Les statuts administratifs

الأحكام السلطانية

Maison d'édition

دار الكتب العلمية - بيروت

Édition

الثانية

Année de publication

١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م

Lieu d'édition

لبنان

ـ[الأحكام السلطانية للفراء]ـ
المؤلف: القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (المتوفى: ٤٥٨هـ)
صححه وعلق عليه: محمد حامد الفقي
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
الطبعة: الثانية، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(تنبيه): طُبع الكتاب طبعته الأولى في مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر (١٣٥٧هـ ١٩٣٨م) بتحقيق محمد حامد الفقي

Page inconnue

[خطبة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا خاتم النبيين؛ وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
قال القاضي الإمام أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء رضى الله عنه: الحمد لله حق حمده، والصلاة عل نبيه وآله وصحبه وسلم. أما بعد:
فإني كنت صنفت كتاب الإمامة، وذكرته في أثناء كتب المعتمد، وشرحت فيه مذاهب المتكلمين وحجاجهم، وأدلتنا، والأجوبة عما ذكروه. وقد رأيت أن أفرد كتابًا في الإمامة، أحذف فيه ما ذكرته هناك مع الخلاف والدلائل، وأزيد فيه فصولا أخر، تتعلق بما يجوز للإمام فعله من الولايات وغيرها، أسأل الله الكريم العون على ذلك، والنفع به إن شاء.
فصول في الإمامة
نصبة الإمام واجبة وقد قال أحمد ﵁ - في رواية محمد بن عوف بن سفيان الحمصي -: الفتنة إذا لم تكن يقوم بأمر الناس. والوجه فيه: أن الصحابة لما اختلفوا في السقيفة، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، ودفعهم أبو بكر وعمر ﵄، وقالوا: " إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش " ورووا في ذلك أخبارًا، فلولا أن الإمامة واجبة لما ساغت تلك المحاورة والمناظرة عليها، ولقال قائل: ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم. وطريق وجوبها السمع لا العقل، لما ذكرناه في غير هذا الموضع، وأن العقل لا يعلم به فرض شيء ولا إباحته، ولا تحليل شيء ولا تحريمه. وهي فرض على الكفاية، مخاطب بها طائفتان من الناس. إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا. والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة. أما أهل الاختيار فيعتبر فيهم ثلاث شروط. أحدها: العدالة. وَالثَّانِي: الْعِلْمُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ من يستحق الإمامة.
والثالث: أن يكون من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وليس لمن كان في بلد مزية على غيره من أهل البلاد يتقدم بها، وإنما صار من يختص ببلد الإمام متوليًا لعقد الإمامة لسبق علمه بموته، ولأن من يصلح للخلافة في الغالب موجودون في بلده.

