الفضائل . وأما أن يثبتوا أن هذا عمل مستحب مشروع بحديث ضعيف فحاشى لله، كما أنهم إذا عرفوا أن الحديث كذب فإنهم لم يكونوا يستحلون روايته إلا أن يثبتوا أنه كذب لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (( من روى عني حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ))(٦٠).
وما فعله النبي ﷺ على وجه التعبد فهو عبادة يُشرع التأسي به فيه فإذا تخصص زمان أو مكان بعبادة كان تخصيصه بتلك العبادة سنة كتخصيصه مقام إبراهيم بالصلاة فيه فالتأسي به أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل لأنه فعل.
وذلك إنما يكون بأن يقصد مثلما قصد، فإذا سافر لحج أو عمرة أو جهاد وسافرنا لذلك كنا متبعين له، وكذلك إذا ضرب لإقامة حد، بخلاف مَنْ شاركه في السفر وكان قصده غير قصده أو شاركه في الضرب وكان قصده غير قصده، فهذا ليس بمتابع له، ولو فعل فعلاً بحكم الاتفاق مثل نزوله في السفر بمكان أو أن يصب في إدارته ماء فصبه في أصل شجرة، أو أن تمشي راحلته في أحد جانبي الطريق ونحو ذلك، فهل يستحب قصد متابعته في ذلك؟ كان ابن عمر يحب أن يفعل مثل ذلك. وأما الخلفاء الراشدون وجمهور الصحابة فلم يستحبوا ذلك لأن هذا ليس بمتابعة له، إذ المتابعة لابد فيها من القصد، فإذا لم يقصد هو ذلك الفعل بل حصل له بحكم الاتفاق كان في قصده غير متابع له وابن عمر رحمه الله يقول: وإن لم يقصده لكن نفس فعله حسن على أي وجه كان فأحب أن أفعل مثله، إما لأن ذلك زيادة في محبته وإما لتركه مشابهته.
(٦٠) رواه الإمام أحمد (٤ / ٢٥٠)، من حديث المغيرة بن شعبة ورواه أيضاً (٥ / ١٤ و ٢٠) من حديث سمرة بن جندب. والحديث رواه مسلم عن المغيرة وسمرة معاً (١٦٨٣). قوله (( الكاذبين )) تضبط بفتح الباء الموحدة أو بكسرها.