أحدهما : أن يقال له من أين لك أن هذا إنما هو من الله لا من الشيطان وإلقائه ووسوسته؟ فإن الشياطين يوحون إلى أوليائهم وينزلون عليهم كما أخبر الله تعالى بذلك في القرآن، وهذا موجود كثيراً في عباد المشركين وأهل الكتاب وفي الكهان والسحرة ونحوهم، وفي أهل البدع بحسب بدعتهم. فإن هذه الأحوال قد تكون شيطانية وقد تكون رحمانية، فلابد من الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، والفرقان إنما هو الفرقان الذي بعث الله به محمداً ﷺ فهو: ﴿ الذي نَزَّلَ الفُرقانَ على عبده ليكون للعالمين نذيراً ﴾ [الفرقان: ١] وهو الذي فرق الله به بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، وبين الرشاد والغي، وبين طريق الجنة وطريق النار، وبين سبيل أولياء الرحمن، وسبيل أولياء الشيطان. كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أنه يُقال لهم: إذا كان جنس هذه الأحوال، مشتركاً بين أهل الحق وأهل الباطل فلابد من دليل يبين أن ما حصل لكم هو الحق.
(الطريق الثاني) : أن يُقال: بل هذا من الشيطان لأنه مخالفٌ لما بعث الله به محمداً ﷺ وذلك أنه يُنظر فيما حصل له وإلى سببه وإلى غايته فإن كان السبب عبادةً غير شرعية مثل أن يقال له اسجد لهذا الصنم حتى يحصل لك المراد، أو استشفع بصاحب هذه الصورة حتى يحصل لك المطلوب، أو ادع هذا المخلوق واستغث به مثل أن يدعو الكواكب كما يذكرونه في كتب دعوة الكواكب، أو أن يدعو مخلوقاً كما يدعو الخالق سواء كان المخلوق ملكاً أو نبياً أو شيخاً، فإذا دعاه كما يُدعى الخالق سبحانه إما دعاء عبادة وإما دعاء مسألة صار مشركاً به، فحينئذ ما حصل له بهذا السبب حصل بالشرك كما كان يحصل للمشركين، وكانت الشياطين تتراءى لهم أحياناً وقد يخاطبونهم من الصنم ويخبرونهم ببعض الأمور الغائبة أو يقضون لهم بعض الحوائج، فكانوا يبذلون لهم هذا النفع القليل بما اشتروه منهم من