1 / 19

وأما أهل الإمامة فيعتبر فيهم أربع شروط. أحدها: أن يكون قرشيًا من الصميم. وهو من يكون من ولد قريش بن بدر بن النضر دليل بني كنانة، وقد قال أحمد في رواية مهنا: " لا يكون من غير قريش خليفة". والثاني: أن يكون عل صفة من يصلح أن يكون قاضيًا: من الحرية والبلوغ والعقل، والعلم، والعدالة. والثالث: أن يكون قيمًا بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود، لا تلحقه رأفة في ذلك، والذب عن الأمة. الرابع: أن يكون من أفضلهم في العلم والدين، وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل، فقال - في رواية عبدوس بن مالك القطان - " ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه، برًا كان أو فاجرًا، فهو أمير المؤمنين ". وقال أيضًا في رواية المروزي " فإن كان أميرًا يعرف بشرب المسكر والغلول يغزو معه، إنما ذاك له في نفسه، وقد روى عنه في كتاب المحسنة: أنه كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين في غير موضع. وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن، وضربه عليه، وكذلك قد كان يدعو المتوكل بأمير المؤمنين، ولم يكن من أهل العلم، ولا كان أفضل وقته وزمانه. وقد روى عنه ما يعارض هذا؛ فقال في رواية حنبل " وأي بلاء كان أكبر من الذي كان أحدث عدو الله وعدو الإسلام: من إماتة السنة؟ " يعني الذي كان أحدث قبل المتوكل فأحيا المتوكل السنة. وقال فيما رأيته على ظهر جزء من كتب أخي ﵀ " حدثنا أبو الفتح بن منيع قال " سمعت جدي يقول: كان أحمد إذا ذكر المأمون قال: كان لا مأمون".
وقال في رواية الأثرم في امرأة لا ولي لها " السلطان" فقيل له: تقول السلطان، ونحن على ما ترى اليوم؟ وذلك في وقت يمتحن فيه القضاة. فقال " أنا لم أقل على ما نرى اليوم، إنما قلت السلطان". وهذا الكلام يقتضي الذم لهم والطعن عليهم، ولا يكون هذا إلا وقد قدح ذلك في ولايتهم، ويمكن أن يحمل ما قاله في رواية عبدوس وغيره، على أنه إذا كان هناك عارض يمنع من نصبة العدل العالم الفاضل وهو أن تكون النفوس قد سكنت إليهم وكلمتهم عليه أجمع، وفي العدول عنهم يكثر الهرج. وإذا وجدت هذه الصفات حالة العقد ثم عدمت بعد العقد نظرت، فإن كان جرحًا في عدالته وهو الفسق؛ فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة، سواء كان متعلقًا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات اتباعًا لشهوته، أو كان متعلقًا بالاعتقاد، وهو المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحق. وهذا ظاهر كلامه في رواية المروزي في الأمير يشرب المسكر ويغل، يغزي معه، وقد كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين، وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن.

