وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلاً بعد ما قال لا إله إلا الله وعظَّم النبي ﷺ ذلك لما أخبره وقال: ((يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟)) وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة : تمنيتُ أني لم أكن أسلمتُ إلا يومئذ(٩٠). ومع هذا لم يوجب عليه قَوَداً ولا دية ولا كفارة ، لأنه كان متأولاً ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذاً(٩١).
= (١ / ٢١٤) ] والأمثلة على ذلك كثيرة ، وكلها تقرر هذه القاعدة : من أن المسلم قد يرتكب الكفر ولا يخرج بذلك من ملة الإسلام ، كما يؤيد تقسيم العلماء الكفر إلى كفر عقيدي وكفر عملي، وأن الأول يُخْرِجُ مِنْ مِلَّة الإِسلام ، والثاني لا يخرج من الملة ، وفي كلا الحالين يجب إقامة الحُجَّة .
واعلم أن ذلك كان واضحاً للصحابي (( حاطب بن أبي بلتعة )) رضي الله عنه ببداهة العلم بالإِسلام، إذ قال رضي الله عنه في رواية البخاري: ((والله ما بي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله ﷺ، أردت أن تكون لي عند القوم يَدّ يدفع الله بها عن أهلي ومالي)) وفي رواية مسلم: ((ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكُفْرِ بعد الإِسلام )) فأثبت أنه بعيد عن الكفر العقيدي والخروج من المِلَّة ، وأن ذلك ضعف منه وزَلَّةُ شيطان، فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن يأخذ بالظاهر على الرغم من ظَنِّ (( عمر بن الخطاب)) رضي الله عنه ، وكانت فعلته معصية دون الكفر مما غفر الله لأهل بدر، ولنا في قوله ﷺ له: ((ما حملك على ما صنعت)) عند البخاري ، وعند مسلم: ((يا حاطب ما هذا؟)) أسوة حسنة في عدم التسرع بالتكفير ، وإخراج الناس من مِلَّةِ الإِسلام ، وأن نتأنى في ذلك ونُزِيلُ العارض من الجهل أو الهوى ، وذلك بإقامة الحُجَّة بالحكمة والرحمة ، وإظهار العلم الصحيح وتعليمه للناس، فانظر للرسول ﷺ يُبَيِّن أن ذلك شرك يقول للرجل: ((أجعلتني الله عدلاً)) فيعلمه قائلاً: ((بل ما شاء الله وحده)) عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات .
(٩٠) قصة (((أسامة بن زيد)) رضي الله عنه هذه رواها البخاري (١٩١/١٢-٦٨٧٢) ومسلم (٤٦١/٢-٩٦، ٩٧) عن ((أسامة بن زيد)) رضي الله عنه .
(٩١) وفى حديث ((أسامة بن زيد)) رضي الله عنه قاعدة أخرى عظيمة أُبيّنُها بتوفيق الله: فالرجل قال: ((لا إله إلا الله)) لا غير ، أي أنه انتمى للإسلام ، وهذه الشهادة =