Cuthmaniyya
العثمانية
Enquêteur
عبد السلام محمد هارون
Maison d'édition
دار الجيل
Édition
الأولى
Année de publication
1411 AH
Lieu d'édition
بيروت
Régions
•Irak
Empires & Eras
Les califes en Irak, 132-656 / 749-1258
كتاب العثمانية
للجاحظ
Page inconnue
- بسم الله الرحمن الرحيم -
عونك اللهم
ثم إنا مخبرون عن مقالة العثمانية،
وبالله نستهدي وإياه نستعين، وعليه نتوكل، وما توفيقنا إلا به.
رووا أن أفضل هذه الأمة وأولاها بالإمامة أبو بكر بن أبي قحافة، وكان أول ما دلهم عند أنفسهم على فضيلته وخاصة منزلته، وشدة استحقاقه، إسلامه على الوجه الذي لم يسلم عليه أحد من عالمه وفي عصره. وذلك أن الناس اختلفوا في أول الناس إسلاما، فقال قوم: أبو بكر بن أبي قحافة، وقال آخرون: زيد بن حارثة، وقال نفر: خباب بن الأرت.
على أنه إذا تفقدنا أخبارهم، وأحصينا أحاديثهم وعدد رجالهم، و[نظرنا في] صحة أسانيدهم. كان الخبر في تقديم أبي بكر أعم، ورجاله أكثر، وإسناده أصح، وهم بذلك أشهر، واللفظ به أظهر، مع الأشعار الصحيحة والأخبار المستفيضة في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته. وليس بين الأشعار وبين الأخبار فرق إذا امتنع في مجيئها وأصل مخرجها التباعد والاتفاق والتواطؤ، ولكنا ندع هذا المذهب [جانبا]، ونضرب عنه صفحا، اقتدارا على الحجة، وثقة بالفلج والقوة، ونقتصر على أدنى منازل أبي بكر، وننزل على حكم الخصم مع سرفه وميطه فنقول:
لما وجدنا من يزعم أن خبابا وزيدا أسلما قبله، فأوسط الأمور وأعدلها وأقربها من محبة الجميع ورضا المجادل أن نجعل إسلامهم كان معا، إذ ادعوا أن الأخبار في ذلك متكافئة، والآثار متدافعة، [وليس في الأشعار دلالة، ولا في الأمثال حجة]، ولم يجدوا إحدى القضيتين أولى في حجة العقل من الأخرى.
فصل: وقالوا: فإن قال قائل: فما بالكم لم تذكروا عليا في هذه الطبقة وقد تعلمون كثرة مقدميه والرواية فيه؟
قلنا: لأنا قد علمنا بالوجه الصحيح والشهادة القائمة أنه أسلم وهو حدث غرير وغلام صغير، فلم نكذب الناقلين، ولم نستطع أن ننزل أن إسلامه كان لاحقا بإسلام البالغين، لأن المقلل زعم أنه أسلم وهو ابن خمس سنين، والمكثر زعم أنه أسلم وهو ابن تسع سنين، والقياس أن يؤخذ بأوسط الروايتين، وبالأمر بين الامرين، وإنما تعرف [حق]
1 / 5
ذلك من باطله بأن تحصى سنيه التي ولي فيها، وسني عثمان وسني عمر وسني أبي بكر، وسني الهجرة، ومقام النبي - صلى الله عليه - بمكة بعد أن دعا إلى الله وإلى رسالته إلى أن هاجر إلى المدينة، ثم تنظر في أقاويل الناس في عمره، وفي قول المقلل والمكثر، فتأخذ أوسطها وهو أعدلها، وتطرح قول المقصر والغالي، ثم تطرح ما حصل في يديك من أوسط ما روى من عمره [و] سنيه، وسني عثمان وسني عمر وسني أبي بكر، والهجرة ومقام النبي ﷺ بمكة إلى وقت إسلامه، فإذا فعلت ذلك وجدت الأمر على ما قلنا وعلى ما فسرنا.
