فصل
وأهل العبادات البدعية يزين لهم الشيطان تلك العبادات ويُبغِّض إليهم السبل الشرعية، حتى يبغضهم في العلم والقرآن والحديث، فلا يحبون سماع القرآن والحديث ولا ذكره. وقد يبغض إليهم جنس الكتاب فلا يحبون كتاباً ولا من معه كتاب ولو كان مصحفاً أو حديثاً، كما حكى النصر أباذي أنهم كانوا يقولون: يدع علم الخرق، ويأخذ علم الورق، قال ولستُ أستر ألواحي منهم، فلما كبرتُ احتاجوا إلى علمي، وكذلك حكى السري السقطي أن واحداً منهم دخل عليه فلما رأى عنده محبرة وقلماً خرج ولم يقعد عنده. ولهذا قال سهل بن عبد الله التستري: يا معشر الصوفية لا تفارقوا السواد على البياض فما فارق أحد السواد على البياض إلا تزندق وقال الجنيد: علمنا هذا مبني على الكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الشأن. وكثير من هؤلاء يُنَفِّر ممن يذكر الشرع أو القرآن أو يكون معه كتاب أو يكتب، وذلك أنهم استشعروا أن هذا الجنس فيه ما يخالف طريقهم فصارت شياطينهم تهربهم من هذا، كما يُهَرِّبُ اليهودي والنصراني ابنه أن يسمع كلام المسلمين حتى لا يتغير اعتقاده في دينه، وكما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم لئلا يسمعوا كلامه ولا يروه، وقال الله تعالى عن المشركين: ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تَغْلُبُونَ ﴾ [سورة فصلت: ٢٦] وقال تعالى: ﴿ فما لهم عن التذكرة مُعْرضين * كأنهم حُمْرٌ مستنفرةٌ * فَرّتْ من قَسْورة﴾ [سورة المدثر: ٤٩ - ٥١] وهم من أرغب الناس في السماع البدعي سماع المعازف. ومن أزهدهم في السماع الشرعي سماع آيات الله تعالى.
وكان مما زَيَّنَ لهم طريقهم أن وجدوا كثيراً من المشتغلين بالعلم والكتب