[أئمة اليمن الاحتياط]

Page 2

أمير المؤمنين المتوكل على الله الإمام الشهيد يحيى بن أمير المؤمنين المنصور بالله محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى حميد الدين بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن الحسين بن الإمام القاسم بن محمد الحسني. مولده بصنعاء غرة ربيع الأول سنة 1286 للهجرة.

وأخذ عن أبيه الإمام المنصور وعن المولى الجهبذ أحمد بن عبد الله الجنداري الصنعاني، والمولى شيخ الإسلام علي بن علي اليماني، والقاضي محمد بن أحمد الغراسي الصنعاني، والسيد زيد بن أحمد بن زيد الكبسي، والسيد محمد بن علي بن محمد الجديري، والفقيه عبد الرزاق بن محسن الرقيحي، والقاضي محمد بن أحمد حميد الصنعاني، والقاضي محمد بن عبد الملك الآنسي، والقاضي محمد بن محمد بن إسماعيل جغمان، والفقيه إسماعيل بن علي الريمي الصنعاني، والقاضي محمد بن سعد الشرفي.

وأخذ بجبل الأهنوم عن القاضي أحمد بن عبد الله الجنداري، والفقيه الإمام لطف بن محمد شاكر والقاضي عبد الله بن أحمد المجاهد الشماحي الذماري.

واستجاز عن شيخيه الجنداري واليماني، ومن القاضي علي بن الحسين المغربي الصنعاني، والقاضي الحسين بن علي العمري والقاضي محمد بن عبد الله بن علي الغالبي الضحياني، وصنوه إبراهيم بن عبد الله والقاضي سعد بن محمد الشرفي.

وحرر سؤالا نحويا وهو في بضعة عشر سنة إلى شيخه القاضي محمد بن عبد الملك الآنسي فقال:

أيا فاضلا ما زال في العلم بارعا ... إماما لديه مشكل النحو واضح لقد سمع المملوك بيتين فيهما ... سؤال لأرباب الجهالة فاضح[1]

Page 3

لنا إبل ما روعتها الصفائح ... ولا نفرتها بالصياح الصوائح

إذا سمعت أضيافنا من رعاتها ... أتين سراعا يبتدرن الذبائح

فما مقتضى رفع (الذبائح) فيهما ... ووجه وجوب النصب في الحال واضح

أجب عن سؤالي واغتنم أجر سائل ... له في صفات الفاضلين مدائح

وقد أعجب المسئول بهذا السؤال في حينه، وتوهم أن السائل نقله وهو لغيره كما رأيت ذلك بخط المجيب. وقال في جوابه:

