Adab du monde et de la religion
أدب الدنيا والدين
Maison d'édition
دار مكتبة الحياة
Édition
الأولى
Année de publication
1407 AH
Lieu d'édition
بيروت
Régions
•Irak
Empires & Eras
Seldjoukides
وَالدَّاعِي إلَى ذَلِكَ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: إرْسَالُ الطَّرْفِ. وَالثَّانِي: اتِّبَاعُ الشَّهْوَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: «يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ الْأُولَى لَك وَالثَّانِيَةَ عَلَيْك» . وَفِي قَوْلِهِ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا تُتْبِعْ نَظَرَ عَيْنَيْك نَظَرَ قَلْبِك، وَالثَّانِي لَا تُتْبِعْ الْأُولَى الَّتِي وَقَعَتْ سَهْوًا بِالنَّظْرَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تُوقِعُهَا عَمْدًا. وَقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇: إيَّاكُمْ وَالنَّظْرَةَ بَعْدَ النَّظْرَةِ فَإِنَّهَا تَزْرَعُ فِي الْقَلْبِ الشَّهْوَةَ، وَكَفَى بِهَا لِصَاحِبِهَا فِتْنَةً. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ -: الْعُيُونُ مَصَائِدُ الشَّيْطَانِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أَرْسَلَ طَرْفَهُ اسْتَدْعَى حَتْفَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
وَكُنْتَ مَتَى أَرْسَلْتَ طَرْفَك رَائِدًا ... لِقَلْبِك يَوْمًا أَتْعَبَتْكَ الْمَنَاظِرُ
رَأَيْتَ الَّذِي لَا كُلَّهُ أَنْتَ قَادِرٌ ... عَلَيْهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابِرُ
وَأَمَّا الشَّهْوَةُ فَهِيَ خَادِعَةُ الْعُقُولِ وَغَادِرَةُ الْأَلْبَابِ، وَمُحَسِّنَةُ الْقَبَائِحِ، وَمُسَوِّلَةُ الْفَضَائِحِ. وَلَيْسَ عَطَبٌ إلَّا وَهِيَ لَهُ سَبَبٌ، وَعَلَيْهِ أَلَبُّ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﵇: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَحُفِظَ مِنْ الشَّيْطَانِ: مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ حِينَ يَرْغَبُ، وَحِينَ يَرْهَبُ، وَحِينَ يَشْتَهِي، وَحِينَ يَغْضَبُ» .
وَقَهْرُهَا عَنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ يَكُونُ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا غَضُّ الطَّرْفِ عَنْ إثَارَتِهَا، وَكَفُّهُ عَنْ مُسَاعَدَتِهَا. فَإِنَّهُ الرَّائِدُ الْمُحَرِّكُ، وَالْقَائِدُ الْمُهْلِكُ. رَوَى سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تَقَبَّلُوا إلَيَّ بِسِتٍّ أَتَقَبَّلُ إلَيْكُمْ بِالْجَنَّةِ. قَالُوا وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إذَا حَدَّثَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَكْذِبُ، وَإِذَا وَعَدَ فَلَا يُخْلِفُ، وَإِذَا اُؤْتُمِنَ فَلَا يَخُونُ، غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» .
وَالثَّانِي: تَرْغِيبُهَا فِي الْحَلَالِ عِوَضًا، وَإِقْنَاعُهَا بِالْمُبَاحِ بَدَلًا، فَإِنَّ اللَّهَ مَا حَرَّمَ شَيْئًا إلَّا وَأَغْنَى عَنْهُ بِمُبَاحٍ مِنْ جِنْسِهِ لِمَا عَلِمَهُ مِنْ نَوَازِعِ الشَّهْوَةِ، وَتَرْكِيبِ الْفِطْرَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَوْنًا عَلَى طَاعَتِهِ، وَحَاجِزًا عَنْ مُخَالَفَتِهِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ إلَّا وَأَعَانَ عَلَيْهِ، وَلَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ إلَّا وَأَغْنَى عَنْهُ. وَالثَّالِثُ: إشْعَارُ النَّفْسِ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي
1 / 322