إنه نشأ في تصون(١١٣) تام ، وعفاف وتأله ، واقتصاد في الملبس والمأكل ، ولم يزل على ذلك خلقاً صالحاً ، براً بوالديه تقياً ورعاً. عابداً ناسكا صوّاماً قواماً ، ذاكراً الله تعالى في كل أمر ، وعلى كل حال ، رجّاعاً إلى الله تعالى في سائر الأحوال والقضايا ، وقافاً عند حدود الله تعالى وأوامره ونواهيه آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، فارغاً من شهوات المأكل والملبس والجماع ، لا لذة له في غير نشر العلم وتدريسه ، عرض عليه منصب قضاء القضاة ومشيخة الشيوخ فلم يقبل.
وقبل وظائف والده في التدريس وله إحدى وعشرون سنة . وكان والده من کبار الحنابلة وأئمتهم ، ودرّس هو بعده ، فاشتهر أمره وبعد صيته في العالم ، وما أتى له ثلاثون سنة ، حتى كان من أعظم علماء عصره ، بل أعظم عالم في عصره ، لا تكاد نفسه تشبع من العلم ، ولا تروى من المطالعة ، ولا تَمَّلُّ من الاشتغال ، ولا تكِلُّ من البحث ، وقل أن يدخل في باب من أبواب العلوم إلا وفتح له من ذلك الباب أبواب ، واستدرك أشياء في ذلك العلم على حُذّاق أهله.
وكان يحضر المجالس والمحافل في صغره ، فيتكلم ويناظر ويفحم الكبار ، ويأتي بما يحار منه أعيان البلد ، وشرع في الجمع والتأليف وله نحو سبع عشر سنة.
قال الحافظ الزملكاني : كان إذا سئل عن فن من الفنون ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن ، وحكم أن أحداً لا يعرف مثله.
وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك ، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه ، ولا
(١١٣) في الأصل ((تصوف)) والصواب ما أثبتناه نقلاً عن ((الرد الوافر)) و((العقود الدرية)) .