وهذه التأريخات والأعمار معروفة لا يستطيع أحد جهلها والخلاف عليها، لأن الذين نقلوا التاريخ لم يعتمدوا تفضيل بعض على بعض، وليس يمكن ذلك مع اختلاف عللهم وأسبابهم، فإذا ثبت عندك بالذي أوضحنا وشرحنا أنه كان يومئذ ابن سبع سنين أقل بسنة أو أكثر بسنة، علمت بذلك أنه لو كان أيضا ابن أكثر من ذلك بسنتين وثلاث وأربع لا يكون إسلامه إسلام المكلف العارف بفضيلة ما دخل فيه ونقصان ما خرج منه.
والتاريخ المجتمع عليه أن عليا قتل سنة أربعين في شهر رمضان.
وقالوا: فإن قالوا فلعله وهو ابن سبع سنين وثمان سنين قد بلغ من فطنته وذكائه وصحة لبه وصدق حسه وانكشاف العواقب له وإن لم يكن
1 / 6
جرب الأمور، ولا فاتح الرجال، ولا نازع الخصوم، ما يعرف جميع ما يجب على البالغ معرفته والإقرار به.
قلنا: إنما نتكلم على ظاهر الأحكام وما شاهدنا عليه طباع الأطفال. وجدنا حكم ابن سبع سنين، وثمان سنين وتسع سنين، حيث قرأناه وبلغنا خبره - ما لم يعلم مغيب أمره، وخاصة طباعه - حكم الأطفال، وليس لنا أن نزيل ظاهر حكمه والذي نعرف من شكله بلعل وعسى، لأنا كنا لا ندري لعله قد كان ذا فضيلة في الفطنة، فلعله أن يكون ذا نقص فيها. أجاب منهم بهذا الجواب من يجوز أن يكون علي في المغيب قد أسلم إسلام البالغ المختار، غير أن الحكم فيه عنده على مجرى أمثاله وأشكاله الذين إذا أسلموا وهم في مثل سنه كان إسلامهم على تربية الحاضن، وتلقين القيم، ورياضة السائس.
فصل: فأما علماء العثمانية ومتكلموهم، وأهل القدم والرياسة منهم، فإنهم قالوا: إن عليا لو كان وهو ابن ست سنين وسبع سنين، وثمان سنين وتسع سنين، يعرف فصل ما بين الأنبياء والكهنة، وفرق ما بين الرسل والسحرة، وفرق ما بين خبر المنجم والنبي، وحتى يعرف الحجة من الحيلة، وقهر
1 / 7
الغلبة من قهر المعرفة، ويعرف كيد المريب وبعد غور المتنبي، وكيف يلبس على العقلاء، ويستميل عقول الدهماء، ويعرف الممكن في الطبائع من الممتنع فيها، وما يحدث بالاتفاق وما يحدث بالأسباب، ويعرف أقدار القوى في مبلغ الحيلة ومنتهى البطش، وما لا يحتمل إحداثه إلا الخالق، وما يجوز على الله مما لا يجوز في توحيده وعدله، وكيف التحفظ من الهوى، وكيف الاحتراس من تقدم الخادع في الحيلة - كان كونه بهذه الحال وعلى هذه الصفة مع فرط الصبا والحداثة، وقلة التجارب والممارسة، خروجا من نشوء العادة، والمعروف مما عليه تركيب الأمة. ولو كان على هذه الصفة ومعه هذه الخاصية، كان حجة على العامة، وآية تدل على المباينة، ولم يكن الله ليخصه بمثل هذه الآية وبمثل هذه الأعجوبة إلا وهو يريد أن يحتج بها له، ويخبر بها عنه، ويجعلها قاطعة لعذر الشاهد، وحجة على الغائب، ولا يضيعها هدرا، ولا يكتمها باطلا.
