الأنوار النعمانية في الدعوة الربانية
الأنوار النعمانية في الدعوة الربانية
Maison d'édition
مطبعة السلام
Édition
الأولي
Année de publication
٢٠١١ م
Lieu d'édition
ميت غمر
•
Régions
Égypte
الأنوار النعمانية
في
الدعوة الربانية
للشيخ الدكتور/ نعمان أبو الليل
أستاذ التفسير وعلوم القرآن
ومن علماء التبليغ بالأردن
إعداد
محمد على محمد إمام
الجزء الأول
1 / 1
دار الكتب والوثائق القومية
بطاقة فهرسة
فهرسة أثناء النشر إعداد الهيئة العامة لدار الكتب المصرية
إدارة الشئون الفنية
إمام / محمد على محمد
الأنوار النعمانية في الدعوة الربانية
إعداد / محمد على محمد إمام ... ميت غمر
الطبعة الأولي ٢٠١١
عدد الصفحات (٣٠٠ صفحة)
المقاس (١٨ × ٢١ سم)
رقم الإيداع: (١٣٣٣٦)
تاريخ الإيداع: ١٢/ ٧ / ٢٠١١
الترقيم الدولي: I.S.B.N. ٩٧٨ - ٩٧٧ - ٧١٦ - ١٦٦ - ٤
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
1 / 2
مقدمة
الحمد لله الذي لا ينبغي الحمدُ إلا له، وأسأله سبحانه وتعالي أن يُصلي ويسلم علي سيدنا محمد وآله وبعد:
إخواني وأحبابي في الله! يُسعدني اليوم أن أقدم لكل الدعاة عامة، ولأهل التبليغ والدعوة خاصة الجزء الأول من الأنوار النعمانية في الدعوة الربانية للشيخ الدكتور نعمان أبو الليل والتي تشبه كلام الحكماء، فما وجدنا مثل هذه الكلمات في كتب التفسير ولا غيرها، ولا نحسبه إلا وقد صدق فيه قول الرسول في الحديث الذي رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: " ما زهد عبد في الدنيا إلا أنبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره عيب الدنيا، وداءها ودواءها، وأخرجه منها سالما إلي دار السلام ".
ولا أراني وأنا أسطر هذه الكلمات إلا وأنني أمام حبر من أحبار الأمة لا أستطيع أن أوفيه حقه، أسأل الله أن يوفيه حقه يوم القيامة.
وقد حصل علي الدكتوراه في تفسير القرآن، وقام بالتدريس في العديد من الجامعات الإسلامية، في المملكة العربية السعودية، وباكستان، وكلية الشريعة بقطر.
1 / 3
وكنت أسكن بمدينة إربد الأردنية عدة سنوات، منذُ عام ١٩٨٤: إلي نهاية عام ١٩٨٧ م، وكنت أذهب يوم الخميس إلي المسجد الغربي بمدينة إربد لحضور الاجتماع الأسبوعي، فكثيرا ما كان الدكتور/ نعمان، يبين ويوضح عمل الدعوة إلي الله ﷾، فكنت عندما أسمعه أتذكر قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما يسأل سيدنا علي ﵁ في مسألة فيقول له: غص يا غواص ٠٠ وكنتُ أكتب وراءه كل كلمة يقولها، وكذلك حضرت له بعض اللقاءات بمسجد مدينة الحجاج بعمان ٠٠ وجمعت بعض كلامه الذي ألقاه في اجتماعات التبليغ بباكستان، وبنجلاديش، وقمت بمزج كلامه القديم بالحديث، وحذفت الكلام المتكرر، مع مراعاة عدم اختلال النص.
ومما دفعني لتسجيل كلام هذا العالم الجليل، خشية أن يضيع كلام علماء المدرسة التبليغية، كما ضاع كلام كثير من علماء الأمة، فقد ذكر الإمام الذهبي في كتابه الممتع سير أعلام النبلاء، في ترجمة الإمام الليث بن سعد، عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب: سمعت الشافعي يقول: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به.
وقال الإمام المنذري ﵀: وناسخ العلم النافع: له أجره وأجر من قرأه أو كتبه أو عمل به ما بقي خطه، وناسخ ما فيه إثم: عليه وزره ووزر ما عمل به ما بقي خطه.
فعسي الله ﷿ أن ينفعنا بكل كلمة نكتبها في هذا الكتاب، وأن ينفع بها كل من يقرأها إلي يوم القيامة ٠٠ وأن يرزقنا جهد حبيبه، علي منهاج حبيبه، حسب مرضاته، آمين.
أخوكم في الله
محمد علي محمد إمام
1 / 4
مقارنة
بين الدعوة والقتال
فرض الله الجهاد بالنفس والمال:
قال الله تعالي: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).َ
وقال الله تعالي: ﴿وجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٢).
وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " رواه أبو داود والنسائي والدارمى (٣).
يقول الإمام العز بن عبد السلام ﵀: يشرُفُ البذلُ بشَرَفِ المبذول، وأفضل ما بذله الإنسانُ نفسه وماله. ولما كانت الأنفس والأموال مبذولةً في الجهاد، جعلَ اللهُ مَن بذَلَ نفسه في أعلى رتب الطائعين وأشرفها؛ لشَرَفِ ما بذله
(١) سورة التوبة - الآية ٤١.
(٢) سورة الحج - الآية ٧٨.
(٣) مشكاة المصابيح - كتاب الجهاد ٢/ ١١٢٤. .
1 / 5
مع محو الكفر ومحق أهله، وإعزاز الدين وصَون الدماء المسلمين (١).
