الثَّعْلَبُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَقَرَتْ بِهِ قُرَيْشٌ (١)، وَأَرَادُوا قَتْلَ خِرَاشٍ فَمَنَعَهُم الْأَحَابِشُ، حَتَّى أَتَى رَسُولَ الله ﷺ فَدَعَا عُمَرَ لِيَبْعَثَهُ إلى مَكَّةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي أَخَافُ قُرَيْشًا عَلَى نَفْسِي، وَلَيْسَ بِهَا مِنْ بني عَدِيٍّ أَحَدٌ يَمْنَعُنِي، وَقَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتِي إِيَّاهَا وَغِلْظَتِي عَلَيْهَا، وَلَكِنْ أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ هُوَ أَعَزُّ مِنِّي (٢) عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، قَالَ: فَدَعَاهُ رَسُولُ الله ﷺ فَبَعَثَهُ إلى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَأتِ لِحَرْبٍ، وَأَنَّهُ جَاءَ زَائِرًا لِهَذَا الْبَيْتِ، مُعَظِّمًا لِحُرْمَتِهِ، فَخَرَجَ عُثْمَانُ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، وَلَقِيَهُ أَبَانُ بن سَعِيدِ بن الْعَاصِ، فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَرَدِفَ خَلْفَهُ، وَأَجَارَهُ حَتَّى بَلَّغَ رِسَالَةَ رَسُولِ الله ﷺ، فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ وَعُظَمَاءَ قُرَيْشٍ، فَبَلَّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ، فَقَالُوا لِعُثْمَانَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَطُفْ بِهِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ، فَاحْتَبَسَتْهُ قُرَيْشٌ عِنْدَهَا، فَبَلَغَ رَسُولَ الله ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ (٣).
فدعا رسول الله ﷺ أصحابه للبيعة تحت الشجرة (٤).
ومما حدث أيضًا أنه أثناء سير النبي ﷺ إلى الحديبية ولما بلغ الروْحَاء على بعد ٧٣ كيلو مترًا من المدينة أرسل أبا قتادة الأنصاري مع جمع من الصحابة إلى غيقه على ساحل البحر الأحمر حيث بلغه وجود بعض المشركين الذين يُخشى من مباغتتهم للمسلمين، فَقَالَ: "خُذُوا سَاحِلَ اِلْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ"، فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أبو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا
(١) أي: عقرت الجمل، قتلوه.
(٢) أعز مني: أي له ناس وقوم يمنعونه من غدر قريش.
(٣) إسناده حسن: أخرجه أحمد (١٨٨١٢)، بإسناد حسن، وأصل الحديث عند البخاري، انظر التخريج السابق.
(٤) سيأتي الكلام عن البيعة في الفقرة القادمة إن شاء الله تعالى.