1 / 20

وقال حنبل في رواية الواثق: اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله وقالوا" هذا أمر قد تفاقم وفشا - يعنون إظهار الخلق للقرآن - نشارك في أنا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه. فقال: وعليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين" وقال في رواية المروزي وذكر الحسن بن صالح فقال " كان يرى السيف، ولا نرضى بمذهبه". وإن كان الحادث على بدنه. فنظر، فإن كان زوال العقل، نظرت فيه، فإن كان عارضًا مرجوًا زواله كالإغماء، فهذا لا يمنع عقدها ولا استدامتها، لأنه مرض قليل اللبث، ولأن النبي ﷺ أغمي عليه في مرضه. وإن كَانَ لَازِمًا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، كَالْجُنُونِ وَالْخَبَلِ. فتنظر، فإن كان مطبقًا لا يتخلله إفاقة، فهذا يمنع الابتداء والاستدامة.
وإذا طرأ عليها أبطلها، لأنه يمنع المقصود الذي هو إقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحماية المسلمين. وإن كان يتخلله إفاقة يعود فيها إلى حال السلامة نظرت، فإن كان أكثر زمانه الخبل فهو كما لو كان مطبقًا، وإن كان أكثر زمانه الإفاقة فقد قيل: يمنع من عقدها، وهل بمنع مِنْ اسْتِدَامَتِهَا؟ فَقِيلَ: يَمْنَعُ مِنْ اسْتِدَامَتِهَا كَمَا يمنع من ابتدائها، لأن في ذلك إخلالًا بالنظر المستحق فيه: وقد قيل: لا يمنع من استدامتها، وإن منع من عقدها، لِأَنَّهُ يُرَاعِي فِي ابْتِدَاءِ عَقْدِهَا سَلَامَةً كَامِلَةً، وَفِي الْخُرُوجِ مِنْهَا نَقْصٌ كَامِلٌ. وَأَمَّا ذَهَابُ البصر فيمنع من عقدها واستدامتها، لأنه يبطل القضاء ويمنع مِنْ جَوَازِ الشَّهَادَةِ، فَأَوْلَى أَنْ يَمْنَعُ مِنْ صحة الإمامة. وأما عشي الْعَيْنِ، وَهُوَ أَنْ لَا يُبْصِرَ عِنْدَ دُخُولِ الليل، فلا يمنع من عقدها ولا استدامتها، لأنه مرض في زمانه الدعة يرجى زاله. وَأَمَّا ضَعْفُ الْبَصَرِ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ بِهِ الأشخاص إذا رآها لم يمنع الإمامة، وإن كان يدرك الأشخاص ولا يعرف منع من عقدها واستدامتها. فإن كان أخشم الأنف لا يدرك به شم الروائح، أو فقد الذوق الذي لا يفرق به بين الطعوم لم يؤثر ذلك فِي عَقْدِ الْإِمَامَةِ، لِأَنَّهُمَا يُؤَثِّرَانِ فِي اللَّذَّةِ دون الرأي والعمل. وأما الصمم والخرس فيمنعان ابتداء عقد الإمامة، لأنهما يؤثران في التدبير والعمل كما يؤثر العمى، وأما في الاستدامة فقد قيل: لَا يَخْرُجُ بِهِمَا مِنْ الْإِمَامَةِ لِقِيَامِ الْإِشَارَةِ مقامهما فراعينا في ابتدائها سلامة كاملة وفي الخروج نقصًا كاملًا. وأما تمتمة اللسان وثقل السمع مع إدراك الصوت إذا علا فلا يمنع الابتداء ولا الاستدامة، لأن موسى نبي الله ﵇ لم يمنعه عقدة لسانه من النبوة، فأولى أن لا يمنع الإمامة.
فإن كان مقطوع الذكر والأنثيين لم يمنع من الإمامة ولا من استدامتها، لأن فقد ذلك مؤثر في التناسل دون الرأي والحركة، فجرى مَجْرَى الْعُنَّةِ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى يَحْيَى بن زكريا ﵉، بذلك وأثنى عليه فقال تعالى (وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين) وقد روي عن ابن عباس ﵄ " أنه لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَكَرٌ يَغْشَى بِهِ النِّسَاءَ وكان كالنواة". فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ النُّبُوَّةِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ الْإِمَامَةِ.

