منها: أنه كان يطيل طريق الذهاب لتحصيل الفضيلة، ثم يرجع من طريق أقصر. قال وهذا هو الراجح عند الأكثرين.
وقيل: ليتصدق فيهما.
وقيل: ليسوّى بين أهل الطريقين.
وقيل: لتشهد له الطريقان.
وقيل: ليغيظ المنافقين بإظهار الشعار.
وقيل غير ذلك.
فهو مثال لما تردد فيه الفعل بين أسباب.
ومثال ما لم ينقدح فيه سبب أصلًا تقبيل النبي ﷺ للحجر الأسود، قال عمر بن الخطاب ﵁، لما وقف عند الحجر (١): "إني لأقبلّك، وإني لأعلم أنك حجر، وأنك لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك".
وهذه قاعدة ينبني عليها الاقتداء بأفعال كثيرة مما فعله النبي ﷺ من الأمور المشروعة التي لم تعلم أسبابها. فإنها ينبغي أن تكون محلًا للقدوة ولا ينبغي أن يقال: لا نفعلها إلا بعد معرفة السبب. فلو قيل ذلك لسقطت دلالة أفعال كثيرة تتصل بالشرع ولم تعلم أسبابها، تعلم من تتبع كتب الحديث ولكن الشرط أن يعلم أن الفعل خارج عن الجبليّ ونحوه مما تقدم، مما لا يقتدى به أصلًا. والله أعلم.
استدراك:
يلوح لنا في هذه المسألة تقييد:
فإن الفعل إذا جهل معناه، ولكن دار بين احتمالات بعضها باق وبعضها زائل، فيتأتى القول السابق بصحة الاقتداء به. ومما هو زائد في المثال السابق الذي ذكره السبكي: قصد التصدق في الطريقين، فإنه زائد بالنسبة إلى من لا يريد أن
(١) رواه مسلم ١٩/ ١٧والبخاري.