فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضا من أهل الجمل وصفين ونحوهم وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى : ﴿ وإنْ طائفتانِ من المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُوا بينهما فإِنْ بغَتْ إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإنْ فاءت فأصلحوا بينهما بالعَدْل وَأَقْسِطُوا إنَّ الله يحبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ [ سورة الحجرات: ٩] فقد بَّين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون وأمر بالإِصلاح بينهم بالعدل(٩٢). ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين لا يعادون كمعاداة الكفار ، فيقبل بعضهم شهادة بعض ، ويأخذ بعضهم العلم من بعض ، ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما
= صارت منه واقعاً لامراء فيه ، والظروف التي حدث فيها منه ذلك ترفع من قدر ظَنِّ ((أسامة)) رضي الله عنه، فإنه قال لرسول الله ﷺ (( إنما كان متعوذاً)) أي من القتل وهذا في لفظ البخاري، وعند مسلم: (( إنما قالها خوفاً من السلاح)) وعلى ذلك فكل من شَهِدَ أنه مسلم وانتمى لهذا الدين فهو مسلم ، وإن كان هناك ظَنٍّ ولو تَرَجَّحَ بأنه يكون غير ذلك .
فلا يجوز دَفْع ما وقع بما هو ظَنّ ، فكيف بهؤلاء المبتدعة الذين لا يكفيهم من يؤذن ، .ويشهد الشهادتين وغيرها ، ومن يُقيم الصلاة ويصلِّى، وبدون مُمارسة لأي ضغط عليه لفعل ذلك ، بل الضغوط عليه قد تكون لترك ذلك ، ولا تجد عندهم إلا الظن من أنه قد يكون من أهل كذا أو وقع في كذا وكذا ، وإن الظَّنَّ لا يغني من الحق شيئاً فاعلم رحمك الله أن هذا ضلال بعيد عن هَدْي النبي محمد ﷺ وأن خير الهَدْي هَذْي محمد ﷺ، فاستمسك به وبالله التوفيق .
(٩٢) وهذه الآية تُبيِّنُ أن لفظ الكُفر الوارد في حديث رسول الله ﷺ عند البخاري ح (٤٨) فتح - محمد فؤاد عبد الباقي - وغيره عن ((عبد الله بن مسعود)) ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) وحديث (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) [ سبق]، لا يُقْصَدُ به إلا الكفر العملي الذي لا يُخْرِجُ من الملة ، وهذا يجري مجرى ما ذكرته سابقاً من الدلالة على صحة تقسيم الكفر إلى عقيدي وعملي ، وأن لفظ ( الكفر ) لا يقصد به مباشرة الإِخراج من الملة إلا أن يخالط الاعتقاد باستحلال مثلاً ، وأنه يجب كما ذكرت سابقاً إقامة الحجة بالحكمة والرحمة .