معرضين عن عبادة الله تعالى وسلوك سبيله إما اشتغالاً بالدنيا وإما بالمعاصي وإما جهلاً وتكذيباً بما يحصل لأهل التأله والعبادة فصار وجود هؤلاء مما ينفرهم وصار بين الفريقين نوع تباغض يشبه من بعض الوجوه ما بين أهل الملتين: هؤلاء يقولون ليس هؤلاء على شيء، وهؤلاء يقولون ليس هؤلاء على شيء، وقد يظنون أنهم يحصل لهم بطريقهم أعظم مما في الكتب.
فمنهم من يظن أنه يُلَقَّن القرآن بلا تلقين. ويحكون أن شخصاً حصل له ذلك وهذا كذب. نعم قد يكون سمع آيات الله فلما صفى نفسه تذكرها فتلاها. فإن الرياضة تصقل النفس فيذكر أشياء كان قد نسيها، ويقول بعضهم أو يحكى أن بعضهم قال: أخذوا علمهم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. وهذا يقع، لكن منهم من يظن ما يلقى إليه من خطاب أو خاطر هو من الله تعالى بلا واسطة، وقد يكون من الشيطان. وليس عندهم فرقان يفرق بين الرحماني والشيطاني فإن الفرق الذي لا يخطئ هو القرآن والسنة فما وافق الكتاب والسنة فهو حق وما خالف ذلك فهو خطأ.
وقد قال تعالى: ﴿ ومَنْ يَعْشُ عن ذكر الرحمن نُقَيِّضْ له شيطاناً فهو له قرينٌ * وإنهم لَيَصُدُّونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون * حتى إذا جاءنا قال ياليتَ بيني وبينك بُعْدَ المَشْرقَيْنِ فبئس القرِين ﴾ [ سورة الزخرف: ٣٦ - ٣٨ ].
وذكر الرحمن هو ما أنزله على رسوله قال تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه ﴾ [سورة الأنبياء: ٥٠ ] وقال تعالى: ﴿وما هو إلا ذكر للعالمين﴾ [ سورة القلم: ٥٢ ] وقال تعالى: ﴿ فإما يأتينكم مني هُدىً فمن اتَّبِعَ هُداي فلا يضلّ ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى * قال ربّ لم حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيراً * قال