فصل
[ الاستثناء في الإيمان والتوبة من الكفر ]
أجمع المسلمون على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن ذلك حق يَجْزِم به المسلمون ويقطعون به ولا يرتابون، وكل ما عَلِمه المسلم وجزم به فهو يقطع به وإن كان الله قادراً على تغييره، فالمسلم يقطع بما يراه ويسمعه، ويقطع بأن الله قادر على ما يشاء، وإذا قال المسلم أنا أقطع بذلك فليس مراده أن الله لا يقدر على تغييره، بل من قال إن الله لا يقدر على مثل إماتة الخلق وإحيائهم من قبورهم وعلى تسيير الجبال وتبديل الأرض غير الأرض فإنهُ يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل.
والذين يكرهون لفظ القطع من أصحاب أبي عمرو بن مرزوق هم قوم أحدثوا ذلك من عندهم ولم يكن هذا الشيخ ينكر هذا، ولكن أصل هذا أنهم كانوا يستثنون في الإِيمان كما نقل ذلك عن السلف فيقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ويستثنون في أعمال البر، فيقول أحدهم: صليت إن شاء الله. ومراد السلف من ذلك الاستثناء كونه لا يقطع بأنه فعل الواجب كما أمر الله ورسوله، فيشك في قبول الله لذلك فاستثنى ذلك، أو للشك في العاقبة، أو يستثنى لأن الأمور جميعها إنما تكون بمشيئة الله كقوله تعالى ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إن شاء الله ﴾ [سورة الفتح: ٢٧]. مع أن الله علم بأنهم يدخلون لا شك في ذلك، أو لئلا يزَكِّى أحدهُم نَفْسَه.
وكان أولئك يمتنعون عن القطع في مثل هذه الأمور، ثم جاء بعدهم قوم جُهَّال فكرهوا لفظ القطع في كل شيء، ورووا في ذلك أحاديث مكذوبة، وكل من روي عن النبي ﷺ أو عن أصحابه أو واحد من علماء المسلمين أنه كره لفظ القطع في الأمور المجزوم بها فقد كذب عليه. وصار الواحد