1 / 21

وَكَذَلِكَ قَطْعُ الْأُذُنَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَا يُؤَثِّرَانِ فِي رأي ولا عمل، ولهما ستر خفي يمكن أن يستر فلا يظهر. وأما ذهاب اليدين الذي يمنع العمل، وذهاب الرجلين الذي يذهي البطش فيمنع من ابتداء عقدها ومن استدامتها، لعجزه عما يلزم من حقوق الأمة في عمل أو نهضة. وأما ذهاب إحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ فَلَا يَصِحُّ مَعَهُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِعَجْزِهِ عَنْ كَمَالِ التَّصَرُّفِ ولا يخرج به من الإمامة إذا طرأ عليها، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي عَقْدِهَا كَمَالُ السَّلَامَةِ وَفِي الخروج كمال النقص. فإن كان أجدع الأنف، أو سمل إحدى العينين لم يؤثر في ابتداء العقد ولا في استدامته، لأنه غير مؤثر في الحقوق. وقد قيل: يمنع من عقدها دون الاستدامة، لأنه نقص يزري فتقل به الهيبة، وبقلة الهيبة تقل الطاعة، وهذا يلزم عليه القصور. فإن حجر عليه وقهره مِنْ أَعْوَانِهِ مَنْ يَسْتَبِدُّ بِتَنْفِيذِ الْأُمُورِ مِنْ غير تظاهر بمعصية ولا مجاهرة بمشاقة لم يمنع ذلك من إمامته ولا قدح في ولايته. ثم تنظر فِي أَفْعَالِ مَنْ اسْتَوْلَى عَلَى أُمُورِهِ، فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً عَلَى أَحْكَامِ الدِّينِ وَمُقْتَضَى الْعَدْلِ جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا تَنْفِيذًا لَهَا وَإِمْضَاءً لِأَحْكَامِهَا، لئلا يقف من العقود الدِّينِيَّةِ مَا يَعُودُ بِفَسَادٍ عَلَى الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَفْعَالُهُ خَارِجَةً عَنْ حُكْمِ الدِّينِ وَمُقْتَضَى الْعَدْلِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا، وَلَزِمَهُ أَنْ يستنصر من يقبض يده ويزيل تغلبه. فإن صار مأسورًا في يد عدو ثاهر لا يقدر على الخلاص منه منع ذلك من عَقْدِ الْإِمَامَةِ لَهُ لِعَجْزِهِ عَنْ النَّظَرِ فِي أمور المسلمين، سواء كان العدو مسلمًا باغيًا أو كافرًا.
وللأمة فسحة في اختيار من عداه من ذوي القدرة. وقد أومأ أحمد إلى إبطال الإمامة بذلك في رواية أبي الحرث: في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك فيفتتن الناس، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم مع من تكون الجمعة؟ قال " مع من غلب". وظاهر هذا أن الثاني إذا قهر الأول وغلبه زالت إمامة الأول، لأنه قال " الجمعة مع من غلب" فاعتبر الغلبة. وقد وري عنه ما يدل على بقاء إمامته لأنه قال في رواية المروذي، وقد قيل سئل أي شيء الحجة في أن الجمعة تجب في الفتنة؟ فقال: "أمر عثمان لهم أن يصلوا؟ قيل له: فيقولون إن عثمان أمر بذلك. فقال: إنما سألوه بعد أن صلوا". وظاهر هذا أنه لم يخرج عثمان من الإمامة مع القهر لأنه اعتبر إذنه. فإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة اسْتِنْقَاذُهُ، لِمَا أَوْجَبَتْهُ الْإِمَامَةُ مِنْ نُصْرَتِهِ، وَهُوَ على إمامته إذا كان يرجى خلاصة ويؤمل فكاكه إما بقتال أو فداء، وإن وقع الإياس منه نظرت فيمن أسره، فإن كان من المشركين خرج من الإمامة واستأنف أهل الاختيار بيعة غيره. فإن عهد بالإمامة في حال أسره، نظرت.فإن كان بعد الإياس من خلاصة لم يصح عهده لأنه لِبَقَاءِ إمَامَتِهِ، وَاسْتَقَرَّتْ إمَامَةُ وَلِيِّ عَهْدِهِ بِالْإِيَاسِ من خلاصة لزوال إمامته، فإن خلص من أسره بعد

