حتى إن المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادة الصلاة وكرهها أكثرهم ، حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس : من أعادها فهو مبتدع . وهذا أظهر القولين ، لأن الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع ، ولم يأمر الله تعالى قط أحداً إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة . ولهذا كان أصح قولي العلماء أن من صلى بحسب استطاعته أن لا يعيد ، حتى المتيمم لخشية البرد ، ومن عُدِمَ الماء والتراب إذا صلى بحسب حاله ، والمحبوس وذوو الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطعة لا يجب على أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلى الأولى بحسب استطاعته .
وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا بغير ماء ولا تيمم لما فَقَدَتْ عائشة عِقْدَها ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإِعادة(١٠٠) ، بل أبلغ من ذلك أن من كان يترك الصلاة جهلاً بوجوبها لم يأمره بالقضاء ، فعمر وعمار لما أجنبا وعمر لم يصلّ وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة لم يأمرهما بالقضاء(١٠١)، وأبو ذر لما كان يَجْنُبُ ولا يصلي لم يأمره بالقضاء(١٠٢)، والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة منكرة منعتها الصلاة والصوم لم يأمرها بالقضاء(١٠٣) والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم يأمرهم بالقضاء ، وكانوا قد غلطوا في معنى الآية فظنوا أن قوله تعالى : ﴿ حتى يَتَبَيَّنَ لكم الخيطُ الأبيض من الخيطِ الأسود من
(١٠٠) قصة عقد أُمّنَا ((عائشة)) رضي الله عنها رواها ((البخارى)) (٣٧٧٣) ((ومسلم)) (٣٦٧) عنها رضي الله عنها وغيرهما.
(١٠١) قصة ((عُمَر وعَمَّارٍ)) رضي الله عنهما. عند البخاري (٣٣٨) وعند مسلم (٣٦٨).
(١٠٢) قصة ((أبي ذر)) هذه رواها ((أبو داود)) (٣٢٨) عنه رضي الله عنه بسند حسن وغيره.
(١٠٣) وقصة المستحاضة رواها البخارى (٣٢٧) ومسلم (٣٣٤).