ولو أراد الاحتجاج بها شهر أمرها وكشف قناعها، وحمل النفوس على معرفتها، وسخر الألسنة لنقلها، والأسماع لإدراكها، لئلا يكون لغوا ساقطا، ونسيا منسيا، لأن الله لا يبتدع أعجوبة ولا يخترع آية ولا ينقض العادة إلا للتعريف والإعذار، والمصلحة والاستبصار. ولولا
1 / 8
ذلك لم يكن لفعلها معنى، ولا لرسالته حجة. والله يتعالى أن يترك الأمور سدى، والتدبير نشرا. ولا يصل أحد إلى معرفة صدق نبي وكذب متنبئ حتى تجتمع له هذه المعارف التي ذكرنا، وهذه الأسباب التي فصلنا.
ولولا أن الله سبحانه خبر عن يحيى بن زكريا أنه آتاه الحكم صبيا، وأنه أنطق عيسى في المهد رضيعا، ما كانا في الحكم ولا في المغيب إلا كسائر الرسل، وما عليه طبع البشر.
فإذ لم ينطق لعلي بذلك قرآن. ولا جاء الخبر به مجئ الحجة القاطعة، والشهادة الصادقة، فالمعلوم عندنا في الحكم وفي المغيب جميعا أن طباعه كطباع عميه حمزة والعباس، وهما أمس بمعدن جماع الخير منه، وكطباع جعفر وعقيل أخويه، وكطباع أبويه ورجال عصره وسادة رهطه. ولو أن إنسانا ادعى مثل ذلك لأخيه جعفر أو لعمه حمزة أو لعمه العباس - وهو حليم قريش - ما كان عندنا في أمره إلا مثل ما عندنا فيه.
فصل: ولو لم تعرف الروافض ومن ذهب مذهبها في هذا باطل
1 / 9
هذه الدعوى، وفساد هذا المعنى إذا صدقت أنفسها ولم تقلد رجالها، وتحفظت من الهوى وآثرت التقوى، [إلا بترك] على ذكر ذلك لنفسه والاحتجاج به على خصمه وأهل دهره، منذ نازع الرجال، وخاصم الأكفاء، وجامع أهل الشورى وولي وولي عليه، والناس بين معاند يحتاج إلى التقريع، ومرادّ يحتاج إلى الإرشاد، وولي يحتاج إلى المادة، وغفل يحتاج إلى أن يكثر له من الحجة، ويتابع له بين الأمارات والدلالات مع حاجة القرن الثاني إلى معرفة الحق ومعدن الامر، لأن الحجة إذا لم تصح لعلي في نفسه، ولم يقو على أهل دهره، فهي عن ولده أعجز، وعنهم أضعف.
ثم لم ينقل ناقل واحد أن عليا احتج بذلك في موقف، ولا ذكره في مجلس، ولا قام به خطيبا، ولا أدلى به واثقا، ولا همس به إلى موافق، ولا احتج به على مخالف.
فصل: وقد ذكر فضائله وفخر بقرابته وسابقته، وكاثر بمحاسنه ومواقفه، منذ جامع الشورى وناضلهم. إلى أن ابتلي بمساورة معاوية له، وطمعه فيه، وجلوس أكثر أصحاب رسول الله عن عونه، والشد على عضده، كما قال عامر الشعبي: لقد وقعت الفتنة وبالمدينة عشرون ألفا من أصحاب رسول الله ﷺ، ما خف فيها منهم
1 / 10
عشرون، ومن زعم أنه شهد الجمل ممن شهد بدرا أكثر من أربعة فقد كذب، كان علي وعمار في شق وطلحة والزبير في شق.