1 / 22

عهده، نظرت فِي خَلَاصِهِ؛ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ لَمْ يَعُدْ إلَى إمَامَتِهِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا بِالْإِيَاسِ، وَاسْتَقَرَّتْ فِي وَلِيِّ عَهْدِهِ، وَإِنْ خَلَصَ قَبْلَ الإياس منه فَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ وَيَكُونُ الْعَهْدُ فِي وَلِيِّ العهد ثابتًا. وَإِنْ كَانَ مَأْسُورًا مَعَ بُغَاةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كان يرجى خلاصه فَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ خَلَاصُهُ نظرت في البغاة؛ فإن كانوا لم ينصبوا لأنفسهم إمامًا فالإمام المأسور في أيديهم على إمامتهم، لأن بيعته لازمة لهم، وطاعته عليهم واجبة، فصار كونه معهم مثل كونه مع أهلالعدل إذا صار تَحْتَ الْحَجْرِ. وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يَسْتَنِيبُوا عَنْهُ نَاظِرًا يَخْلُفُهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الاستنابة، وإن قَدَرَ عَلَيْهَا كَانَ أَحَقَّ بِاخْتِيَارِ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ منهم.
فإن خلع المأمور نَفْسَهُ أَوْ مَاتَ لَمْ يَصِرْ الْمُسْتَنَابُ إمَامًا، لأنها نيابة عن موجود فزالت بفقده. وخلف ولي العهد، لأنها ولاية بعد مفقود لا تنعقد بوجوده فافترقاه. فإن كان أهل البغي قد نصبوا إمامًا لأنفسهم دَخَلُوا فِي بَيْعَتِهِ وَانْقَادُوا لِطَاعَتِهِ، فَالْإِمَامُ الْمَأْسُورُ فِي أَيْدِيهِمْ خَارِجٌ مِنْ الْإِمَامَةِ بِالْإِيَاسِ مِنْ خلاصه، لأنهم قد انحازوا بدار انعزل حُكْمُهَا عَنْ الْجَمَاعَةِ وَخَرَجُوا بِهَا عَنْ الطَّاعَةِ، فلم يبق لأهل العدل بهم نصرة ولا لمأسور مَعَهُمْ قُدْرَةٌ. وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ فِي دَارِ العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوه، فإن تخلص الْمَأْسُورُ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِمَامَةِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا. فإن كان أفضل الجماعة فبايعوه ثم حدث من هو أفضل منه لم يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ وفي الابتداء لو عدلوا عن الأفضل لغير عذر لم يجز. وإن كان لعذر مِنْ كَوْنِ الْأَفْضَلِ غَائِبًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ كان المفضول أطوع في الناس جاز. وَالْإِمَامَةُ تَنْعَقِدُ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: بِاخْتِيَارِ أَهْلِ الحل والعقد. وَالثَّانِي: بِعَهْدِ الْإِمَامِ مِنْ قَبْلُ. فَأَمَّا انْعِقَادُهَا باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد. قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: " الإمام الذي يجتمع [قول أهل الحل والعقد] عليه كلهم". يقول: هذا إمام. وظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم. وروي عنه ما دل على أنها تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد. فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار " ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا، برًا كان أو فاجرًا". وقال أيضًا في رواية أبي الحرث - في الإمام يخرج عليه، من يطلب الملك، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم - " تكون الجمعة مع من غلب". واحتج بأن ابن عمر صلى بأهل المدينة في زمن الحرة. وقال " نحن مع من غلب".
وجه الرواية الأولى: أنه لما اختلف المهاجرون والأنصار، فقالت الأنصار: " منا

