281

Adab du monde et de la religion

أدب الدنيا والدين

Maison d'édition

دار مكتبة الحياة

Édition

الأولى

Année de publication

1407 AH

Lieu d'édition

بيروت

فَإِذَا سَاعَدَهُ جَزَعُهُ بِالْأَسْبَابِ الْبَاعِثَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَدَّهُ هَلَعُهُ بِالذَّرَائِعِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ، فَقَدْ سَعَى فِي حَتْفِهِ وَأَعَانَ عَلَى تَلَفِهِ.
فَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ: تَذَكُّرُ الْمُصَابِ حَتَّى لَا يَتَنَاسَاهُ، وَتَصَوُّرُهُ حَتَّى لَا يَعْزُبَ عَنْهُ، وَلَا يَجِدُ مِنْ التَّذْكَارِ سَلْوَةً، وَلَا يَخْلِطُ مَعَ التَّصَوُّرِ تَعْزِيَةً. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: لَا تَسْتَفِزُّوا الدُّمُوعَ بِالتَّذَكُّرِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَا يَبْعَثُ الْأَحْزَانَ مِثْلُ التَّذَكُّرِ
وَمِنْهَا: الْأَسَفُ وَشِدَّةُ الْحَسْرَةِ فَلَا يَرَى مِنْ مُصَابِهِ خَلَفًا، وَلَا يَجِدُ لِمَفْقُودِهِ بَدَلًا، فَيَزْدَادُ بِالْأَسَفِ وَلَهًا، وَبِالْحَسْرَةِ هَلَعًا. وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] .
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
إذَا بُلِيتَ فَثِقْ بِاَللَّهِ وَارْضَ بِهِ ... إنَّ الَّذِي يَكْشِفُ الْبَلْوَى هُوَ اللَّهُ
إذَا قَضَى اللَّهُ فَاسْتَسْلِمْ لِقُدْرَتِهِ ... مَا لِامْرِئٍ حِيلَةٌ فِيمَا قَضَى اللَّهُ
الْيَأْسُ يَقْطَعُ أَحْيَانًا بِصَاحِبِهِ ... لَا تَيْأَسَنَّ فَإِنَّ الصَّانِعَ اللَّهُ
وَمِنْهَا: كَثْرَةُ الشَّكْوَى وَبَثُّ الْجَزَعِ. فَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥] .
إنَّهُ الصَّبْرُ الَّذِي لَا شَكْوَى فِيهِ وَلَا بَثَّ. رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا صَبَرَ مَنْ بَثَّ» . وَحَكَى كَعْبُ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَشَكَا إلَى النَّاسِ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ. وَحُكِيَ أَنَّ أَعْرَابِيَّةً دَخَلَتْ مِنْ الْبَادِيَةِ فَسَمِعَتْ صُرَاخًا فِي دَارٍ فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ لَهَا: مَاتَ لَهُمْ إنْسَانٌ. فَقَالَتْ: مَا أَرَاهُمْ إلَّا مِنْ رَبِّهِمْ يَسْتَغِيثُونَ، وَبِقَضَائِهِ يَتَبَرَّمُونَ، وَعَنْ ثَوَابِهِ يَرْغَبُونَ.
وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: مَنْ ضَاقَ قَلْبُهُ اتَّسَعَ لِسَانُهُ. وَأَنْشَدَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ:

1 / 297