أتاني سؤال صاغه ذو بلاغة ... وعلم وفهم بالنظام يطارح

يسائل عن وجه ارتفاع الذبائح ... ببيت لوصف النوق والضيف لائح

إذا سمعت أضيافنا من رعاتها ... أتين سراعا يبتدرن الذبائح

فيظهر لي فيه ثلاثة أوجه ... لها عند أعلام النحاة مسارح

فأولها بالرفع فاعل قوله ... (إذا سمعت) فافهم وذا القول راجح

وقل بدلا من فاعل الفعل قبله ... وفي آية النجوى لذا القول شارح

وثالثها ما قيل في رفع ضارع ... من الشاهد المشهور بيت الطوايح

بتقدير فعل في إجابة سائل ... ولكن ذا وجه به الضعف واضح

وذلك أن الفعل منه مغير ... فتقدير فعل فيه لا شك صالح

فهذا الذي عندي ولم أر ناقلا ... مقالا لغيري فاعذروني وسامحوا

فإن كان حقا فالمراد وإن خطا ... فإني في بحر من الجهل سابح

Page 4

وكان من نبلاء صنعاء الذين أجابوا في نحو سنة 1306ه على سؤال القاضي محمد عبد الملك في شأن تفضيل رؤية الزهر على رؤية الخضرة في أيام الربيع أو العكس، وفي جوابه تفضيل رؤية الزهر. وكانت هجرته مع والده عن صنعاء إلى صعدة في شوال سنة 1307ه وسار سنة 1309ه إلى جبل برط مع عائلة الإمام المنصور ثم رجع إلى والده[2] وانتقل سنة 1310ه إلى جبل الأهنوم للدرس والتدريس، وعقيب وفاة والده استدعى علماء بلاد الأهنوم وغيرها إلى حصن النواش بقفلة عذر الحاشدية ومنهم المولى لطف بن محمد شاكر، والمولى أحمد بن عبد الله الجنداري ، والمولى سيف الإسلام أحمد بن قاسم حميد الدين, والسيد لطف بن علي ساري الحوثي الحسيني، والسيد الحسين بن إسماعيل الشامي والقاضي عبد الله بن علي الإرياني، والقاضي عبد الوهاب بن محمد المجاهد الشماحي، والقاضي محمد بن أحمد حميد الصنعاني، والسيد عبد الرحمن بن حسين الشامي، والقاضي يحيى بن حسن نصار، والقاضي الحسن بن علي العريض الروضي، وغيرهم، وأخبرهم بوفاة والده الإمام المنصور، فتولى كتابة البيعة له بالإمامة سيف الإسلام أحمد بن قاسم حميد الدين، فأعلن دعوته في يوم الجمعة عشرين ربيع الأول سنة 1322ه، وتلقب بالمتوكل على الله رب العالمين.

Page 5

رسالة دعوته وإعلان خبر وفاة والده

مصاب أصاب المسلمين كبير ... فكل مصاب دون ذاك يسير

ورزء أصاب الدين بعد كماله ... فظهر الهدى والحق منه كسير

فيالك خطبا فادحا أذهل النهى ... وفي الجوف منه أنة وزفير

وفي القلب نار ليس يطفى لهيبها ... بلى دائما يزداد منه سعير

لقد بكت الأملاك والأرض والسما ... وكادت رواسي الشامخات تسير

فيا بدر لا تطلع ويا شمس فارجعي ... ويا فلك الأفلاك كيف تدور

وقد هد ركن الدين والعلم والتقى ... وكاد عباب المكرمات يغور

لموت أمير المؤمنين وكهفهم ... ومن هو ردء للهدى ونصير

أقول لقوم يحملون سريره ... وهل يسع الطود المنيف سرير

رويدكمو يا حاملين لنعشه ... ففي نعشه بحر الكمال يمور

سلام على الدنيا وهجر لأهلها ... فلم يبق في ورد الأنام نمير[3]

أبعد إمام المسلمين وغوثهم ... نلذ بعيش أو يكون سرور

لقد كان ركنا للضعيف وملجأ ... يريش الذي ينتابه ويجير

وكان على ذي الجور سيفا مهندا ... يصول عليهم بالردا ويدور

فكم ظالم للناس قد صار عبرة ... وكم جائر ناواه فهو عفير

وكم واقعات صارت الروم عندها ... تقول لويل حاضر وثبور

ولو رمت أن تحصي خصال كماله ... عجزت وعاد الطرف وهو حسير فيا شامتا ما الله عنك بغافل ... وإن لظى للظالمين مصير

Page 6

عسى الله يوما أن يمن بكرة ... عليهم فتشفى غلة وصدور

وقل للذي يبغي الغوائل للهدى ... رويدك أنى للبغاة نذير

ولا بد لي ما عشت من شن غارة ... على إثر أخرى للعداة تبير

فهل ينفع الفجار موت إمامنا ... على أنه ينهد منه ثبير

فليس إمام الحق أول ميت ... فكم مات قدما مرسل وبشير

على أنه في الخلد جاور ربه ... فدار ورب واسع وغفور

ويا راحلا عنا يعز فراقه ... إلى الله رب العالمين نصير

عليك سلام الله غير مفارق ... له في فراديس الجنان قصور

نحمدك يا من سبق كونه الأكوان، وشمل علم ما سيكون وما قد كان، تفرد بالبقاء وانفرد بالعز والكبرياء، قضى بحكمه بأن كل ما سواه فان، وسبق علمه بعموم الموت على جميع الإنس والجان، فلم يبق ذي شرف أصيل، ولا صاحب قدر جليل، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا شبيه له ولا مثيل، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله المؤيد بالتنزيل، صلى الله عليه وعلى آله المخصوصين بالتعظيم والتبجيل.