1 / 23

أميرومنكم أمير" حاجهم عمر وقال لأبي بكر ﵄ " مد يدك أبايعك " فلم يعتبر الغلبة واعتبر العقد مع وجود الاختلاف. ووجه الثانية: ما ذكره أحمد عن ابن عمر، وقوله " نحن مع من غلب" ولأنها لو كانت تقف على عقد لصح رفعه وفسخه بقولهم وقوله كالبيع وغيره من العقود، ولما ثبت أنه لو عزل نفسه أو عزلوه لم ينعزل دل على أنه لا يفتقر إلى عقد. وإنما اعتبر فيها قول جماعة أهل الحل والعقد أنه الإمام لأنه يجب الرجوع إليه، ولا يسوغ خلافه والعدول عنه كالإجماع. ثم ثبت أن الإجماع يعتبر في انعقاده جميع أهل الحل والعقد، كذلك عقد الإمامة. فإن توقفوا أثموا، عقد لا يتم إلا بعاقد كالقضاة لا يصير قاضيًا حتى يولى، ولا يصير قاضيًا وإن وجدت صفته، كذلك الإمامة. وإذا جمع أهل الحل والعقد على الاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجود فِيهِمْ شُرُوطُهَا فَقَدَّمُوا لِلْبَيْعَةِ مِنْهُمْ أَكْثَرَهُمْ فَضْلًا، وأكملهم شروطًا. فَإِذَا تَعَيَّنَ لَهُمْ مِنْ بَيْنِ الْجَمَاعَةِ مَنْ أداهم الاجتهاد إلى اختياره وعرضوها عَلَيْهِ، فَإِنْ أَجَابَ إلَيْهَا بَايَعُوهُ عَلَيْهَا، وَانْعَقَدَتْ له الإمامة ببيعتهم، ولزم كَافَّةَ الْأُمَّةِ الدُّخُولُ فِي بَيْعَتِهِ وَالِانْقِيَادُ لِطَاعَتِهِ. وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِمَامَةِ وَلَمْ يُجِبْ إلَيْهَا لم يجبر عليها وعدل إلى من سواه من مستحقيها فبويع عليها. فإن امتنع الجميع من الدخول فيها فهل يأثمون بذلك؟ وهل يتعين عليهم. قال في رواية المروذي: " لابد للمسلمين من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟ وقال في رواية محمد بن موسى - في الشاهد يأبى أن يشهد أيأثم؟ - قال." إذا كان يضر بأهل القرية ومثله يحتاج إليه فلا يفعل". وظاهر كلامه: أنه جعل القضاء والشهادة من فروض الكفايات، مع ما قد جاء عن النبي ﷺ في ذم القضاء، فأولى أن تكون الإمامة الكبرى كذلك، إذ ليس طلبها ولا الدخول فيها مكروها.
وقد تنازعها أَهْلُ الشُّورَى، فَمَا رُدَّ عَنْهَا طَالِبٌ وَلَا منع منها راغب. ولأن بالناس حاجة إلى ذلك لحماية البيضة، والذب عن الحوزة، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، فجرى مجرى حاجتهم إلى غسل الموتى وحملهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن تكافأ في شروط الإمامة اثنان قدم أسنهما، وإن لم يكن ذلك شرطًا، فإن بويع أصغرهما جاز. فإن كان أحدهما أعلم والآخر أشجع نظرت، فَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى فَضْلِ الشَّجَاعَةِ أَدْعَى لِانْتِشَارِ الثُّغُورِ وَظُهُورِ الْبُغَاةِ كَانَ الْأَشْجَعُ أَحَقَّ، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم لِسُكُونِ الدَّهْمَاءِ وَظُهُورِ أَهْلِ الْبِدَعِ كَانَ الْأَعْلَمُ أَحَقَّ. فَإِنْ وَقَفَ الِاخْتِيَارُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ اثنين فتنازعاها لم يكن ذلك قدحًا يمنعهما منها. لما بينا أن