مراحل تشريع القتال:
كان النبي ﷺ مأمورًا طيلة الحياة المكية، بالعفو والصفح، وكف اليد عن المشركين، كما قال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)، وقال تعالي: ﴿ُقل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣)
وعن ابن عباس ﵄: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي ﷺ بمكة فقالوا: يا رسول الله إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا ...) (٤).
ثم أذن الله للمسلمين في الجهاد دون أن يفرضه عليهم، قال تعالي: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾ (٥) وهي أول آية نزلت في القتال كما قال ابن عباس ﵄ (٦).
ثم فرض الله عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم، وذلك في المرحلة التي قال الله فيها: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ
(١) كتاب أحكام الجهاد وفضائله.
(٢) سورة البقرة – الآية١٠٩.
(٣) سورة الجاثية – الآية١٤.
(٤) أخرجه النسائي (٦/ ٣) والحاكم (٢/ ٣٠٧) وصححه.
(٥) سورة الحج – الآية٣٩.
(٦) أخرجه النسائي (٦/ ٢).
1 / 6
لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُوا فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾ (١).
وكانت خاتمة المراحل مرحلة قتال المشركين كافة: من قاتَلَنا منهم، ومن كف عنا، وغزوهم في بلادهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وهذه المرحلة هي التي استقر عندها حكم الجهاد، ومات عليها رسول الله ﷺ، وفي هذه المرحلة نزلت آية السيف وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَخَلّوا سَبِيلَهُمْ إِنّ اللهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾ (٢).وقال تعالي: ﴿َقاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣)
وعن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ثم
(١) سورة النساء – الآيتان ٩٠، ٩١.
(٢) سورة التوبة – الآية ٥.
(٣) سورة التوبة – الآية ٢٩.
1 / 7
قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا .. (١) رواه مسلم (٢).
وقد لخص الإمام ابن القيم ﵀ تلك المراحل في قوله: وكان محرمًا، ثم مأذونًا به، ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين .... (٣).
ويقول الشيخ محمد عمر البالمبورى ﵀:
معني الجهاد إعلاء كلمة الله ﷿ .. أما القتال فهو آخر مرحلة فى الجهاد مثل العملية الجراحية، أو مثل الحشائش الضارة في الأرض والفلاح يقوم بتقطيعها حتى لا تؤثر في الزرع، ولو كان الجهاد هو القتال فما تفسير الآية المكية التي في سورة الفرقان حيث يقول الله ﷿ ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (٤) فهل كان فى مكة رفع سيف؟! ... ولكن الدين رحمة للناس نجتهد عليهم بجهد الدعوة إلى الله ﷿ ليسلموا ثم يدخلوا الجنة (٥).
(١) في هذا الحديث حثّ على استحضار النية وتثبيت العزيمة في القتال، وإرشاد لآداب الغزو في الإسلام ٠
(٢) أخرجه مسلم (١٧٣١) وأبو داود (٢٦١٢) والترمذي (١٦١٧) وابن ماجه (٢٨٥٨) من حديث بريدة (مشكاة المصابيح – باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام – ٢/ ١١٥٠).
(٣) زاد المعاد: (٢/ ٥٨).
(٤) سورة الفرقان – الآية ٥٢.
(٥) كتاب كلمات مضيئة في الدعوة إلي الله - باب هل هناك فرق بين لفظ الجهاد ولفظ الدعوة صـ ١٦٤.
1 / 8
مقارنة بين الدعوة والقتال:
أولا: القتال بدون دعوة مثل الصلاة بدون وضوء:
فعن ابن عباس (﵁): ما قاتل رسول الله ﷺ قوما حتى دعاهم (١).
ثانيا: شروط القتال في الإسلام ضد الكفار:
١) النية: أن تكون كلمة الله ﷾ هي العليا:
فعَنْ أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري ﵁، قال: ُسئل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل؟ فقال رَسُول الله: الله ﷺ: " من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه (٢) " مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ (٣).
(١) رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد، وعبد الرازق في مصنفه، وأحمد في مسنده والطبراني في معجمه، والبيهقي في سننه، وابن النجار (حياة الصحابة_ باب الدعوة إلي الله في القتال١/ ٨٦.
(٢) الفضائل المذكورةُ في الجهاد خاصّة في من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله هي " لا إله إلا الله "، ولا يقبل اللهُ من الأعمال إلا ما أريد به وجهه.
فيجب بهذا الإخلاص في الجهاد لله تعالى، وهو يدل على أن المسلمين ليس يغزون بناءً على شيءٍ من تلك النوايا، ولا يقصدون الاستيلاء على الكفار وبلادهم لأسبابٍ دنيويَّة، وإنما يريدون الهداية للبشرية كلها.
(٣) رياض الصالحين - باب الإخلاص صـ ٤٤.
1 / 9
٢) تحقيق الإسلام في حياة المسلمين:
ولذا كان الصحابة صدق الله العظيم يخرجون للناس، ويقولون لهم كونوا مثلنا.
٣) عدم وجوه شبه إسلام في الكفار:
قال تعالى: ﴿هُمُ الّذِينَ كَفَرُوا وَصَدّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ
مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مّؤْمِنَاتٌ لّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مّعَرّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لّيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيّلُوا لَعَذّبْنَا الّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيم﴾ (١).
فمنع الله ﷾ الرسول ﷺ والصحابة ﵃ من دخول مكة بالقوة، لوجود مؤمنين ومؤمنات وسط الكفار، أسلموا سرا.
٤) استنفاذ كل طرق الدعوة:
كما في قصة نوح قال تعالى: ﴿قَالَ رَبّ إِنّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِيَ إِلاّ فِرَارًا *وَإِنّي كُلّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوَاْ أَصَابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا*ثُمّ إِنّي دَعَوْتُهُمْ
(١) سورة الفتح - الآية ٢٥.
1 / 10