أما بعد:

Page 7

فصدورها مخبرة بالخطب المهول والفادح القادح في القلوب نار الحزن [4] والكارث الذي أظلمت له جميع أقطار اليمن، وهو ما اختاره الله وارتضاه لوالدنا أمير المؤمنين وسيد المسلمين المنصور بالله رب العالمين، تغمده الله بجميل رضوانه، وأسكنه فسيح جنانه، من الانتقال عن دار الأكدار والأحزان إلى كريم جواره، بأعلى غرف الجنان بعد أن جاهد في الله حق جهاده، وأقام أحكام الله في عباده وبلاده، وجدد الدين، وأذل الظلمة المعتدين، وبعد أن جرع الغصص زمر الفاسدين. نقله الله وألحقه بالأئمة السابقين، وقد أصبحت العيون بالدموع هامية والجفون من بعده دامية، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

اللهم اجزه عنا وعمن شايعه وبايعه من أهل زمانه أفضل ما جازيت إماما عن أهل زمانه.

وكانت وفاته رضي الله عنه في الليلة التي أسفرت بصبح الخميس 19 ربيع الأول سنة 1322ه.

وفي اليوم الثاني حضر العلماء الأعلام والسادات الفخام، إلى هذا المقام، ولما رأوا من أهم الواجبات نصب من يصلح للقيام بما يكون فيه صلاح المسلمين والإسلام، عولوا علينا ووجهوا خطابهم إلينا وألزمونا الحجة وتحتم القيام بهذا المنصب الشريف، وتحمل تلك الأعباء التي فيها شاق التكليف. فلم نجد بدا من الإسعاد. فتوكلنا على الله في الإصدار والإيراد، سائلين من بيده الحول والقوة أن يمدنا بعزيز النصر والإمداد، وأن يصلح بسعينا العباد والبلاد.

وإنا قد نشرنا في ذلك اليوم الدعوة الميمونة التي هي بالخيرات مقرونة، فنلزمكم أيها المؤمنون والشيعة المودون بما افترضه الله عليكم من السمع والطاعة والنصح والسلوك مسلك الجماعة وبذل الجد والاجتهاد، والمسارعة إلى فريضة الجهاد، وتطهير أرض الله ممن يبغي في الأرض الفساد، {وإلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد} وحسبنا الله ونعم الوكيل، ومن وصل والدنا بشيء من القرآن والدعاء فله ثواب ذلك فطال، ما نصح العباد وحمى الشريعة بالجد والاجتهاد حتى أتاه اليقين. والله الموفق إلى ما فيه رضاه، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

Page 8

في عشرين ربيع الأول سنة 1322ه.

فكان لانتشار خبر وفاة والده ومبايعته بالإمامة بعده صدى عظيم في عموم اليمن[5].

وبعد دعوته بستة أيام قام في المزار من بلاد صعدة السيد الحسن بن يحيى الضحياني المؤيدي وتلقب بالهادي، فتابعه بعض العقال والعرفاء من أهل جهة صعدة.

ولم يهتم الكثير من العلماء والكملاء الخبراء بتلك الدعوة وسارع الجموع من ألوف اليمنيين إلى إجابة دعوة المتوكل على الله والمسارعة للجهاد تحت رايته، وبعد أخذه القواعد والضوابط على أعيان ورؤساء القبائل في شروط الجهاد وصون ضعفاء البلاد عن السلب والنهب والإفساد، وما الذي يكون خمسه من الغنائم للمجاهدين وأن تكون مدافع الأتراك ونحوها خاصة ببيت المال.