1 / 24

طلبها غير مكروه، لأنه قد تنازعها أهل الشورى. وبماذا نقطع تنازعهما مع تكافؤ أحوالهما؟ فقياس قول أحمد ﵀: أنه يقرع بينهما فيبايع من قرع منهما، لأنه قال في رواية عبد الله - في مسجد فيه رجلان تداعيا الأذان فيه "يقرع بينهما" واحتج بقول سعد. ولفظ الحديث ما رواه العكبري بإسناده عن ابن شبرمة " أن الناس تشاحوا في الأذان يوم القادسية، فأقرع بينهم سعد" وبإسناده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه استهموا". وصفة العقد: أن يقال "بايعناك على بيعة رضى، على إقامة العدل، والإنصاف، والقيام بفروض الإمامة" ولا يحتاج مع ذلك صفقة اليد. ولا يجوز عقد الإمامة لإمامين في بلدين في حالة واحدة.
فإن عقدت لاثنين وجدت فيهما الشرائط نظرت، فإن كانا في عقد واحد فالعقد باطل فيهما، وإن كان العقد لكل واحد منهما على الانفراد نظرت، فإن علم السابق منهما بطل العقد الثاني، وإن جهل منالسابق منهما يخرج علىالروايتين، إحداهما: بطلان العقد فيهما، والثانية: استعمال القرعة، بناء على ما إذا زوج الوليان وجهل السابق منهما، فهو على روايتين، كذلك هاهنا. ويجوز للإمام أن يعهد إلى إمام بعده، ولا يحتاج في ذلك إلى شهادة أهل الحل والعقد وذلك لأن أبا بكر عهد إلى عمر ﵄، وعمر عهد إلى ستة من الصحابة ﵃، ولم يعتبرا في حال العهد شهادة أهل الحل والعقد، ولأن عهده إلى غيره ليس بعقد للإمامة، بدليل أنه لو كان عقدًا لها لأفضى ذلك إلى اجتماع إمامين في عصر واحد، وهذا غير جائز، وإذا لم يكن عقدًا لم يعتبر حضورهم، وكان معتبرًا بعد موت الإمام العاقد. وإذا عهد إلى رجل كان له أن يعزله قبل موته، لما بينا أن إمامة المعهود إليه غير ثابتة مادام العاهد باقيًا إمامًا، وإذا لم تكن ثابتة كان له أن يخرجه من ذلك، كما أن الموصي له أن يخرج الوصي، لأن الوصية غير ثابتة مادام حيًا. ويجوز أن يعهد إلى من ينتسب إليه بأبوة أو بنوة، إذا كان المعهود له على صفات الأئمة، لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين، والتهمة تنتفى عنه. ويعتبر قبول المعهود إليه، ويكون ذلك بعد موت المولى، لأن إمامته في تلك الحال تنعقد ويعتبر في المعهود إليه شروط الإمامة العهد إليه، واستدامتها إلى ما بعد موت المولي.

1 / 25

فإن كان صغيرًا وقت العهد لم يصح، لأنها وإن كانت تلزم بعد موت العاقد فلا تمنع اعتبارها وقت العقد، كما قلنا في الوصى، يعتبر فيه شرائط الموصى وقت العقد، وإن كانت تلزم بالموت فإن عهد إلى غائب معلوم الحياة صح، وكان موقوفًا على قدومه.
فإن مات المولى وبعدت عيبته واستضر المسلمون بتأخير نظره استتاب أهل الاختيار نائبًا يبايعونه بالنيابة دون الخلافة فإذا قدم الغائب انعزل النائب. وإذا خلع الخليفة نفسه، إما بطريان عذر، أو قلنا له أن يخلع نفسه، انتقلت الولاية، إلَى وَلِيِّ عَهْدِهِ، وَقَامَ خَلْعُهُ مَقَامَ مَوْتِهِ. ولو عهد الخليفة إلى اثنين فأكثر، ولم يقدم أحدهما على الآخر، واختار أهل الاختيار أحدهما بعد موته جاز. والأصل فيه أهل الشورى، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الِاخْتِيَارِ - إذَا جَعَلَهَا الْإِمَامُ شُورَى فِي عَدَدٍ - أَنْ يَخْتَارُوا أَحَدَهُمْ فِي حَيَاةِ المستخلف العاهد، إلا أن يأذن لهم، لأنه بالإمامة أحق. فَإِنْ خَافُوا انْتِشَارَ الْأَمْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ اسْتَأْذَنُوهُ، فإن صار إلى حال الإياس نظرت". فإن زال عنه أمره وعزل عن رأيه فهو كحاله بعد موته في جواز الاختيار. وهل يجوز لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَنُصَّ عَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ، كَمَا ينص على أهل العهد؟ فقد قيل: يجوز، لأنها من حقوق خلافته. وقياس مذهبنا أنه لا يجوز لوجهين. أحدهما: أنها تقف على اختيار جميع أهل الحل والعقد. والثاني: أن إمامة المعهود إليه تنعقد بعد موته باختيار أهل الوقت. فإن قال: قد عهدت الأمر إلى فلان، فإن فلان مات قبل موتى أو تغيرت حاله فالإمام بعده فلان - وذكر آخر - جاز ذلك، وكان هذا عهدًا إليه بالشرط. فإن بقي الأول إلى وفاة العاهد سليمًا كان هو الإمام دون الثاني، وإن مات قبل موت الإمام أو تغيرت حاله بأحد ثلاثة أشياء كان الثاني هو الإمام المعهود إليه. وكذلك إن قال: فإن مات الثاني أو تغيرت حاله فالخليفة فلان صح، وكان ذلك على الترتيب.
والأصل فيه ما رواه الدارقطني في الإفراد بإسناده قال لما وجه رسول الله ﷺ القوم إلى مؤتة قال: عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة " وروى سيف بإسناده قال: " لما أنفذ عمر ﵁ بالجيش إلى نهاوند قال: قد أمرت حذيفة بن اليمان حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرن، وقد كتبت إلى النعمان: إن حدث بك حدث فعلى الناس حذيفة، وإن حدث بحذيفة حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن". وذكر أيضًا أن أبا عبيد عهد إلى الناس فقال " إن قتلت فعلى الناس جبر، فإن قتل فعليكم

