311

Adab du monde et de la religion

أدب الدنيا والدين

Maison d'édition

دار مكتبة الحياة

Édition

الأولى

Année de publication

1407 AH

Lieu d'édition

بيروت

الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ إبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَهُ إلَّا بِطَاعَتِهِ» . فَهَذَا شَرْطٌ.
وَأَمَّا مَوَاقِفُ الرِّيبَةِ فَهِيَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْ حَمْدٍ وَذَمٍّ، وَالْوُقُوفُ بَيْنَ حَالَتَيْ سَلَامَةٍ وَسَقَمٍ، فَتَتَوَجَّهُ إلَيْهِ لَائِمَةُ الْمُتَوَهِّمِينَ، وَيَنَالُهُ ذِلَّةُ الْمُرِيبِينَ، وَكَفَى بِصَاحِبِهَا مَوْقِفًا إنْ صَحَّ افْتَضَحَ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ اُمْتُهِنَ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» . وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ الْمُرُوءَةِ فَقَالَ: أَنْ لَا تَعْمَلَ فِي السِّرِّ عَمَلًا تَسْتَحِي مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ. وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ: مَا وَجَدْت شَيْئًا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ الْوَرَعِ. قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: إذَا ارْتَبْتَ بِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ.
وَالدَّاعِي إلَى هَذِهِ الْحَالِ شَيْئَانِ: الِاسْتِرْسَالُ، وَحُسْنُ الظَّنِّ. وَالْمَانِعُ مِنْهُمَا شَيْئَانِ: الْحَيَاءُ، وَالْحَذَرُ. وَرُبَّمَا انْتَفَتْ الرِّيبَةُ بِحُسْنِ الثِّقَةِ وَارْتَفَعَتْ التُّهْمَةُ بِطُولِ الْخِبْرَةِ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ أَنَّهُ رَآهُ بَعْضُ الْحَوَارِيِّينَ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِ امْرَأَةٍ ذَاتِ فُجُورٍ فَقَالَ: يَا رُوحَ اللَّهِ مَا تَصْنَعُ هُنَا؟ فَقَالَ: الطَّبِيبُ إنَّمَا يُدَاوِي الْمَرْضَى. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ طَرِيقًا إلَى الِاسْتِرْسَالِ وَلْيَكُنْ الْحَذَرُ عَلَيْهِ أَغْلَبَ، وَإِلَى الْخَوْفِ مِنْ تَصْدِيقِ التُّهَمِ أَقْرَبَ، فَمَا كُلُّ رِيبَةٍ يَنْفِيهَا حُسْنُ الثِّقَةِ. هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَبْعَدُ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ الرِّيَبِ وَأَصْوَنُهُمْ مِنْ التُّهَمِ، «وَقَفَ مَعَ زَوْجَتِهِ صَفِيَّةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَلَى بَابِ مَسْجِدٍ يُحَادِثُهَا وَكَانَ مُعْتَكِفًا فَمَرَّ بِهِ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَاهُ أَسْرَعَا فَقَالَ لَهُمَا: عَلَى رِسْلِكُمَا إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ. فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ أَوَفِيكَ شَكٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَهْ إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أَحَدِكُمْ مَجْرَى لَحْمِهِ وَدَمِهِ فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قَلْبَيْكُمَا سُوءًا» . فَكَيْفَ مَنْ تَخَالَجَتْ فِيهِ الشُّكُوكُ وَتَقَابَلَتْ فِيهِ الظُّنُونُ فَهَلْ يَعْرَى مَنْ فِي مَوَاقِفِ الرِّيَبِ مِنْ قَادِحٍ مُحَقَّقٍ، وَلَائِمٍ مُصَدَّقٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا لَمْ يَشْقَ الْمَرْءُ إلَّا بِمَا عَمِلَ فَقَدْ سَعِدَ» . وَإِذَا اسْتَعْمَلَ الْحَزْمَ وَغَلَّبَ الْحَذَرَ وَتَرَكَ مَوَاقِفَ الرِّيَبِ وَمَظَانَّ التُّهَمِ، وَلَمْ يَقِفْ مَوْقِفَ الِاعْتِذَارِ وَلَا عُذْرَ لِمُخْتَارٍ لَمْ يَخْتَلِجْ فِي نَزَاهَتِهِ شَكٌّ وَلَمْ يَقْدَحْ فِي

1 / 327