310

Adab du monde et de la religion

أدب الدنيا والدين

Maison d'édition

دار مكتبة الحياة

Édition

الأولى

Année de publication

1407 AH

Lieu d'édition

بيروت

بِأَرْبَعٍ الْتَمَسَ مَا لَا يَكُونُ، وَمَنْ الْتَمَسَ الْجَزَاءَ بِالرِّيَاءِ الْتَمَسَ مَا لَا يَكُونُ، وَمَنْ الْتَمَسَ مَوَدَّةَ النَّاسِ بِالْغِلْظَةِ الْتَمَسَ مَا لَا يَكُونُ، وَمَنْ الْتَمَسَ وَفَاءَ الْإِخْوَانِ بِغَيْرِ وَفَاءٍ الْتَمَسَ مَا لَا يَكُونُ، وَمَنْ الْتَمَسَ الْعِلْمَ بِرَاحَةِ الْجَسَدِ الْتَمَسَ مَا لَا يَكُونُ. وَالدَّاعِي إلَى الْخِيَانَةِ شَيْئَانِ: الْمَهَانَةُ وَقِلَّةُ الْأَمَانَةِ، فَإِذَا حَسَمَهُمَا عَنْ نَفْسِهِ بِمَا وَصَفْتُ ظَهَرَتْ مُرُوءَتُهُ، فَهَذَا شَرْطٌ قَدْ اسْتَوْفَيْنَا فِيهِ أَقْسَامَ الْعِفَّةِ.
وَأَمَّا النَّزَاهَةُ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: النَّزَاهَةُ عَنْ الْمَطَامِعِ الدَّنِيَّةِ. وَالثَّانِي النَّزَاهَةُ عَنْ مَوَاقِفِ الرِّيبَةِ. فَأَمَّا الْمَطَامِعُ الدَّنِيَّةُ؛ فَلِأَنَّ الطَّمَعَ ذُلٌّ وَالدَّنَاءَةَ لُؤْمٌ، وَهُمَا أَدْفَعُ شَيْءٍ لِلْمُرُوءَةِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ طَمَعٍ يَهْدِي إلَى طَبْعٍ» . وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
لَا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعٍ ... فَإِنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْك فِي الدِّينِ
وَاسْتَرْزِقْ اللَّهَ مِمَّا فِي خَزَائِنِهِ ... فَإِنَّمَا هُوَ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ
وَالْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئَانِ: الشَّرَهُ وَقِلَّةُ الْأَنَفَةِ فَلَا يَقْنَعُ بِمَا أُوتِيَ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا؛ لِأَجْلِ شَرَهِهِ، وَلَا يَسْتَنْكِفُ مِمَّا مُنِعَ، وَإِنْ كَانَ حَقِيرًا لِقِلَّةِ أَنَفَتِهِ. وَهَذِهِ حَالُ مَنْ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ قَدْرًا، وَيَرَى الْمَالَ أَعْظَمَ خَطَرًا، فَيَرَى بَذْلَ أَهْوَنِ الْأَمْرَيْنِ لِأَجَلِّهِمَا مَغْنَمًا، وَلَيْسَ لِمَنْ كَانَ الْمَالُ عِنْدَهُ أَجَلَّ وَنَفْسُهُ عَلَيْهِ أَقَلَّ إصْغَاءٌ لِتَأْنِيبٍ، وَلَا قَبُولٌ لِتَأْدِيبٍ. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي. قَالَ: عَلَيْك بِالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَإِيَّاكَ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ فَقْرٌ حَاضِرٌ، وَإِذَا صَلَّيْت صَلَاةً فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا مُنَاهُ وَهَمُّهُ ... سَبَتْهُ الْمُنَى وَاسْتَعْبَدَتْهُ الْمَطَامِعُ
وَحَسْمُ هَذِهِ الْمَطَامِعِ شَيْئَانِ: الْيَأْسُ وَالْقَنَاعَةُ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي

1 / 326