1 / 26

فلان، فإن قتل فعليكم المرقال". وذلك في يوم الجسر. فإن عهد إلى رجل ثم قال: فإن مات المعهود إليه بعد نظره وإفضاء الخلافة إليه فالإمام بعده فلان، أخذ بذكره، فإن ذكره وعهد إليه أولا هو الإمام بعده، وإذا مات المعهود إليه أو انعزل بحدوث معنى لم يكن للذي بعده ولاية ولا عهد. لأن الأمر صار لمن جعله ولي عهده بعده فإذا صار إمامًا حصل التصرف والنظر إليه والاختيار إليه، وكان العهد إليه فيمن يراه. ويفارق هذا الفصل الذي قبله؛ لأنه جعل العهد إلى غيره عند موته وتغير صفاته في الحالة التي لم يثبت للمعهود إليه إمامة، بل كاننت إمامة الأول باقية، فلهذا صح عهده إلى من يراه. ولا يجب على كافة الناس معرفة الإمام بعينه واسمه، إلا من هو من أهل الاختيار الذين تقوم بهم الحجة وتنعقد بهم الخلافة. ويجوز أن يسمي خليفة لمن عقد له الأمر، ويسمي خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ خَلَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أمته. وهل يجوز أن يقال: خليفة الله تعالى؟ فقد قيل يجوز، لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى (هو الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بعض درجات) وقيل لا يجوز، لأنه إنما يستخلف من يغيب أو يموت، والله تعالى لا يغيب ولا يموت. وقيل لأبي بكر: يا خليفة الله.
فقال: " لست خليفة اللَّهِ وَلَكِنِّي خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". ويلزم الإمام من أمور الأمة عشرة أشياء:
أحدها: حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة. فإن زاغ ذو شبهة عنه بين له الحجة وأوضح لَهُ الصَّوَابَ، وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ، لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا مِنْ خَلَلٍ وَالْأُمَّةُ ممنوعة من الزلل.
الثَّانِي: تَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ، وَقَطْعُ الْخِصَامِ بينهم، حتى تظهر النَّصَفَةُ، فَلَا يَتَعَدَّى ظَالِمٌ وَلَا يَضْعُفُ مَظْلُومٌ.
الثالث: حماية البيضة والذب عن الحوزة لِيَتَصَرَّفَ النَّاسُ فِي الْمَعَايِشِ وَيَنْتَشِرُوا فِي الْأَسْفَارِ آمنين.
الرابع: إقَامَةُ الْحُدُودِ لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الِانْتِهَاكِ، وَتُحْفَظَ حُقُوقُ عِبَادِهِ مِنْ إتْلَافٍ وَاسْتِهْلَاكٍ.
الخامس: تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ، حَتَّى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرمًا ويسفكون فيها دمًا لمسلم أو معاهد.
السادس: جِهَادُ مَنْ عَانَدَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَتَّى يسلم أو يدخل في الذمة.

1 / 27