387

الفتاوى النافعة لأهل العصر وهو مختصر فتاوى الإمام ابن تيمية الخمسة والثلاثين مجلداً

الفتاوى النافعة لأهل العصر وهو مختصر فتاوى الإمام ابن تيمية الخمسة والثلاثين مجلداً

Enquêteur

حسين الجمل

Maison d'édition

دار ابن الجوزي

Année de publication

1411 AH

Lieu d'édition

المملكة العربية السعودية

وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلاً بعد ما قال لا إله إلا الله وعظَّم النبي ﷺ ذلك لما أخبره وقال: ((يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟)) وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة : تمنيتُ أني لم أكن أسلمتُ إلا يومئذ(٩٠). ومع هذا لم يوجب عليه قَوَداً ولا دية ولا كفارة ، لأنه كان متأولاً ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذاً(٩١).

= (١ / ٢١٤) ] والأمثلة على ذلك كثيرة ، وكلها تقرر هذه القاعدة : من أن المسلم قد يرتكب الكفر ولا يخرج بذلك من ملة الإسلام ، كما يؤيد تقسيم العلماء الكفر إلى كفر عقيدي وكفر عملي، وأن الأول يُخْرِجُ مِنْ مِلَّة الإِسلام ، والثاني لا يخرج من الملة ، وفي كلا الحالين يجب إقامة الحُجَّة .

واعلم أن ذلك كان واضحاً للصحابي (( حاطب بن أبي بلتعة )) رضي الله عنه ببداهة العلم بالإِسلام، إذ قال رضي الله عنه في رواية البخاري: ((والله ما بي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله ﷺ، أردت أن تكون لي عند القوم يَدّ يدفع الله بها عن أهلي ومالي)) وفي رواية مسلم: ((ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكُفْرِ بعد الإِسلام )) فأثبت أنه بعيد عن الكفر العقيدي والخروج من المِلَّة ، وأن ذلك ضعف منه وزَلَّةُ شيطان، فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن يأخذ بالظاهر على الرغم من ظَنِّ (( عمر بن الخطاب)) رضي الله عنه ، وكانت فعلته معصية دون الكفر مما غفر الله لأهل بدر، ولنا في قوله ﷺ له: ((ما حملك على ما صنعت)) عند البخاري ، وعند مسلم: ((يا حاطب ما هذا؟)) أسوة حسنة في عدم التسرع بالتكفير ، وإخراج الناس من مِلَّةِ الإِسلام ، وأن نتأنى في ذلك ونُزِيلُ العارض من الجهل أو الهوى ، وذلك بإقامة الحُجَّة بالحكمة والرحمة ، وإظهار العلم الصحيح وتعليمه للناس، فانظر للرسول ﷺ يُبَيِّن أن ذلك شرك يقول للرجل: ((أجعلتني الله عدلاً)) فيعلمه قائلاً: ((بل ما شاء الله وحده)) عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات .

(٩٠) قصة (((أسامة بن زيد)) رضي الله عنه هذه رواها البخاري (١٩١/١٢-٦٨٧٢) ومسلم (٤٦١/٢-٩٦، ٩٧) عن ((أسامة بن زيد)) رضي الله عنه .

(٩١) وفى حديث ((أسامة بن زيد)) رضي الله عنه قاعدة أخرى عظيمة أُبيّنُها بتوفيق الله: فالرجل قال: ((لا إله إلا الله)) لا غير ، أي أنه انتمى للإسلام ، وهذه الشهادة =

387