لفظة افعل لا تتضمن الزمان إِلَّا
1 / 13
كتضمن الإخبار عن الفعل للزمان، ولو أن مخبرًا يخبر أنه يقوم لم يكن كاذبًا إذا وجد قيامه متأخرًا، فإذا ثبت ذلك فإن للواجب على التراخي حالة يتعين وجوب الفعل فيها وهو إذا غلب على ظن المكلف فوات الفعل.
ويجري إباحة تأخير المكلف الفعل مجرى إباحة تعزير الإمام الجاني وتأديب المعلم الصبي إذا لم يغلب على الظن هلاكه، فإذا غلب على الظن هلاكه حرم ذلك.
فصل
إذا نسخ وجوب الأمر جاز أن يحتج به على الجواز.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز ذلك.
والدليل على جوازه: أن الأمر الواجب يقتضي وجوب الفعل ومحال أن يكون واجبًا ويكون مع ذلك محظورًا، فثبت أن الوجوب يتضمن الجواز ومعنى الجائز في هذا الوجه ما وافق الشرع.
فإذا نسخ
1 / 14