Page 9

كان تجهيزه السيد القائد الكبير يحيى بن حسن الكحلاني الأهنومي في نحو ثلاثمائة من القادة والمجاهدين إلى بلاد شبام كوكبان ومنه إلى بلاد الحيمة، ثم أتبعه بالسيد القائد الشهير الحسين بن إسماعيل الشامي إلى بلاد بني مطر وحضور غربا من صنعاء. والمولى الجهبذ الكبير أحمد بن قاسم حميد الدين في جماعة إلى روضة صنعاء وشمالها. والسيد يحيى بن محمد المدايري، والشيخ نصير الدين علي المقداد الآنسي إلى بلاد سنحان وبلاد جهران، والسيد شرف الدين ابن الإمام الهادي، والقاضي حسن بن علي العريض الروضي إلى بلاد ذمار، والسيد محمد بن أحمد الشامي عامل شهارة إلى بلاد ذمار ويريم وما إليها، والسيد محمد بن محمد بن إسماعيل الكبسي إلى بلاد عتمة من قضاء آنس، والسيد عبد الله بن إبراهيم بن أحمد ابن الإمام إلى بلاد بعدان وقضاء إب وغيره جنوبا من صنعاء، والسيد عبد الله بن يحيى أبو منصر إلى حجة، وبلادها وغيرهم من القواد إلى روضة صنعاء والجراف وشعوب وغيرهم إلى بلاد المحويت وغيرها.

وكان انتقال جلالته من القفلة إلى مدينة حوث ثم مدينة خمر من حاشد، وأدار حركات القواد والمقادمة بأكمل وأجمل صورة في جميع الجهات:

ولاحظته من إله الناس ... عناية جلت عن القياس

واستفتح البلدان والحصونا ... واغتنم الأموال والمصونا[7] فتوح عام دعوته

Page 10

للمولى الجهبذ الكبير شيخ الشيوخ أحمد بن عبد الله الجنداري الصنعاني ثم الأهنومي قصيدة عامرة شاملة فتوحات الإمام لبعض هذا العام أثبتها في كتابه (الدرر المنتقاة من سيرة الإمام المتوكل على الله) وفي كتابه (الجامع الوجيز الوافي بوفيات العلماء ذوي التبريز) ومنها قوله رضي الله عنه:

فشمر في شوال عن ذيل همة ... إلى حوث أرض السادة القادة الغر

وجهز يحيى قبل ذاك لحيمة ... ونحو حراز والطريق إلى البحر

تناوش يحيى والأعاجم تارة ... وأخرى فثار الناس في السهل والوعر

بنو مطر قامت قيامتهم على ... معاقل كانت في طريق ذوي السفر

وفيهم حسين بن الضياء الذي علا ... على كاهل العلياء فخر بني الدهر

فكم قتلوا من أعجمي وسلبوا ... سلاحا وكم شبوا على القوم من جمر

ومتنة مع مند لها حاصروا ولم ... يزالوا عليها نحو شهرين أو شهر

وحازوا بها مرتا كثيرا ومدفعا ... كبيرا أنا بالحامليه من الكبر

وصاروا إلى حصن السلامي حاصروا ... منارهمو بالمشرفية والسمر

وصابحهم تلك الكماة وراوحوا ... فمالوا إلى الإجلاء من نصب الحصر

وفي بيت معد والحيام جميعها ... ولم يبق فيها غير منصورة العر

فحطوا عليها أشهرا لما يجاوزا ... فناها ولا ملوا عناها إلى العشر وأخرجت الأتراك منها وسلموا ... بها مدفعا والمرهفات التي تغري

Page 11

Les Imams du Yémen au quatorzième siècle de l'Hégire | Usul