فصل
[ تكفير المسلمين بالمعصية ]
ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: ﴿ آمن الرسولُ بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكُتُبِهِ ورُسله، لا نفرّقُ بين أحدٍ من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وإليك المصير﴾ [سورة البقرة: ٢٨٥] وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم(٧٩).
والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين. واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ولم يكفّرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار. ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم.
وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفّرُوا مع أمر الله ورسوله ﷺ بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم ؟ فلا يحل لإحدى هذه الطوائف أن تكفّرِ الأخرى ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ. والغالب
(٧٩) قال ((الطحاوي)) في [الطحاوية] (٤٣٢/٢): ((ولا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)).