وكيف يجوز عليه ترك الاحتجاج على المخالف وتشجيع الموافق وقد نصب نفسه للخاصة والعامة، وللخاذل والعادي، ومن لا يحل له في دينه ترك الإعذار إليهم، إذ كان يرى أن قتالهم كان واجبا، وقد نصبه الرسول مفزعا ومعلما، ونص عليه قائما، وجعله للناس إماما، وأوجب طاعته، وجعله حجة في الناس يقوم مقامه.
فصل: وأعجب من ذلك أنه لم يدع هذا له أحد في دهره كما لم يدعه لنفسه، مع عظيم ما قالوا فيه في عسكره وبعد وفاته، حتى يقول إنسان واحد إن الدليل على إمامته أن النبي ﷺ دعاه إلى الإسلام، فكلف التصديق قبل بلوغه وإدراكه، ليكون ذلك آية له في عصره، وحجة له ولولده على من بعده. وقد كان علي أعلم بالأمور من أن يدع ذكر أكبر حججه والذي بان به من شكله، ويذكر أصغر حججه والذي يشاركه فيه غيره، وقد كان في عسكره من لا يألو في الإفراط، ومن يحسب أن الإفراط زيادة في القدر.
والعجب له، إن كان الأمر كما ذكرتم، كيف لم يقف يوم الجمل ويوم صفين أو يوم النهر في موقف يكون من عدوه بمرأى ومسمع،
1 / 11
فيقول: "تبا لكم وتعسا، كيف تقاتلوني وتجحدون فضلي وقد خصصت بآية حتى كنت كيحيى بن زكريا وعيسى بن مريم" ولا يمتنع الناس من أن يقولوا ويموجوا، فإذا ماجوا تكلموا على أقدار عللهم، وعللهم مختلفة، ولا ينشب أمرهم أن يعود إلى فرقة، فمن ذاكر قد كان ناسيا، ومن نازع قد كان مصرا. وكم مترنح قد كان غالطا، مع ما كان يشيع من الحجة في الآفاق، ويستفيض في الأطراف، ويحتمله الركبان ويتهادى في المجالس.
فهذا كان أشد على طلحة والزبير، وعائشة ومعاوية، وعبد الله بن وهب، من مائة ألف سنان طرير، وسيف مشهور.
فصل: ومعلوم عند ذوي التجربة والعارفين بطبائع الأتباع وعلل الأجناد، أن العساكر تنتقض مرائرها وينتشر أمرها، وتنقلب على قادتها بأيسر من هذه الحجة، وأخفى من هذه الشهادة.
فصل: وقد علمتم ما صنعت المصاحف في طبائع أصحاب علي، حين رفعها عمرو بن العاص أشد ما كان أصحاب علي استبصارا في قتالهم،
1 / 12
ثم لم ينتقض على علي من أصحابه إلا أهل الجد والنجدة، وأصحاب البرانس والبصيرة.
وكما علمتم من تحول شطر عسكر عبد الله بن وهب حين اعتزلوا مع فروة بن نوفل، لكلمة سمعوها من عبد الله بن وهب كانت تدل عندهم على ضعف الاستبصار والوهن في اليقين.
وهذا الباب أكثر من أن يحتاج مع ظهوره ومعرفة الناس به إلى أن نحشوا به كتابنا.
فصل: فأما إسلامه وهو حدث غرير وغلام صغير، فهذا ما لا ندفعه، غير أنه إسلام تلقين وتأديب وتربية. وبين إسلام التكليف والامتحان وبين التلقين والتربية فرق عظيم، ومحجة واضحة.
وقالت العثمانية: إن قالت الشيع: إن الأمور ليس كما حكيتم، ولا كما هيأتموه لأنفسكم، بل نزعم أنه قد كانت هناك في أيام صباه وحداثته فضيلة فطنة، ومزية ذكاء، ولم يبلغ الأمر قدر الأعجوبة والآية.
قلنا: إن الذي ذهبتم إليه أيضا لا بد فيه من أحد وجهين:
إما أن يكون قد كان لا يزال يوجد في الصبيان مثله في الفطنة
1 / 13